يُمثِّلُ “الإطار الثلاثي بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان”، المُوقًّع في واشنطن في 26 حزيران 2026، تحولاً جذرياً في البنية القانونية والجيوسياسية للمنطقة. فبالانتقال من صيغ وقف إطلاق النار المؤقتة، يضع هذا الإطار صورياً خارطة طريق مشروطة لإنهاء حالة الحرب ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير النظامية.
إنّ التحليل القانوني يكشف كيفية تداخل هذا الإطار مع الأنظمة القانونية الناشئة عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 (2006) واتفاقية الهدنة العامة لعام 1949، وإعلان وقف الأعمال العدائيّة للعام 2024 ومدى تمايزه عنها، ناهيك عن مدى تناقضه مع اتفاق إسلام آباد المبرم آنفاً. مع العلم أنّ إسرائيل تُمْعِنُ بمخالفة الشرعية الدولية عبر خرق قراراتها وعدم التقيّد بمضمون الاتفاقات الدولية. تلجأ مرغمة إلى ترتيبات ثنائية تتفرد بتفسيرها والعبث في مضمونها تلجأ لها لتحييد تطبيق القانون الدولي الذي لا تؤمن به. في المقابل، يلجأ حزب الله بمعزل عن الدولة اللبنانية، إلى عدم احترام القرارات الدولية بحجّة أنّها آلية تدخل في الشؤون السيادية اللبنانية وبمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وهو يلجأ إلى تفسيره الجزئي لاتفاقات قد أبرمها مع الاحتلال الإسرائيلي، متمسكاً بسلاحه. للأسف سقطت الدولة اللبنانية ضحية عدم احترام أطراف النزاع للشرعية الدولية وعدم الامتثال للقانون الدولي.
أولاً: علاقة الإطار مع القرار 1701: تطوّر أم انحراف؟
صدر القرار 1701 لوضع حدّ لعدوان 2006، فأنشأ منطقة أمنية بين الخط الأزرق ونهر الليطاني. أمّا الإطار الثلاثي لعام 2026 فينطوي على نقاط تلاقٍ جوهرية مع هذا القرار بالتوازي مع انحرافات قانونية واضحة.
على مستوى التطابق بشأن نزع السلاح واحتكار الدولة للقوة المسلّحة، يُعِيدُ إطار عام 2026 صياغة المضمون الجوهري لالتزام القرار 1701 (وامتداداً للقرارين 1559 و1680) الذي لم يُنفَّذ. من الناحية القانونية، يظلّ جوهر هذا الالتزام ثابتاً، حظر احتفاظ التنظيمات العسكرية ببنى عسكرية مستقلّة.
أمّا بخصوص توسيع النطاق الجغرافي، في حين ركّز القرار 1701 أساساً على المنطقة الواقعة “جنوب نهر الليطاني” (بجعلها خالية من أي أفراد مسلحين أو عتاد عسكري)، فإن إطار العام 2026 يوسع هذا النطاق بشكل ملحوظ؛ حيث يستهدف تفكيك البنى التحتية ونزع السلاح في أي مكان في لبنان. وبذلك، يُلغي أيّ قيد جغرافي كان يسمح لحزب الله بالحفاظ على سلاحه شمال نهر الليطاني.
أمّا بخصوص آلية التنفيذ (التحوّل الهيكلي)، هنا يكمن الانحراف القانوني الأبرز. فالقرار 1701 أداة متعددة الأطراف منبثقة عن منظومة الأمم المتحدة، وتعتمد على قوات اليونيفيل واللجنة الثلاثية برئاسة الأمم المتحدة لمراقبة الامتثال. بالمقابل، يتجاوز إطار العام 2026 المنظومة الأممية التقليدية لصالح “مسار ثنائي حصري برعاية أمريكية”. فهو يستحدث مفهوم “المناطق النموذجية ” (Pilot Zones) وبرنامجاً مرحلياً مشروطاً بالأداء والأفعال، وتتمّ عملية التحقّق منه مباشرة من قِبل الولايات المتحدة. ويمثل ذلك تحولاً في مركز الثقل القانوني من إنفاذ دولي تقوده الأمم المتحدة إلى بنية تحقّق دولتية (State-to-State) ثلاثية الأطراف.
ثانياً: التداخل القانوني لإطار 2026 مع إعلان وقف الأعمال العدائية للعام 2024
لتحديد ما إذا كان إطار 26 حوسران 2026 يتناقض مع إعلان وقف الأعمال العدائية الموقع في 27 تشرين الثاني 2024، لا بدّ من تفكيك العلاقة التراتبية والزمنية بين هذين الصكين القانونيين. على مستوى الاتساق الجوهري في “محلّ العقد” والالتزام ( Substantive Alignment)، فمن حيث الموضوع، لا يوجد تناقض جوهري بين إعلان تشرين الثاني 2024 وإطار حزيران 2026. بنى إعلان تشرين الثاني 2024 التزاماته بالكامل على ركائز القرار 1701 عبر تعهّدات كلاسيكيّة، حيث وافق لبنان وإسرائيل على وقف دائم للعمليات العدائية، وتعهد لبنان بـ”تفكيك كافة المنشآت العسكرية ومنع إعادة تسليح المجموعات غير النظامية جنوب نهر الليطاني” خلال مهلة 60 يوماً، مع انسحاب تدريجي متزامن للقوات الإسرائيلية. أمّا إطار حزيران 2026 المُعزّز، فيأتي ليعيد تأكيد ذات الواجب القانوني (نزع السلاح واحتكار الدولة للقوة)، مما يعني أنّ “محلّ الالتزام” واحد.
أمّا مكمن التناقض والتحول الراديكالي يظهر في آليات التحقّق والإنفاذ (Enforcement Mechanisms). لقد أنشأ إعلان 2024 “آلية عسكرية للرقابة والتحقق” خماسية الأطراف برئاسة الولايات المتحدة وعضوية فرنسا، واليونيفيل، ولبنان، وإسرائيل. كانت هذه الآلية مصممة لتعمل عبر القنوات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة لتبادل البلاغات ومعالجة الخروقات.
أمّا آلية حزيران 2026 (الحصريّة والتنفيذية)، فيمثل إطارها الثلاثي الجديد انقلاباً على الصيغة الخماسية لعام 2024؛ حيث جرى إقصاء الطرف الفرنسي وإنهاء الدور المستقل لليونيفيل كجهة أمميّة محايدة لمصلحة تفويض أمريكي مباشر وثنائي بالتحقّق. الأهم من ذلك، أنّ إطار 2026 استبدل مفهوم “اللجنة المشتركة لبحث الخروقات” بمفهوم “المناطق النموذجية المشروطة بالأداء”، مانحاً إسرائيل حقاً قانونياً مؤقتاً بالبقاء على الأرض ريثما يتحقق الجانب الأمريكي من نزع السلاح فعلياً، وهو ما يُعدُّ تراجعاً إجرائياً عمّا تمّ الاتفاق عليه في إعلان 2024 الذي كان يربط الانسحاب الإسرائيلي بانتشار الجيش اللبناني، لا بشرط التحقُّق المسبق من نزع السلاح الكامل.
بموجب قانون المعاهدات الدولي (Jus Gentium)، تمتلك الدولتان السيادتان الأهلية القانونية المتأصلة لإبرام اتفاقيات جديدة تعدل التزاماتهما الثنائية السابقة، وفق القاعدة الفقهية ( Lex posterior derogat legi priori) القانون اللاحق ينسخ القانون السابق عند اتحاد الموضوع والأطراف)، فإذا وقعت الحكومتان السياديتان في لبنان وإسرائيل معاهدة سلام شاملة في ظل هذا الإطار الجديد، ستصبح تلك المعاهدة الجديدة هي الشريعة الأسمى التي تحكم علاقاتهما الثنائية. كما وأنّه في القانون الدولي، تخضع العلاقة بين إعلان تشرين الثاني 2024 وإطار حزيران 2026 للقاعدة الفقهية “تفسير العقد اللاحق بما يضمن نفاذه لا إبطاله”؛ فالإطار الثلاثي الجديد يمثل “أداة إنفاذ جبرية وتعديلية” (Supplemental & Enforcement Treaty) جاءت لتعالج عجز آليات الرقابة الخماسية المقررة في 2024 عن تحقيق غايتها.
بيد أن هذا الانتقال من الآلية الخماسية إلى آلية التحقّق، يخلق معضلة سيادية دستورية جديدة للبنان، لأنه يُقيّد ويؤخّر عملية الانسحاب الإسرائيلي الشامل بمعايير تحقّق خارجية صارمة لم تكن منصوصاً عليها بهذا الشكل القسري في إعلان 2024
أمّا الإشكاليّة الأساسيّة تكمن في أنّ إعلان 2024 هو منبثق عن قرار مجلس الأمن 1701، وهو وُضِعَ لتنفيذه، وأنّ إطار 2026 جاء ليعدّل مضمون قرار مجلس الأمن النافذ بوجه كافّة أعضاء الأمم المتحدة وليس فقط بوجه أطراف النزاع بموجب المادتين 25 و48 من ميثاق الأمم المتحدة. والسؤال الأبرز، هل إنّ قرار مجلس الأمن 1701 ما زال قابلاً للحياة بعد انتهاء مهام اليونيفيل في نهاية العام 2026.
ثالثاً: التعارض القانوني لإعلان وقف الأعمال العدائية 2024 مع مذكرة إسلام آباد
فإذا كان إطار حزيران 2026 (اللبناني-الإسرائيلي) يسير في خط متوازٍ مع غايات تشرين الثاني 2024 (وإن اختلف في الآلية)، فإن مذكرة تفاهم إسلام آباد (أمريكا-إيران) في 17 حزيران 2026 تتناقض صراحة مع روح إعلان تشرين الثاني 2024. فهذا الأخير فرض التزامات قانونية حاسمة ومحدّدة زمنياً على الدولة اللبنانية لتفكيك البنية العسكرية لحزب الله (وإن بدأت جنوب الليطاني كخطوة أولى). أمّا بالمقابل، فإن المذكرة الأمريكية-الإيرانية لعام 2026 سعت لفرض تجميد للوضع القائم (Freeze) لتأمين حماية إقليمية غير مباشرة لشبكات إيران المسلحة تحت مُسمَّى الهدنة الشاملة. هذا التجميد يُشكّل تأجيلاً وعرقلة قانونية لموجبات التفكيك النهائي التي سَبَقَ وأن التزم بها لبنان في إعلان 2024.
رابعاً: مُعضلة الإطار الثلاثي واتفاقية الهدنة 1949 والفصل السابع
وُقِّعت اتفاقية الهدنة العامة لعام 1949 لإنهاء العمليات العدائية في حرب فلسطين عام 1948. ولطالما تمسك لبنان بها كخطّ دفاع قانوني أساسي، دافعاً بأنها الوثيقة القانونية الوحيدة النافذة الصلاحية لتعيين الحدود وتنظيم حالة عدم الاعتداء.
وفقاً لأحكام القانون الدولي، يقتصر أثر الهدنة على تعليق العمليات العسكرية الفورية لكنه لا ينهي حالة الحرب القانونية. وعليه، ظلّ لبنان وإسرائيل في حالة حرب قانونية لأكثر من سبعة عقود. غير أنّ إطار عام 2026 ينصّ صراحة على النية المتبادلة “لإنهاء النزاع بشكل حاسم…والإنهاء الرسمي التام لأي حالة حرب بينهما”. ومن خلال الالتزام بصياغة اتفاقية سلام وأمن شاملة، فإنّ إطار عام 2026 يهدف إلى إسقاط هدنة 1949 وإنهائها، مستبدلاً قواعد الاشتباك المؤقتة بمشروع معاهدة سلام دائمة. إلّا أنّ الأمر مستعصٍ لعّدة عوائق قانونية.
أولاً، إنّ هذا الإطار لا يذكر اتفاقية الهدنة النافذة – خصوصاً أنّ إسرائيل تنتهك تطبيقها وليس اتفاقاً مكملاً لها علماً أنّه يتناقض مع مضمونها. ثانياً والأهمّ، أنّها لا تقتصر على الطابع الثنائي التعاقدي وحسب وإنما تدخل في سياق إلزام قانوني دولي يندرج ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة..
وبالتالي، فإنّه في حال تعارض اتفاقية ما مع قرار مجلس أمن، إنّ قرارات المجلس هي التي تسمو وفقاً للمادة 103 من ميثاق الأمم المتحدة وقد رسّخ هذا المبدأ قرار محكمة العدل الدولية في قضيّة لوكربي سنة 1992، وعلى الاتفاقية أن تكون مطابقة لقرارات مجلس الأمن وغير متعارضة معه. فإنّ أيّة اتفاقية جديدة تعدّل باتفاقية الهدنة المقرّة بموجب مجلس الأمن، يقتضي استصدار قرار جديد عن مجلس الأمن بشأنها.
وقد تمثل ذلك الإلزام في قرارات مجلس الأمن 54/1948 (الذي أمر الدول المتحاربة بعقد هذه الهدنة) معها والقرار 62/1948 (حدّد الإطارين الأساسيين لاتفاقيات الهدنة: أن تكون دائمة لا يجوز تخطيها، وأن تتلاءم القوات المسلحة في حجمها وسلاحها ومهامها لدفاعية وليست الهجومية) والقرار 73/1949(الذي صادق على هذه الاتفاقية ووضع آلية لمراقبة الهدنة.
والأهمّ، أنّ المادة الثامنة من اتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية أوردت أنه يحق للفريقين إجراء بعض التعديلات عليها باستثناء المادتين الأولى والثالثة منها وهي، باختصار، الأعمال العدوانية والعمليات العسكرية والتعرض للمدنيين. إنّ أي تعديل لهاتين المادتين يحتاج إلى موافقة مجلس الأمن الدولي.
واستناداً إلى ما تقدّم يتضح، إن اتفاقية الهدنة تجاوزت الإطار الثنائي التعاقدي بين الدولتين إلى إطار قانوني ملزم في فرضها وإطار آخر ملزم في مضمونها وشروط تعديلها. وبالتالي فإن أي تعديل لهذه الاتفاقية يمكن أن يمسّ جوهرها المبدئي أو يخالف متطلبات السلم والأمن الدوليين في المنطقة يُعتبر أمراً محظوراً. وبالتالي فإنه عائد لمجلس الأمن وحده للبت به بصرف النظر عن إرادة الفريقين.
أمّا أنّه وفقاً للحجّة الغائية (The Teleological Argument)، فالإطار يتماشى مع المادة الأولى من اتفاقية الهدنة التي نصت صراحة على أن الغرض منها هو “تسهيل الانتقال من الهدنة الحالية إلى السلام الدائم في فلسطين”. وبناءً عليه، فإن السير نحو معاهدة سلام شاملة يحقق الغاية لهدنة ١٩٤٩، وإن أدى ذلك إلى حل الآليات المحددة التي أنشأتها) مثل لجنة الهدنة المشتركة اللبنانية-الإسرائيلية). إلّا أنّ إطار 2026 يتعارض مع المادّة الثالثة من اتفاقية الهدنة خصوصاً في ما يتعلّق بحريّة الحركة للطرف الإسرائيلي على الأراضي اللبنانيّة.
خامساً: التداخل القانوني مع المذكرة الأمريكية-الإيرانية (2026)
تزداد البنية القانونية تعقيداً عند فحص تقاطع “الإطار الثلاثي” مع “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، الموقعة قبله بأيام قليلة في 17 حزيران 2026.
فمن منظور تفسير المعاهدات والقانون الدولي العام، ينطوي النصّان على تناقضات هيكلية، وعملياتية، وغائية عميقة فيما يخص ترتيبات جنوب لبنان. أولاً، يكمن التنازع القانوني الأساسي بين النصين في الوضع القانوني والحماية الممنوحة للجماعات المسلحة غير النظامية في جنوب لبنان. إنّه وبموجب مذكرة إسلام آباد، التي أرست وقفاً لإطلاق النار مدته 60 يوماً قابلاً للتمديد لإنهاء الحرب الإقليمية الأوسع، أكّدت إيران والوسيط الباكستاني أن وقف العمليات العدائية يشمل صراحة “الجبهة اللبنانية”. ومن الناحية القانونية، يتعامل هذا الاتفاق مع شبكات الوكلاء الإقليميين باعتبارهم مشمولين بمظلة وقف إطلاق النار الشامل. ويعني ذلك عملياً تحصين حلفاء إيران المسلحين من أيّ ضربات هجومية أحادية الجانب من قِبل إسرائيل أو أي تحالف خارجي طوال فترة المفاوضات.
ثانياً، ومن منظور الإطار الثلاثي (التفكيك والإسناد)، فهو يقوم الإطار الثلاثي على فرضية مناقضة؛ إذ يستبعد إيران نهائياً من أي دور في الشأن اللبناني. وعوضاً عن تثبيت الوضع القائم ) Status Quoللجماعات ( غير النظامية، فإنه يلزم الحكومة اللبنانية بالتزام لا رجعة فيه بتحقيق النزع الكامل والمتحقق منه لسلاح كافة الجماعات غير النظامية في أيّ مكان من لبنان. تتوخى مذكرة إسلام آباد هدنة تجمّد مواقع الفاعلين الإقليميين، بينما يفرض الإطار الثلاثي خطوات عملياتية مشروطة بالأداء لتفكيك البنية التحتية العسكرية لهؤلاء الفاعلين أنفسهم.
ثالثاً، يؤسس الاتفاقان لآليتين غير متوافقين لإدارة الأراضي في جنوب لبنان. إنّ الإطار الثلاثي يُجيز صراحة لقوات الدفاع الإسرائيلية الإبقاء على تواجدها والمنطقة الأمنية العازلة داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية. وتخضع آلية الانسحاب الإسرائيلي لشرط صلب، أن يتولى الجيش اللبناني تدريجياً المسؤولية الأمنية في المناطق النموذجية المحدّدة، ولا يتم الانسحاب إلّا بعد التحقق من نزع سلاح الجماعات غير النظامية في تلك المناطق.
في المقابل، فإن الموقف القانوني الإيراني خلال محادثات إسلام آباد يفسر أي تواجد عسكري إسرائيلي مستمر أو عمليات هجومية في جنوب لبنان على أنها خرق جوهري (Material Breach) لروح التهدئة الإقليمية المكرسة في مذكرة 17 حزيران.
ويخلق هذا مفارقة عملياتية (Operational Paradox) تكون فيها الولايات المتحدة قسماً مشتركاً؛ فبموجب نص (مع إيران) التزمت واشنطن بإطار يهدف لتهدئة إقليمية واسعة، وبموجب نص آخر (مع إسرائيل ولبنان) تضمن الولايات المتحدة وتتحقق من آلية تشرعن سيطرة أرضية إسرائيلية مؤقتة ريثما تنجز حملة نزع سلاح داخلية قسرية.
من زاوية القانون الدولي، يدور النقاش حول مستوى تنازع الصلاحيات ومبدأ “نسبية أثر المعاهدات” (Pacta Tertiis) وفقاً للمادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، حيث أن المعاهدة لا ترتب التزاماً أو حقاً للدولة الغير دون رضاها. فلبنان يُعد طرفاً ثالثاً Third party)) بالنسبة للمذكرة الأمريكية-الإيرانية. وبناءً عليه، فإن أي تفاهمات تتوصل إليها واشنطن وطهران بشأن “الجبهة اللبنانية” أو سلوك الجماعات المسلحة داخل لبنان لا تتمتع بأي نفاذ سيادي على الدولة اللبنانية من دون موافقتها رسمياً.
وبالمثل، فإسرائيل ليست طرفاً في مذكرة إسلام آباد. فقد أكّد رئيس الوزراء الإسرائيلي أن إسرائيل غير ملزمة بمحادثات واشنطن وطهران.
سادساً: إطار 2026 والتصدعات الدستورية اللبنانيّة
رغم التماسك القانوني للإطار الثلاثي على المستوى الدولي، فإنه يواجه عقبات قانونية داخلية جسيمة في لبنان. فلكي تصبح معاهدة بهذا الحجم ملزمة قانوناً للجمهورية اللبنانية، فإنها تتطلب إبرامها في مجلس الوزراء كخطوة أولى وفقاً لآلية المادة 52 من الدستور اللبناني معطوفة على المادة 65 فقرة أخيرة، التي تشترط موافقة مجلس الوزراء. وعلى الحكومة، أن تطلع مجلس النواب عليها حينما تمكّنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. وإذا اعتبرت من فئة المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلاّ بعد موافقة مجلس النواب.
إضافة إلى ذلك، إن تفويض الجيش اللبناني بنزع سلاح الجماعات غير النظامية يصطدم مباشرة بالتوازنات السياسية الداخلية. وبالتالي إن التنفيذ تحت الضغط الخارجي، ودون توافق سياسي داخلي مطلق، ينطوي على مخاطرة بمخالفة العرف الدستوري القائم على العيش المشترك.
في الخلاصة،
ومن الناحية القانونية الصرفة، وقّعت الولايات المتحدة على أداتين دوليتين متناقضتين في غضون تسعة أيام. تحاول مذكرة إسلام آباد تجميد الصراع من الأعلى (Top-Down)عبر تسوية دولية تترك البنى العسكرية للوكلاء دون مساس خدمةً لملفات دبلوماسية أخرى؛ في حين يتجاوز الإطار الثلاثي هذا المنطق كلياً، جاعلاً من نزع سلاح هؤلاء الوكلاء شرطاً قانونياً ومسبقاً وفورياً لإرساء السلام.
ولما كان الإطار الثلاثي اتفاقاً مباشراً وخاصاً صادراً عن أصحاب السيادة الإقليمية (لبنان وإسرائيل) بشأن حدودهم ومجالهم الإقليمي، فإنه يتمتع بحجية قانونية أسمى واختصاص نوعي متقدم فوق التراب اللبناني في القانون الدولي مقارنة بمذكرة تفاهم ثنائية موقعة بين قوتين خارجيتين (أمريكا وإيران). ومع ذلك، فإن النفاذ العملي للإطار الثلاثي ستعتبره طهران بلا شك خرقاً للتفاهمات الدبلوماسية المعقودة في إسلام آباد، مما ينذر بأزمة إنفاذ بالغة التعقيد على أرض الواقع في جنوب لبنان.
بالتأكيد، إنّ الإطار الثلاثي سيصطدم بتطبيق القرار 1701 وبالقوة الدوليّة التي ستحلّ مكان اليونيفيل، ممّا يحافظ على ستاتيكو كلاسيكي متفجّر، احتلال إسرائيلي دائم بحجّة خطّ أمني مقابل وجود حزب الله في جنوب الليطاني، وفصل آخر من قصّة إبريق الدمّ.
The post اتفاق واشنطن الثلاثي في ميزان الشرعيّة الدوليّة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





