مع انطلاق الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، تتجه الأنظار إلى موازين القوى بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومعارضيه، في استحقاق لا يقتصر على تحديد هوية الحكومة المقبلة، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل حزب الليكود واتجاهات السياسة الإسرائيلية، ولا سيما في ظل تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة وانعكاسات السياسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية على المنطقة، ولبنان تحديداً.
وفيما تتباين التقديرات بشأن فرص نتنياهو في الاحتفاظ بالسلطة، تبرز أهمية هذه الانتخابات في تحديد طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وما إذا كانت ستفضي إلى إعادة إنتاج المعادلة القائمة أم إلى انتقال نحو مشهد أكثر تشدداً، خصوصاً على المستوى الأمني والعسكري.
وفي قراءة للمشهد الانتخابي الإسرائيلي وتداعياته المحتملة على لبنان، يرى الصحافي نبيه عواضة، في حديث إلى “ليبانون ديبايت”، أن الانتخابات الحالية ليست استفتاءً على أداء نتنياهو فحسب، بل تمثل اختباراً مصيرياً لمستقبل حزب الليكود نفسه، الذي بات مرتبطاً إلى حد كبير بشخص رئيسه، في ظل غياب القدرة على تجديد قيادته وإعادة إنتاج نفسه سياسياً.
المعركة بين اليمين واليمين المتطرف
ويعتبر عواضة أن الاتجاه المتصاعد داخل إسرائيل هو نحو مزيد من التطرف واليمينية، مشيراً إلى أن المعركة الانتخابية لا تدور بين اليسار واليمين، بل بين تيارات اليمين المختلفة، مع اختلاف في الأداء السياسي وأساليب إدارة السلطة والمواجهة، ومن هذا المنطلق، فإن احتمال خسارة نتنياهو لا يعني بالضرورة تراجع اليمين، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يتعاظم فيها نفوذ التيار القومي الديني المتطرف، الذي يمثله وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
الليكود أمام اختبار مصيري بعد اختزاله بشخص نتنياهو
ويلفت عواضة إلى أن استطلاعات الرأي، على الرغم من ترجيحها تراجع فرص نتنياهو، لا يمكن اعتبارها مؤشراً حاسماً إلى النتائج النهائية، إذ تبقى الكلمة الفصل لصناديق الاقتراع، لكنه يشدد على أن جوهر الصراع يتجاوز مصير نتنياهو الشخصي إلى مستقبل الليكود، بعدما أدى احتكاره للقيادة إلى إضعاف قدرة الحزب على تجديد نفسه وإعداد بدائل سياسية قادرة على الحفاظ على موقعه.
وفي هذا السياق، يرى أن الهجوم الذي يتعرض له نتنياهو من المعارضة الإسرائيلية يرتبط بأدائه السياسي، وملفات الفساد التي يواجهها، وطريقة احتكاره للسلطة داخل الليكود وعلى مستوى الدولة، إلا أن مرحلة ما بعد نتنياهو، وفق تقديره، لا تعني بالضرورة انتقال إسرائيل إلى موقع سياسي أقل تشدداً، بل قد تمثل مرحلة أكثر تطرفاً مع تصاعد حضور التيار القومي الديني.
بن غفير وسموتريتش… ملامح المرحلة الإسرائيلية المقبلة
ويشير عواضة إلى أن شخصيات مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير باتت تعبّر عن هذا الاتجاه المتشدد، معتبراً أن معيار التغيير الحقيقي لا يكمن في رحيل نتنياهو بحد ذاته، بل في طبيعة الشخصية التي قد تخلفه، ومدى اختلافها عن سياساته ومقارباته.
ويضيف أن المعركة الانتخابية تمثل مفترقاً حاسماً بالنسبة إلى الليكود، إذ إن نجاح نتنياهو في إعادة تشكيل حكومة جديدة، حتى عبر تحالفات سياسية أوسع، سيمنحه فرصة للحفاظ على موقعه، في المقابل، فإن تعثره قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب المشهد السياسي الإسرائيلي، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول جوهري في التوجهات اليمينية السائدة.
ويعتبر عواضة أن قوى المعارضة، بما فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان، وزعيم المعارضة ورئيس الوزراء الأسبق يائير لابيد، لا تختلف في جوهر مواقفها عن الاتجاهات اليمينية الأخرى، ولا سيما في القضايا الأمنية والعسكرية،وبذلك، فإن الخلاف الأساسي لا يتمحور حول مبدأ اليمين نفسه، بل حول أداء نتنياهو وطبيعة تحالفاته، وخصوصاً علاقته بسموتريتش وبن غفير.
ويشرح أن المعارضة الإسرائيلية ترى أن ابتعاد نتنياهو عن التيار اليميني الأكثر تطرفاً كان من الممكن أن يتيح له الاحتفاظ بموقع داخل الليكود وفي المساحة السياسية الممتدة بين اليمين واليمين الوسط، لذلك، فإن الانتخابات الحالية، وفق قراءته، هي معركة على شكل اليمين الإسرائيلي واتجاهاته، وليست مواجهة بين اليمين واليسار.
أما في ما يتعلق بتأثير الموقف الأميركي، فيرى عواضة أن دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لنتنياهو لم يؤدِّ إلى تغيير جوهري في المزاج العام الإسرائيلي، نظراً إلى تماسك الكتل السياسية في خياراتها وولاءاتها، مع بقاء شريحة من الناخبين المتأرجحين قادرة على التأثير في النتائج.
ويعتبر أن نسبة المشاركة الانتخابية تشكل عاملاً أساسياً في تحديد موازين القوى؛ فارتفاع المشاركة بين الناخبين اليهود قد يساعد نتنياهو على الاحتفاظ بكتلة وازنة تتيح له التفاوض على تشكيل الحكومة المقبلة، في حين أن تراجعها قد يعزز الوزن الحاسم للأحزاب العربية، التي يمكن أن تتحول إلى بيضة القبان في تحديد هوية الحكومة.
الأحزاب العربية قد تتحول إلى بيضة القبان في تشكيل الحكومة
وفي تقدير عواضة، فإن حصول الأحزاب العربية على ما بين 15 و17 مقعداً في الكنيست قد يجعل تشكيل أي حكومة أمراً أكثر تعقيداً من دون أخذ موقفها في الحسبان، وإذا تعذر التوصل إلى تفاهمات تسمح بتشكيل حكومة، فقد تتجه إسرائيل إلى انتخابات جديدة، وهو احتمال يرى أنه يظل مطروحاً بقوة في ظل الانقسام القائم.
ويضيف أن موقف ترامب الداعم لنتنياهو لم يغيّر المعادلة الانتخابية بصورة جوهرية، لكنه أضعف إحدى أوراق المعارضة، التي كانت تنتقد رئيس الوزراء بسبب تصرفه بصورة منفردة، وعدم مراعاته العلاقة مع الولايات المتحدة في بعض الملفات، وكانت المعارضة تحاول توظيف هذه المسألة للضغط عليه من بوابة البيت الأبيض، إلا أن موقف ترامب قطع الطريق أمام محاولاتها الاستفادة سياسياً من أي تباين بين الطرفين.
الجبهة اللبنانية خارج حسابات التغيير السياسي في إسرائيل؟
وعلى الجبهة اللبنانية، يحذّر عواضة من أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا تعني بالضرورة حدوث تغيير جوهري في المقاربة الأمنية والعسكرية تجاه لبنان، مشدداً على أن الاعتبارات الأمنية ستبقى أولوية لدى مختلف القوى الإسرائيلية، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبلة.
وفي هذا الإطار، يتوقف عند مواقف رئيس الأركان الإسرائيلي السابق والقيادي المعارض غادي آيزنكوت، الذي دعا، بحسب ما يورده عواضة، إلى إقامة منطقة أمنية عازلة داخل الأراضي اللبنانية بعمق ثمانية كيلومترات، ويرى أن تحديد هذا العمق يكشف عن توجه واضح لدى آيزنكوت في التعامل مع الجبهة اللبنانية، في حين لم يحدد نتنياهو عمقاً مماثلاً للمنطقة العازلة في المواقف التي يناقشها عواضة.
ويعتبر أن هذا التباين لا يلغي وجود هدف أمني مشترك لدى مختلف التيارات الإسرائيلية، يتمثل في ما تصفه إسرائيل بإزالة التهديد عن مناطق الشمال، فالاختلاف، وفق قراءته، يكمن في الأدوات والوسائل المعتمدة لتحقيق هذا الهدف، لا في جوهر التوجه الأمني والعسكري.
“عقيدة الضاحية” تعود إلى الواجهة
ويشير عواضة إلى أن نتنياهو أكثر وضوحاً في التعبير عن المقاربات العسكرية، فيما قد يكون آيزنكوت، بحكم خلفيته العسكرية، أكثر ميلاً إلى تطبيق هذه المقاربات عملياً، ويحذر من أنه في حال تجدد المواجهة على الجبهة اللبنانية، فقد تُستخدم أساليب تدميرية واسعة النطاق، مستحضراً ما يُعرف بـ”عقيدة الضاحية”، التي ارتبطت بآيزنكوت خلال مسيرته العسكرية، معتبراً أن تطبيق هذه المقاربة بكثافة قد يضع لبنان أمام مرحلة شديدة الخطورة.
وفي ما يتعلق بالدور الأميركي، يوضح عواضة أن الغطاء الأميركي يشكل عاملاً أساسياً في الحسابات الإسرائيلية، وقد يؤدي إلى تعديلات محدودة في أسلوب إدارة المواجهة، لكنه لا يعني التخلي عن الأهداف الأمنية الاستراتيجية التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها على المدى البعيد.
ويحذر من أن إسرائيل قد تتمسك بمطالب تتيح لها فرض واقع أمني داخل الأراضي اللبنانية، بما يمسّ بالسيادة اللبنانية، مشيراً إلى أن تغيير الحكومة الإسرائيلية، أياً كانت نتائجه، لا يضمن تخلي إسرائيل عن المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان.
ويعتبرعواضة أن لبنان قد يكون أمام مرحلة طويلة من المفاوضات والمناورات السياسية والأمنية، ما لم تتجه الأمور نحو التصعيد العسكري، فخيار المواجهة، بحسب تقديره، سيبقى قائماً ومطروحاً على الطاولة، لأن الخلافات السياسية الداخلية في إسرائيل لا تعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في النظرة إلى الجبهة اللبنانية أو في الأهداف الأمنية التي تسعى تل أبيب إلى فرضها.
وبذلك، يرى إن أهمية الانتخابات الإسرائيلية بالنسبة إلى لبنان لا تكمن فقط في هوية الفائز، بل في طبيعة السياسات التي ستعتمدها الحكومة المقبلة، ومدى استعدادها لتغيير مقاربتها تجاه الأراضي اللبنانية، أما في ظل استمرار تقاطع التيارات الإسرائيلية حول أولوية الأمن، فإن الرهان على تبدل القيادة وحده لإحداث تحول في المشهد على الجبهة اللبنانية يبقى، وفق قراءة عواضة، رهاناً غير مضمون.







