منذ عقود، تتعامل الولايات المتحدة مع لبنان من زاوية تكاد تكون ثابتة: كيف يمكن ضمان أمن إسرائيل على الجبهة الشمالية؟ واليوم بات هذا التوجه أكثر وضوحاً وحزماً، في ظل قرار أميركي استراتيجي بتأمين حدود إسرائيل من مختلف الاتجاهات، أهمها الحدود اللبنانية.
في المقابل، يشهد الداخل اللبناني تحولاً مهماً في مقاربته للصراع. إذ باتت شريحة واسعة من اللبنانيين، بمختلف انتماءاتهم السياسية، مقتنعة بأن الوصول إلى تسوية ما، مع إسرائيل ومنع تجدد الحروب أصبح ضرورة. رغم الاختلاف في الرؤية حول طبيعة هذه التسوية وحدودها السياسية والأمنية.
الا أن النظرة الإسرائيلية لا تبدو محصورة بالبعد الأمني وحده. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الطموح الإسرائيلي يتجاوز مفهوم الأمن إلى محاولة فرض الهيمنة السياسية بما يضمن تفوقاً دائماً. ومن هنا يمكن فهم الرهان الإسرائيلي المستمر على إبقاء لبنان ساحة منقسمة ومشرذمة، بل والسعي الى تغذية ذلك بما يضعف الدولة ويمنع قيام سلطة مركزية قوية.
صحيح أن السياسة الأميركية تجاه لبنان أظهرت تحفّظاً واضحاً على بناء عناصر القوة الشاملة للدولة اللبنانية، خصوصاً تسليح الجيش ورفع قدراته الدفاعية، وهو ما يتقاطع مع المصلحة الإسرائيلية القائمة على منع تعديل موازين القوى والردع القائمة، إلا أنها تختلف مع تل أبيب في نقطة جوهرية أخرى، فواشنطن تدرك أن الفتنة الداخلية اللبنانية أو الانهيار الكامل للدولة لا يخدمان الاستقرار الإقليمي.
والواقع أن التجارب التاريخية تثبت ان الفوضى اللبنانية لم تنجح يوماً في إنتاج أمن مستدام على الحدود. بل على العكس، كانت كل مرحلة ضعف وتفكك داخلي تتحول إلى مصدر تهديد وعدم استقرار يمتد أثره إلى ما وراء الحدود.
كما أن التجارب الإسرائيلية نفسها تؤكد هذه الحقيقة. فاجتياح لبنان عام 1982 والحزام الأمني في الجنوب، والحروب التدميرية المتكررة وغيرها من الإجراءات الأحادية التي اعتمدتها، لم تحقق لها الأمن الذي كانت تسعى يوما إليه.
الفوضى اللبنانية لم تنجح يوماً في إنتاج أمن مستدام على الحدود، والإجراءات الأحادية الإسرائيلية من حروب واجتياحات، لم تحقق لها ما تحتاجه.
وهنا تبرز حقيقة سياسية وأمنية يصعب تجاوزها: الاحتلال لا يبرر فقط نشوء المقاومة، بل يستوجب وجودها. وفي الحالة اللبنانية تحديداً، فإن التنوع السياسي والإيديولوجي والطائفي يجعل فكرة العمل المقاوم قابلة للظهور مجدداً لدى أي شريحة لبنانية، في أي وقت إذا ما توافرت دوافعها.
أما الرهان على المتغيرات الإقليمية، بما فيها التحولات العميقة التي شهدتها سوريا، فلا يبدو كافياً لضمان انتهاء هذه الظاهرة. فالتاريخ أثبت أن الحركات المسلحة القادرة على اكتساب حاضنة سياسية أو اجتماعية، تجد دائماً السبل للحصول على الوسائل القتالية والإمكانات التي تسمح لها بالاستمرار، مهما تبدلت الظروف المحيطة.
من هنا، يبدو أن الوقت قد حان لكي تعيد الإدارة الأميركية النظر في بعض المسلمات التي حكمت مقاربتها للبنان طوال العقود الماضية. فأمن المنطقة واستقرارها لا يمكن أن يقوما على إضعاف لبنان أو إبقائه في حالة عجز دائم. واستقرار لبنان لا يمكن ضمانه إلا من خلال مؤسسات امنية قوية قادرة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني.
بيد أن هذه المعادلة تصطدم مباشرة بالفيتو الأميركي – الإسرائيلي التقليدي، فواشنطن تُصرّ على إبقاء تسليح الجيش ضمن حدود الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب. وهذا التناقض البنيوي يجعل المطالبة بنزع السلاح غير النظامي، دون بديل سيادي قادر على حماية الحدود، دوراناً في حلقة مفرغة.
وفي السياق نفسه، تحتاج واشنطن إلى مقاربة أكثر واقعية تجاه حزب الله. فالحزب ليس تنظيماً وافداً من كوكب آخر، بل هو جزء من النسيج اللبناني، سواء اتُفق معه أم اختلف عليه. وقد أثبتت التجارب المتلاحقة فشل كل المحاولات الرامية إلى إنهائه أو القضاء عليه بالقوة العسكرية المباشرة، او بمحاولات أخرى قامت على إغراق لبنان بالأزمات الاقتصادية أو التعويل على الانهيار المالي لإنتاج مواجهة داخلية واسعة ضده.
المسار الأكثر واقعية لإنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن إطار الدولة، يجب ان يمر عبر حوار لبناني داخلي جدي، يستند إلى تفاهمات إقليمية ودولية تشكل الولايات المتحدة وإيران والمملكة العربية السعودية ركائزها الأساسية. إذ إن هذا الامر ليس شأناً محلياً محضاً، بل يرتبط عضوياً بمعادلات الردع الإقليمية والمشروع الجيوسياسي الإيراني. بناءً عليه، فإن أي استراتيجية دفاعية وطنية، لن تولد من تفاهمات لبنانية معزولة، بل من خلال مسار يتضمن خفض التصعيد الإقليمي الشامل، لتحييد لبنان عن صراع المحاور، وتأمين غطاء دولي وإقليمي يسهّل استيعاب القدرات العسكرية للحزب ضمن بنية الدولة الشرعية.
لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بشرط أساسي لا يمكن تجاوزه: بناء جيش لبناني مكتمل القدرات والتجهيزات والتسليح، قادر على حماية الحدود وفرض سلطة الدولة على كامل أراضيها. عندها تنتفي الذرائع التي يستند إليها المشككون، ويصبح الانتقال إلى دولة تحتكر السلاح قراراً سياسياً قابلاً للتحقيق.
خلاصة القول، المشكلة الأميركية ليست في فهم لبنان، بل في الاختيار بين أمن إسرائيل، وكلفة إبقاء لبنان غارقاً في الفوضى الأمنية والاقتصادية.
الاستمرار في استراتيجية إدارة الضعف والاستثمار في الانقسامات اللبنانية لن يُنتجا إلا دورات متكررة من الحروب العبثية التي أثبت التاريخ أنها ترتد سلباً على أمن المنطقة بأسرها.
الانتقال من عقلية حماية أمن الحليف عبر تفكيك الجوار، إلى عقلية تثبيت الاستقرار عبر تمكين الدولة اللبنانية وجيشها، هو الممر الإجباري الوحيد للخروج من هذا الانسداد الاستراتيجي؛ وما لم توازن واشنطن بين هواجس تل أبيب وسيادة بيروت، فإن الجبهة الشمالية ستبقى خاصرة رخوة وفتيلاً جاهزاً للانفجار عند أول تقاطع للمصالح الإقليمية.
The post هل أخطأت واشنطن حين ربطت أمن إسرائيل بإضعاف لبنان؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








