لم يكن قرار المملكة العربية السعودية إعادة فتح أسواقها أمام الواردات اللبنانية مجرد خطوة تجارية أو اقتصادية عابرة، بل يحمل في طياته دلالات أعمق تتجاوز الأرقام وحركة البضائع.
إنه رسالة ثقة إلى لبنان وشعبه، ورسالة واضحة بأن العالم العربي لا يزال يرى في لبنان شريكًا طبيعيًا ومهمًا متى عاد إلى موقعه الطبيعي كدولة ذات سيادة ومؤسسات فاعلة.
لطالما شكّل لبنان بوابةً أساسيةً للشرق الأوسط. فمن مرافئه ومطاراته وأسواقه مرّت التجارة والاستثمارات، ومن مصارفه انطلقت حركة التمويل، ومن جامعاته ومؤسساته خرجت الكفاءات التي ساهمت في بناء المنطقة العربية. كما شكّلت الزراعة والصناعة اللبنانية لعقود طويلة جزءًا من منظومة اقتصادية مترابطة مع الأسواق الخليجية والعربية، وفي مقدمتها السوق السعودية.
إن إعادة فتح السوق السعودية أمام المنتجات اللبنانية تأتي في لحظة دقيقة من تاريخ لبنان، حيث تشير الرياض إلى ما تصفه بالخطوات الإيجابية لتعزيز مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار. وهذه الإشارة ليست تفصيلًا سياسيًا، بل تعكس رؤية عربية مفادها أن دعم لبنان واستعادة دوره الاقتصادي مرتبطان بقدرته على ترسيخ سلطة الدولة وإعادة بناء الثقة داخليًا وخارجيًا.
من هنا، يصبح من الضروري مواصلة مسار استعادة الدولة لدورها الكامل. فلبنان يحتاج إلى تعزيز علاقاته مع محيطه العربي، وتطوير شراكاته الاقتصادية مع الدول العربية المعتدلة، وإعادة بناء مؤسساته السياسية والأمنية والاقتصادية على أسس حديثة وقادرة على جذب الاستثمارات. كما أن الاستقرار الدائم يتطلب حصر القرار الأمني والعسكري بمؤسسات الدولة الشرعية، بما يعزز الثقة المحلية والدولية بقدرة لبنان على حماية مصالحه الوطنية.
لكن أهمية هذه الخطوة تتجاوز التصدير والاستيراد. فالعالم يشهد اليوم تحولات كبرى في مجالات الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. ومع تكرار الأزمات الإقليمية والتوترات التي تؤثر على طرق التجارة التقليدية، تبحث الدول والشركات الكبرى عن مسارات أكثر استقرارًا وأمانًا لنقل البضائع والطاقة والاستثمارات.
وهنا تظهر القيمة الاستراتيجية الحقيقية للبنان.
فلبنان لا يجب أن يكون دولة على خطوط المواجهة والصراعات الإقليمية، بل يمكن أن يتحول إلى نقطة التقاء ومركز ربط بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط. موقعه الجغرافي الفريد يمنحه فرصة استثنائية ليكون جسرًا اقتصاديًا ولوجستيًا يربط أسواق الخليج بالأسواق الأوروبية والعالمية، وليكون محطة عبور لمشاريع الطاقة والتجارة والبنية التحتية التي يمكن أن تغيّر وجه الاقتصاد اللبناني لعقود مقبلة.
إن المرافئ اللبنانية، وشبكات النقل المحتملة، والقدرات البشرية اللبنانية، كلها عناصر تجعل من لبنان مرشحًا طبيعيًا للعب هذا الدور. لكن تحقيق هذه الفرصة يتطلب بيئة مستقرة ومؤسسات قوية ودولة قادرة على فرض سيادتها على كامل أراضيها وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
فالشركات العالمية والمستثمرون ومشاريع البنية التحتية الكبرى لا يضخون مليارات الدولارات في بيئات مضطربة أو غير مستقرة.
الاستثمار يحتاج إلى وضوح في القرار السياسي، واستقرار أمني، وقضاء فاعل، ومؤسسات رسمية قوية قادرة على حماية العقود والاستثمارات.
لذلك، فإن لبنان يقف اليوم أمام خيار تاريخي. إما أن يبقى أسير الأزمات والصراعات والمحاور الإقليمية، وإما أن يستعيد دوره الطبيعي كبوابة اقتصادية للشرق الأوسط وملتقى للمصالح العربية والدولية.
فالطريق من وإلى الرياض لا يمر فقط عبر الشاحنات والبضائع، بل يمر أيضًا عبر استعادة الثقة بالدولة اللبنانية. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ سيادته، وتعزيز مؤسساته، والانفتاح على محيطه العربي، سيعود مركزًا للاستثمار والتجارة والسياحة والخدمات، وسيستعيد مكانته التي عرفها العالم لعقود طويلة.
في المحصلة، لبنان لا يحتاج إلى أن يكون ساحة صراع. لبنان يستطيع أن يكون جسرًا. جسرًا يربط الخليج بالبحر الأبيض المتوسط، والعالم العربي بالأسواق العالمية. وعندها فقط، يمكن أن يعود بلدًا مزدهرًا ومستقرًا ومؤثرًا، كما كان دائمًا، وكما يستحق أن يكون.
The post من بيروت إلى الرياض… شراكة تتجاوز التجارة ولبنان يستعيد موقعه appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.










