لبنان بين مشروعين: مطامع إسرائيل وأوهام ولاية الفقيه

التاريخ: 25 حزيران 2026
لبنان بين مشروعين: مطامع إسرائيل وأوهام ولاية الفقيه

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

“ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ

لا يَخدَعَنَّكَ مِن عَدُوٍّ دَمعُهُ وَاِرحَم شَبابَكَ مِن عَدُوٍّ تَرحَمُ

وَتَراهُ أَصغَرَ ما تَراهُ ناطِقاً وَيَكونُ أَكذَبَ ما يَكونُ وَيُقسِمُ

وَمِنَ العَداوَةِ ما يَنالُكَ نَفعُهُ وَمِنَ الصَداقَةِ ما يَضُرُّ وَيُؤلِمُ” (المتنبي)

يقف لبنان اليوم، أو بالأحرى كعادته، عند تقاطع خطر بين مشروعين متناقضين في الشعارات ومتقاربين في النتائج. مشروع إسرائيلي ينظر إلى هذا البلد الصغير باعتباره مصدر إزعاج دائم بسبب تنوعه الثقافي والسياسي وحيوية مجتمعه وقدرة أبنائه على المنافسة والإبداع حيثما حلّوا، وهو النقيض الواضح لطبيعة دولة إسرائيل المبنية على الفصل العنصري-الطائفي، ومشروع إيراني يتعامل معه باعتباره ساحة متقدمة في معركة إقليمية مفتوحة تُدار باسم العقيدة والثورة وانتظار الخلاص الموعود. وبين هذين المشروعين يجد اللبناني نفسه محاصراً في أرضه، يدفع من اقتصاده وأمنه ومستقبل أبنائه ثمن صراعات تتجاوز حدوده وإمكاناته.

استراتيجية إسرائيل وأيديولوجيا إيران

بالرغم من سخريتنا المتكررة بخصوص هذه المقولة، فإن لبنان يشكل حالة فريدة في المشرق العربي. فمساحته المحدودة لم تمنع أبناءه من بناء حضور عالمي في التجارة والمال والطب والهندسة والفكر والثقافة. كما أن تنوعه الديني والطائفي والثقافي أنتج مجتمعاً أكثر انفتاحاً وقدرة على التفاعل مع العالم مقارنة بكثير من مجتمعات المنطقة. وقد مثّل هذا التنوع، رغم ما رافقه من أزمات وصراعات، مصدر قوة كامناً ومجالاً لولادة الأفكار والمؤسسات والجامعات والصحافة والحياة السياسية التعددية. أثارت هذه الخصوصية اللبنانية ريبة وحقد كثير من المشاريع العقائدية والإمبراطورية التي مرت على المنطقة. فالمجتمعات المتنوعة بطبيعتها تقاوم الذوبان الكامل في أي عقيدة واحدة أو سلطة مطلقة أو هوية مغلقة. كما أن الإنسان اللبناني الذي اعتاد الهجرة والانفتاح على الأسواق والثقافات المختلفة يصعب إدخاله في قوالب أيديولوجية جامدة لفترات طويلة.

تنظر إسرائيل إلى لبنان من زاوية أمنية واستراتيجية في المقام الأول. فالدولة العبرية التي قامت على فكرة التفوق العسكري والهيمنة الأمنية تجد في أي قوة عربية أو إقليمية قادرة على تهديد هذا التفوق مصدر قلق دائم. كما أن نموذج لبنان المنفتح والمتعدد شكّل تاريخياً حالة مختلفة عن البيئة المحيطة. وقد سعت إسرائيل خلال عقود طويلة إلى إضعاف مصادر القوة اللبنانية عبر الحروب المتكررة والضغوط الأمنية ومحاولات فرض معادلات ردع تجعل لبنان منشغلاً باستمرار في معالجة آثار الصراع بدل الاستثمار في التنمية والازدهار. وتكشف الحروب المتعاقبة منذ عام 1978 مروراً باجتياح 1982 وصولاً إلى المواجهات اللاحقة عن حقيقة ثابتة تتمثل في أن لبنان يدفع أثماناً بشرية واقتصادية هائلة كلما تحولت أرضه إلى ساحة مواجهة مفتوحة. وتؤدي عمليات التدمير الممنهجة للبنية التحتية والمرافق الاقتصادية إلى استنزاف قدراته وإضعاف فرص نهوضه. كما تدفع حالة عدم الاستقرار المستثمرين والكفاءات إلى البحث عن فرص أكثر أمناً في الخارج، فيتحول النزيف البشري والاقتصادي إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة والمجتمع. وقد تسببت تلك الحروب عن قصد في حرمان لبنان من فورات مالية واستثمارية عديدة مرت على المنطقة كانت ستدفع بالنمو فيه إلى مراتب مضاعفة بما تحقق حتى في أفضل الفترات الاقتصادية ازدهاراً.

في المقابل، تطرح الجمهورية الإسلامية في إيران مشروعاً مختلفاً في اللغة والخطاب، لكنه يفضي إلى نتائج مشابهة على مستوى السيادة اللبنانية. فالنظام الإيراني القائم على نظرية ولاية الفقيه ينطلق من تصور ديني ـ سياسي يمنح المرشد الأعلى سلطة تتجاوز حدود الدولة الوطنية التقليدية. وتتحول الجماعات المرتبطة بهذا المشروع إلى أدوات ضمن شبكة إقليمية واسعة تمتد من طهران إلى عدد من العواصم العربية. يتجاوز هذا المشروع حدود الدعم السياسي أو التضامن العقائدي ليصبح جزءاً من استراتيجية نفوذ إقليمي تستخدم فيها الجغرافيا والسلاح والموارد البشرية لخدمة أهداف تتعلق بمكانة إيران ودورها في المنطقة. ويجد لبنان نفسه في قلب هذه الاستراتيجية بسبب وجود قوة عسكرية وسياسية مرتبطة عضوياً بالمشروع الإيراني وتمتلك من القدرات ما يفوق قدرات الدولة اللبنانية نفسها في مجالات عديدة.تكتسب المسألة بعداً أكثر تعقيداً عندما تُربط السياسة اليومية بسرديات دينية كبرى تتعلق بظهور الإمام المهدي أو التمهيد لعصر الخلاص النهائي. فالتاريخ يبين أن المشاريع السياسية التي تستند إلى وعود مطلقة أو أهداف فوق تاريخية تميل إلى تبرير التضحيات المفتوحة وتأجيل المحاسبة الواقعية. وعندما يصبح الحاضر مجرد محطة في طريق مستقبل أسطوري، تتراجع قيمة الإنسان الفرد ومصالح المجتمع الفعلية أمام ضرورات المشروع الأكبر.

الاستفادة المتبادلة

يدفع اللبنانيون في هذه الحالة أثماناً باهظة، كما فعلوا منذ عدة عقود. فالشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والمزارع الذي يريد تصدير إنتاجه، والتاجر الذي يسعى إلى الاستقرار، والعائلة التي تحلم بمستقبل آمن لأبنائها، جميعهم يصبحون أسرى حسابات إقليمية لا يملكون التأثير فيها. وتتحول الدولة إلى هيكل ضعيف عاجز عن احتكار القرار السيادي أو رسم سياسة خارجية تنطلق من مصالحها الوطنية الخاصة.

تكمن المفارقة في أن المشروعين، رغم عدائهما المعلن، يحتاج كل منهما إلى الآخر بدرجات مختلفة. فإسرائيل تستفيد من وجود تهديد دائم يبرر سياساتها الأمنية والعسكرية ويعزز تماسكها الداخلي. كما يستفيد مشروع ولاية الفقيه من استمرار الصراع مع إسرائيل بوصفه مصدر شرعية وتعبئة وحشد. وبين الطرفين يضيع لبنان بوصفه دولة ومجتمعاً واقتصاداً.يتحول البلد في هذه المعادلة إلى ساحة أكثر منه وطناً وتصبح أرضه خط تماس بين قوى إقليمية ودولية، فيما تتراجع الأولويات الوطنية من إصلاح اقتصادي وتعليم وصحة وبنية تحتية وفرص عمل إلى مرتبة ثانوية. كما يترسخ شعور عام لدى الأجيال الجديدة بأن الهجرة تمثل الحل الأكثر واقعية للهروب من دوامة الأزمات المتكررة.

الولاء للبنان

تكشف تجارب العقود الماضية أن ازدهار لبنان كان يرتبط دائماً بقدرته على النأي بنفسه عن مشاريع الهيمنة الخارجية، أياً كان مصدرها. وقد حقق أفضل فترات نموه عندما لعب دور الجسر بين الشرق والغرب، وبين العالم العربي والعالم الأوسع، لا عندما تحول إلى قاعدة متقدمة لهذا المحور أو ذاك. كما أثبت المجتمع اللبناني أن طاقاته الإبداعية والاقتصادية تظهر بقوة كلما توفرت له بيئة مستقرة تسمح بالمنافسة الحرة والانفتاح على الأسواق العالمية. يفرض هذا الواقع إعادة طرح السؤال الجوهري وهو لمن يجب أن يكون ولاء الدولة اللبنانية؟ هل لمشاريع إقليمية تتجاوز حدودها ومصالح مواطنيها، أم لفكرة لبنان نفسها باعتبارها قيمة سياسية وثقافية وحضارية تستحق الدفاع عنها؟ وتكمن الإجابة في استعادة مفهوم الدولة بوصفها المرجعية العليا الوحيدة للسلاح والقرار والحرب والسلم. كما تكمن في بناء عقد وطني جديد يقوم على المواطنة والكفاءة وسيادة القانون بدلاً من الولاءات العابرة للحدود. ويحتاج ذلك إلى شجاعة سياسية وفكرية تسمح بمواجهة الحقائق كما هي، بعيداً عن الشعارات التعبوية والانقسامات التقليدية.

يمتلك لبنان من الموارد البشرية والخبرات والطاقات ما يكفي لتحويله إلى مركز إقليمي للعلم والخدمات والتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. وتؤكد نجاحات اللبنانيين في مختلف أنحاء العالم أن المشكلة لا تكمن في الإنسان اللبناني بل في البيئة السياسية التي تعيق استثمار قدراته. كما أن تجربة الاغتراب اللبناني تقدم دليلاً دائماً على قدرة أبناء هذا البلد على المنافسة والنجاح عندما تتوفر لهم مؤسسات مستقرة وقواعد واضحة. يقف لبنان اليوم أمام خيار تاريخي بين الاستمرار في لعب دور الساحة أو العودة إلى لعب دور الدولة. وبين البقاء رهينة صراع مفتوح بين إسرائيل ومشروع ولاية الفقيه أو استعادة حقه في تعريف مصالحه الوطنية بنفسه. فالأوطان لا تُبنى بالنيابة عن شعوبها، ولا تزدهر عندما تتحول إلى أدوات في مشاريع الآخرين.

تستحق الأجيال اللبنانية القادمة وطناً يعيش لأجل أبنائه لا لأجل حروب غيره، ودولة تقيس نجاحها بعدد الجامعات والمصانع وفرص العمل لا بعدد الجبهات المفتوحة، ومشروعاً وطنياً يرى في التنوع مصدر قوة وفي الحرية شرطاً للإبداع وفي السيادة أساساً لكل نهضة ممكنة. ذلك وحده ما يمكن أن يحرر لبنان من فكي كماشة إقليمية أنهكت أرضه وشعبه لعقود طويلة، ويفتح أمامه فرصة العودة إلى دوره الطبيعي وطناً للحياة لا ساحة للحروب.

لبنان بين التسوية الكبرى والفراغ الاستراتيجي

لكن المعضلة اللبنانية لم تعد تقتصر على الصراع بين إسرائيل ومشروع ولاية الفقيه، بل باتت مرتبطة أيضاً بمستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. إذ إن جزءاً كبيراً من المشهد اللبناني خلال العقود الماضية تشكل نتيجة المواجهة المستمرة بين الطرفين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا سيحدث للبنان إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى تفاهمات طويلة الأمد حول الملف النووي والأمن الإقليمي؟

اعتاد اللبنانيون النظر إلى أي اتفاق أميركي ـ إيراني باعتباره فرصة تلقائية للاستقرار. غير أن التجارب السابقة تدعو إلى قدر أكبر من الحذر. فالسياسات الدولية لا تُبنى على حماية الدول الصغيرة بقدر ما تُبنى على إدارة المصالح الكبرى. وإذا قررت واشنطن وطهران تخفيض مستوى الصراع بينهما، فإن لبنان قد يجد نفسه أمام واحد من احتمالين متناقضين.

الاحتمال الأول أن يؤدي الاتفاق إلى تقليص الحاجة الإيرانية إلى استخدام الساحات الإقليمية كأوراق ضغط، ما يفتح الباب أمام إعادة دمج لبنان في الاقتصاد العالمي وتخفيف التوترات الأمنية. في هذه الحالة قد تتراجع أهمية المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل، وتزداد الضغوط الداخلية والخارجية لحصر السلاح بيد الدولة وإعادة بناء المؤسسات العامة. وقد يتيح ذلك للبنان فرصة تاريخية للخروج من منطق الجبهات المفتوحة إلى منطق التنمية والاستقرار.

أما الاحتمال الثاني، وهو الأكثر إثارة للقلق، فيتمثل في أن يتحول لبنان إلى مجرد بند ثانوي ضمن صفقة أوسع. وقد تجد واشنطن في احتواء البرنامج النووي الإيراني أولوية تفوق أي اهتمام فعلي بإعادة بناء الدولة اللبنانية، بينما قد ترى طهران أن الاحتفاظ بنفوذها داخل لبنان يمثل ضمانة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها حتى في ظل اتفاق شامل مع الغرب. وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا ترافق مع تغيرات داخلية في إيران نفسها. فالمشروع القائم على ولاية الفقيه يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة. وإذا قررت القيادة الإيرانية مستقبلاً إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية، فقد تتراجع الموارد المخصصة للمشاريع الإقليمية. عندها لن يكون السؤال كيف يزداد نفوذ إيران في لبنان، بل ماذا سيحدث للبنان بعد تراجع هذا النفوذ؟ فالدول التي تبني توازناتها على دعم خارجي غالباً ما تواجه أزمات حادة عندما يتغير ميزان القوى الذي اعتمدت عليه.

وفي المقابل، فإن إسرائيل تراقب أي تقارب أميركي ـ إيراني بقلق واضح. فهي تخشى أن يؤدي تخفيف الضغوط على طهران إلى تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية على المدى الطويل. ولذلك قد تسعى إلى فرض وقائع جديدة في المنطقة قبل اكتمال أي تسوية، أو إلى ضمان أن تتضمن أي اتفاقات ترتيبات أمنية تحد من النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا. وهنا يجد لبنان نفسه مرة أخرى رهينة حسابات لا يملك القدرة على التحكم بها.

تكمن المشكلة الأساسية في أن معظم القوى اللبنانية ما زالت تفكر بمنطق المحاور الخارجية أكثر مما تفكر بمنطق الدولة الوطنية. فبعضها يراهن على استمرار الصراع الأميركي ـ الإيراني، وبعضها يراهن على انتصار أحد الطرفين، فيما يغيب السؤال الأهم: ماذا لو تصالح الطرفان أو أعادا توزيع النفوذ بينهما؟ عندها قد يكتشف كثيرون أن الرهانات التي بنوا عليها استراتيجياتهم لعقود أصبحت بلا قيمة. لهذا السبب، فإن مستقبل لبنان لا ينبغي أن يُربط بنتائج المفاوضات النووية أو بتوازنات القوى الإقليمية وحدها. فالاتفاقات الدولية بطبيعتها مؤقتة وقابلة للتغيير، أما الدول القادرة على الاستمرار فهي تلك التي تبني شرعيتها ومؤسساتها على عقد وطني داخلي لا على ضمانات خارجية. وقد يكون الدرس الأهم الذي يجب أن يتعلمه اللبنانيون من العقود الماضية هو أن الاعتماد على أي قوة إقليمية أو دولية، مهما بدت قوية أو دائمة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء دولة قادرة على حماية مصالحها بنفسها.

إن الخطر الحقيقي على لبنان لا يكمن فقط في استمرار الصراع بين إسرائيل وإيران، بل أيضاً في احتمال انتهاء هذا الصراع بطريقة تجعل مستقبل البلاد موضوعاً للتفاوض بين الآخرين. فالدول الصغيرة لا تُحمى بمجرد حسن نيات القوى الكبرى، بل بقدرتها على تحويل نفسها من ساحة تفاوض إلى طرف يمتلك مؤسسات قوية واقتصاداً منتجاً وإرادة وطنية مستقلة.

The post لبنان بين مشروعين: مطامع إسرائيل وأوهام ولاية الفقيه appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية