الدولة وحزب الله… بين الواقع والمواقع

التاريخ: 08 حزيران 2026
الدولة وحزب الله… بين الواقع والمواقع

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

في السياسة كما في الحروب، لا تُبنى القرارات على التمنيات، بل على الحقائق والمعطيات القائمة.

وهذه الحقائق قد تكون مريحة للبعض ومزعجة للبعض الآخر، إلا أن تجاهلها لا يلغيها، بل يزيد من تعقيد التعامل معها.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة المشهد اللبناني بعين العقل لا بعين الرغبة، والانطلاق من الوقائع كما هي لا كما يتمنى البعض أن تكون.

المنطق يقول ان الدولة اللبنانية هي صاحبة الشرعية الدستورية، وهي الجهة المخوّلة التفاوض باسم لبنان في المحافل الدولية، سواء في واشنطن أو في الأمم المتحدة أو غيرهما.

وهذا مبدأ ثابت يشكّل جوهر مفهوم السيادة وأساس العلاقات بين الدول.

في المقابل، ثمة واقع لا يمكن تجاهله يتمثل في أن حزب الله يشكّل قوة عسكرية وميدانية فاعلة على الأرض.

كما أنه لا يُختزل بكونه طرفاً داخلياً فحسب، بل يُعد جزءاً من محور إقليمي واسع، الأمر الذي ينعكس مباشرة على طبيعة دوره ويزيد من تعقيد أي مقاربة تتصل بسلاحه أو بموقعه السياسي والعسكري.

ولا يقتصر المشهد على واقع الدولة وواقع الحزب فحسب، بل يتداخل أيضاً مع تعدد المواقع السياسية والميدانية والإقليمية التي يتموضع فيها كل طرف.

فالدولة تتحرك من موقع الشرعية الدستورية والاعتراف الدولي، فيما يتحرك الحزب من موقع القوة الميدانية وانتمائه إلى محور إقليمي أوسع.

وبين الواقع القائم وتلك المواقع المتشابكة تتشكل معادلة لبنانية معقدة لا يمكن فهمها أو مقاربتها إلا من خلال قراءة هادئة ومتوازنة لمختلف عناصرها.

وقد اصيب الحزب خلال الحربين الأخيرتين، “حرب إسناد غزة” و”عملية أُولي البأس”، بخسائر كبيرة شملت تدمير واحتلال عدد من القرى الجنوبية، وسقوط مئات الشهداء والجرحى من مقاتليه، وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، وخليفته السيد هاشم صفي الدين، إضافة إلى قيادات بارزة من الصف الأول والثاني.

كما طالت تداعيات هذه الحرب المدنيين من شيوخ ونساء واطفال، وتسببت بموجة نزوح واسعة تجاوزت المليون شخص، ما جعل تلك المرحلة من أكثر مراحل المواجهة كلفة على لبنان.

وفي المقابل، تكبّدت إسرائيل أيضاً خسائر بشرية وأمنية واقتصادية نتيجة القصف والعمليات العسكرية، ما أدى إلى إخلاء مناطق واسعة في شمالها وسقوط قتلى وجرحى بين المدنيين والعسكريين، بما يعكس حجم التأثير المتبادل الذي خلّفته الحرب على الجانبين.

ومع ذلك فأن الحزب هو الطرف المباشر والرئيسي في المواجهة مع إسرائيل، الأمر الذي يجعل أي اتفاق لوقف إطلاق النار غير قابل للتنفيذ أو الاستمرار من دون موافقته، حتى لو لم يكن ممثلاً رسمياً على طاولة المفاوضات.

وقد عكست المواقف الرسمية اللبنانية هذا المعطى بوضوح، إذ إن مختلف الجهات المعنية، بما فيها رئاسة الجمهورية، ترقبت موقف حزب الله عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي تمّ برعاية أميركية قبل الانتقال إلى تثبيت التفاهمات النهائية، بما يؤكد دوره المحوري في أي ترتيبات ميدانية أو سياسية مرتبطة بالنزاع.

وفي المبدأ، يفترض منطق الدولة أن تكون هي صاحبة القرار الحصري في الشؤون الأمنية والعسكرية، التزاماً بالدستور ومفهوم السيادة.

غير أن التوازنات السياسية والعسكرية القائمة تُظهر وجود قوة منظمة ومسلحة ذات امتداد إقليمي، شاركت في صراعات خارج الحدود، وفي مقدمها الحرب السورية، ما يجعل معالجة ملف سلاحها مسألة شديدة الحساسية والتعقيد.

لذلك، فإن هذا الملف لا يمكن التعامل معه بمنطق الغلبة أو الإقصاء، بل من خلال مسار سياسي داخلي قائم على التفاهم الوطني، يراعي مصلحة الدولة ويحفظ الاستقرار ويبحث عن حلول قابلة للتطبيق.

كما أن المقاربة العملية لا تقتصر على الداخل اللبناني فحسب، بل تشمل المجتمع الدولي أيضاً، الذي يدرك أن الدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، غير قادرة على فرض حلول بالقوة من دون مخاطر جدية على الاستقرار الداخلي.

ومن هنا، فإن دعم الدولي لا يكون عبر الضغط على الدولة لفرض خيارات غير قابلة للتنفيذ، بل من خلال توفير مساحة سياسية تسمح بإطلاق نقاش وطني جدي حول القضايا الخلافية، بما يفضي إلى حلول تدريجية تحظى بأوسع قدر ممكن من القبول.

فالحوار لا يعني استسلام طرف لآخر، بل يشكّل الآلية الطبيعية في الأنظمة الديمقراطية لإدارة الخلافات الكبرى والتوصل إلى تسويات تحفظ وحدة الدولة واستقرارها.

ومن هنا يبرز الاستنتاج المنطقي: لا بديل عن التفاهم الداخلي كمدخل لمعالجة القضايا الخلافية الكبرى.

تفاهم يفتح الطريق أمام بناء دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها، وحماية سيادتها، وصون استقرارها، ضمن رؤية وطنية جامعة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة ومتطلبات المستقبل.

فالسياسة ليست فن الأمنيات، بل فن التعامل مع الحقائق كما هي.

وفي ضوء المعطيات الراهنة، يبدو أن تعزيز دور الدولة، بالتوازي مع اعتماد الحوار منهجاً لمعالجة الخلافات، يشكّل المدخل الأكثر واقعية للحفاظ على الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة لمعالجة الملفات الوطنية العالقة.

وبالتالي، لا يبدو أمام لبنان خيار أكثر جدوى من الاستمرار في مسار التفاهمات الوطنية، بما يجنّبه الانزلاق إلى مزيد من المواجهات والانقسامات.

فالتحديات القائمة لا تُعالج بالشعارات، بل بمقاربة سياسية هادئة ومتدرجة، توازن بين المعطيات القائمة وتبحث عن الممكن بدلاً من الارتهان إلى المستحيل.

وبين الواقع والمواقع، يبقى العقل هو الطريق الأقصر إلى الحل، فيما تشكّل الدولة الجامعة والحوار المسؤول المدخل الأكثر أماناً نحو مستقبل أكثر استقراراً يستحقه اللبنانيون.

The post الدولة وحزب الله… بين الواقع والمواقع appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية