قراءة في تداعيات الاتفاق الأميركي–الإيراني

التاريخ: 20 حزيران 2026
قراءة  في تداعيات الاتفاق الأميركي–الإيراني

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

يستطيع الرئيس الأميركي، أن يأمر بعمليات عسكرية جديدة ضد ايران إذا اعتبر أن إيران خرقت الاتفاق أو إذا ظهر تهديد جديد للمصالح الأميركية. لكن سياسياً واستراتيجياً، فإن العودة إلى الحرب بعد توقيع الاتفاق أصبحت أكثر كلفة وصعوبة.

الاتفاق المعلن هو في جوهره وقفٌ للأعمال العسكرية وفتحُ مسار تفاوضي لمدة 60 يوماً للوصول إلى تسوية أوسع بشأن الملف النووي والقضايا الإقليمية. وهذا يعني أن واشنطن وطهران انتقلتا من منطق المواجهة المباشرة إلى منطق إدارة الخلافات عبر التفاوض.

ومع ذلك، لا يوجد ما يمنع قانونياً أو عملياً انهيار الاتفاق إذا:

-فشلت المفاوضات النهائية.
-اتهم أحد الطرفين الآخر بعدم الالتزام.
-وقع حادث عسكري كبير في الخليج أو العراق أو لبنان.
-تغيرت الحسابات السياسية داخل واشنطن أو طهران.

لكن من المهم ملاحظة أن ترامب نفسه بات مرتبطاً سياسياً بنجاح هذا الاتفاق. فبعد أشهر من الحرب، قدّم الاتفاق كإنجاز يعيد فتح مضيق هرمز ويوقف الاستنزاف العسكري. لذلك فإن استئناف الحرب من دون سبب واضح سيُنظر إليه كفشل للدبلوماسية التي رعاها بنفسه.

الرئيس ترامب لا يفقد خيار الحرب، لكنه يصبح أقل ميلاً لاستخدامه طالما أن الاتفاق يمنحه ما يريد: هدوءاً إقليمياً، تدفقاً للطاقة، وإنجازاً سياسياً يمكن تسويقه داخلياً. أما إذا انهار الاتفاق أو شعر بأن إيران تستغلّه لكسب الوقت، فإن احتمال العودة إلى الضغط العسكري يبقى قائماً.

أما السؤال الأهم برأيي ليس: هل يستطيع ترامب العودة إلى الحرب؟ بل: هل أصبحت مصلحة واشنطن بعد الاتفاق هي احتواء إيران أم تغيير النظام الإيراني؟ فإذا كان الهدف قد تحول من تغيير النظام إلى الاحتواء والتفاهم، فإن احتمال حرب أميركية جديدة واسعة ضد إيران ينخفض بشكل كبير..
.

منذ قيام الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، تأرجحت السياسة الأميركية بين هدفين:

1. تغيير سلوك النظام (Containment and Behavior Change).
2. تغيير النظام نفسه (Regime Change).

في بعض المراحل، خاصة خلال إدارة جورج بوش الإبن، بدا أن واشنطن لا تمانع سقوط النظام الإيراني إذا أتيحت الفرصة. أما في معظم المراحل الأخرى، فكان الهدف الحقيقي هو احتواء إيران لا إسقاطها.

إذا صحّ أن الاتفاق الأخير يمثل تحولاً حقيقياً، فذلك يوحي بأن واشنطن انتقلت من فكرة “إضعاف النظام إلى حد الانهيار” إلى فكرة “إدارة العلاقة مع النظام القائم”.
لماذا؟

أولاً: لأن تغيير النظام مكلف وخطير

التجارب الأميركية في العراق و أفغانستان تركت درساً قاسياً:

-إسقاط نظام أسهل من بناء دولة.
-الفراغ قد يكون أخطر من النظام الذي سقط.
-إيران دولة كبيرة (أكثر من 90 مليون نسمة) ومتعددة القوميات والطوائف.
-انهيارها قد يطلق فوضى تمتد من الخليج إلى القوقاز وآسيا الوسطى.

لذلك قد ترى واشنطن أن إيران مستقرة وقابلة للردع أفضل من إيران منهارة وغير قابلة للسيطرة.

ثانياً: لأن الأولوية الأميركية تغيّرت

الخصم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة اليوم ليس إيران بل الصين.

كل دولار وكل سفينة وكل أزمة تُستهلك في الشرق الأوسط تعني موارد أقل لمنافسة الصين في المحيطين الهندي والهادئ.

من هذا المنظور، تصبح التسوية مع إيران وسيلة لتحرير الموارد الأميركية لا مكافأة لإيران.

ثالثاً: لأن الاحتواء نجح نسبياً

رغم كل ما حدث خلال العقود الماضية، لم تتحول إيران إلى قوة مهيمنة على المنطقة.

هي دولة مؤثرة نعم، لكنها أيضاً:

-تحت عقوبات.
-تعاني اقتصادياً.
– تواجه ضغوطاً داخلية.
-محاطة بقواعد وتحالفات أميركية.

بمعنى آخر، قد تكون واشنطن مقتنعة بأن سياسة الاحتواء تؤتي ثمارها أكثر من سياسة المواجهة المفتوحة.

لكن هل تخلت واشنطن نهائياً عن فكرة تغيير النظام؟ لا اظن ، لكن هناك فرق بين:

-السعي النشط لإسقاط النظام،
-والاستعداد للاستفادة من سقوطه إذا حدث من الداخل.

فالولايات المتحدة قد تتعايش مع الجمهورية الإسلامية إذا التزمت بقواعد معينة، لكنها لن تمانع ظهور نظام أكثر اعتدالاً أو أكثر قرباً من الغرب إذا جاء نتيجة تطورات داخلية إيرانية.
ماذا يعني ذلك للبنان؟

إذا كان الهدف الأميركي أصبح الاحتواء لا إسقاط النظام، فهذا يعني أن:
– النفوذ الإيراني في المنطقة لن يختفي فجأة.
-لكن إيران قد تصبح أقل ميلاً إلى استخدام ساحاتها الإقليمية كورقة تصعيد دائمة.
-وقد تنتقل المنافسة من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.

إن الاتفاق يخلق نافذة نادرة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية. فإذا أحسن اللبنانيون استثمار هذه اللحظة، قد تتحول التهدئة الإقليمية إلى فرصة للاستقرار. أما إذا بقي لبنان أسير الانقسامات الداخلية والظواهر الصوتية والرهانات الخارجية وتعنت حزب الله وانتصاراته الوهمية وارتهانه لأوامر الحرس الثوري الإيراني، فسيظل عرضة لضربات اسرائيل العدوانية و تلقّي نتائج التسويات التي تُعقد في الخارج من دون أن يكون شريكاً فعلياً في صنعها.
في الخلاصة،
إذا كان الاتفاق يمثل تحولاً حقيقياً، فإن واشنطن لم تنتقل من العداء لإيران إلى الصداقة معها، بل من محاولة كسر النظام الإيراني إلى محاولة ضبطه واحتوائه. فالاحتواء أصبح أكثر واقعية وأقل كلفة من مشروع تغيير النظام.

وهذا التحول، إن ثبت واستمر، قد يكون أحد أهم التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط منذ الغزو الأميركي للعراق عام ٢٠٠٣.

The post قراءة في تداعيات الاتفاق الأميركي–الإيراني appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية