منذ أكثر من قرن، يُقدَّم “العيش المشترك” في لبنان بوصفه الركيزة الأساسية التي يقوم عليها الكيان اللبناني. تحوّل هذا الشعار إلى ما يشبه العقيدة السياسية التي يُمنع الاقتراب منها أو مساءلتها، رغم أن التجربة اللبنانية نفسها تفرض أسئلة جوهرية حول مدى نجاح هذا النموذج وجدواه. فبعد عقود من الأزمات والحروب والانقسامات والانهيارات، بات من المشروع التساؤل: هل كان العيش المشترك حلّا، أم أنه أصبح جزءًا من المشكلة؟
لم ينشأ لبنان نتيجة حراك وطني موحّد أو ثورة جامعة أو إرادة شعبية متجانسة سعت إلى بناء دولة قومية واحدة، بل وُلد كيانًا جمع تحت سقف واحد جماعات دينية وطائفية متعددة، لكل منها هواجسها وهويتها وقراءتها الخاصة للتاريخ والمستقبل. ومنذ البداية، عاش هذا الكيان على توازنات دقيقة وهشّة، لا على شعور وطني موحّد أو انتماء جامع يتجاوز الانتماءات الأولية.
هذا الواقع أنتج ما يمكن وصفه بالقلق الوجودي الدائم لدى مختلف المكوّنات اللبنانية. فكل طائفة شعرت، في مرحلة أو أخرى، بأنها مهددة أو مستهدفة أو معرّضة للتهميش، ما دفعها إلى البحث عن ضمانات خارج حدود الدولة. وهكذا تحوّل الاستقواء بالخارج إلى سلوك سياسي متكرر، لا استثناء عابرًا. ولم يكن ذلك نتيجة سوء نية بقدر ما كان انعكاسًا لغياب الثقة بين المكوّنات نفسها، وغياب الإيمان بوجود وطن واحد ذي هوية سياسية واضحة ومشتركة.
والأخطر من ذلك أن الدولة اللبنانية نفسها لم تنجح في التحوّل إلى مرجعية وطنية جامعة. ففي كثير من الأحيان، لم يُنظر إليها كدولة تمثل شعبًا واحدًا، بل كوسيط بين جماعات متنافسة ومتوجّسة بعضها من بعض. لكن الدولة لا يُفترض أن تكون وسيطًا بين مكوّنات متنازعة، بل سلطة سياسية تعلو على الجميع وتحكم باسم شعب واحد. وعندما تصبح الدولة مجرد حكم بين الطوائف، فهذا دليل على أن الأمة السياسية لم تتشكّل فعليًا.
لقد أثبتت العقود الماضية أن الانقسامات اللبنانية لم تتراجع مع الزمن، بل تعمّقت وتكرّست. فالذاكرة الجماعية لكل مكوّن ما زالت مليئة بالجراح والصدامات والخوف المتبادل. وهذه الذاكرة لا يمكن محوها بالشعارات أو تجاهلها باسم الوحدة الوطنية. بل إن إدارة هذا الواقع تبدأ بالاعتراف به لا بإنكاره.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى التفكير بصيغة سياسية جديدة تتجاوز النموذج الحالي الذي استنزف اللبنانيين وأوصلهم إلى الانهيار. صيغة تعترف بالاختلافات القائمة بدل محاولة إخفائها، وتمنح كل مكوّن مساحة لإدارة شؤونه المحلية وفق خصوصياته الثقافية والاجتماعية، ضمن دولة واحدة تحتكر السلاح والعلاقات الخارجية والسياسات المالية والسيادية.
إن المطلوب ليس تفكيك الدولة، بل إعادة بنائها على أسس أكثر واقعية واستقرارًا. دولة حيادية تجاه صراعات المنطقة ومحاورها، تركّز على التنمية والازدهار وحماية كرامة مواطنيها. دولة تدير التنوّع بدلا من أن تكون رهينة له، وتحول الاختلاف من مصدر صراع إلى عنصر استقرار.
لقد آن الأوان للاعتراف بأن الطائفية ليست ظاهرة سطحية أو موقتة في لبنان، بل جزء من البنية الاجتماعية والسياسية القائمة. كما أن العلمنة التقليدية القائمة على حكم الأكثرية الديموغرافية لا تبدو قادرة على طمأنة المكوّنات التي تخشى على وجودها ودورها. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إنكار الواقع، بل في إيجاد نظام سياسي جديد يراعي هذا الواقع ويمنع أي طرف من احتكار السلطة أو فرض إرادته على الآخرين.
إن الاستمرار في ترداد شعارات أثبتت التجربة محدوديتها لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات. أما الجرأة الحقيقية فتتمثل في إعادة التفكير في الصيغة اللبنانية نفسها، والبحث عن نموذج أكثر قدرة على حفظ الاستقرار والكرامة والازدهار. فالدول لا تُبنى على الأمنيات، بل على قراءة واقعية لمجتمعاتها. وإذا لم يجرِ هذا النقاش اليوم، فقد يجد اللبنانيون أنفسهم غدًا أمام أزمات أشد عمقًا وخطورة، وعندها قد يصبح الإصلاح من سابع المستحيلات.
The post من العيش المشترك إلى الانقسام المشترك appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





