كان من اللباقة أن ينتظر “الحزب” توقيع الاتّفاق الأميركيّ- الإيرانيّ رسميّاً قبل أن يهدّد مساعد قائد فيلق القدس للتخريب اللبناني نعيم قاسم بإسقاط الحكومة بالشارع (المسلّح)، أو قبل أن يصف قلم “الحزب” رئاستَي الجمهوريّة والحكومة بـ”سلطة الاحتلال”، ويسبغ عليهما كلّ توصيفات الخيانة.
إنّه أشبه بإشعار من الحرس الثوريّ للسيطرة على لبنان بعد الحرب، كمثل الإشعار بالسيطرة على مضيق هرمز! يصدر هذا التخوين عن “سلطة الاعتلال” التي مزّقت الدولة واستقلال قرارها، لتجعل من الكيان اللبنانيّ فيلقاً من فيالق الحرس الثوريّ، أو إدارة في هيئة المضائق الإيرانيّة، يغلقها الحرس الثوريّ كلّما تأزّمت علاقته بالأميركيّين، ويفتحها عندما يقبض الفدية.
يهدّد قاسم بأنّه “إذا توحّشت أميركا أكثر فلن يعود لها شيء في لبنان، لأنّها ستخرّب لبنان على رؤوس أبنائه وعلى رأسها أيضاً”. بماذا يذكّر هذ التهديد؟ ألا يذكّر بتهديد بشّار الأسد للرئيس الشهيد رفيق الحريري عشيّة التمديد لإميل لحّود حين قال: “سأكسّر لبنان على رأسك”؟ يقول قاسم على طريقته: “إمّا أن يكون لبنان لمحورنا وإمّا أن نخرّبه على رؤوس اللبنانيّين”.
لم تعبأ “سلطة الاعتلال” منذ ثلاثين عاماً بتخريب لبنان، اقتصاده، سياحته، بريقه الثقافيّ وموقعه على الساحة الدوليّة. لم يُظهر زعيمها، الشيخ قاسم، أيّ تردّد أمام تشريد مئات الآلاف من أبناء بيئته وتدمير القرى واستشهاد الآلاف، ما دامت الغاية “تسليم الراية إلى الإمام المهديّ”! كيف يمكن التحاور تحت سقف المصلحة الوطنيّة اللبنانيّة مع قوّة مسلّحة لا ترى في الحرب والتفاوض سوى معركة دينيّة يقودها الوليّ الفقيه في طهران؟
يزعم “الحزب” أنّ وقف إطلاق النار في لبنان لا يُنتزَع إلّا إذا تمّ ضمّ لبنان إلى “وحدة المسار والمصير” مع إيران، كما كان الحال في التفاوض السوريّ – الإسرائيليّ في التسعينيّات. لكن ماذا عن الأثمان التي يدفعها لبنان من هذا الضمّ؟ ماذا لو انفجر الصراع مجدّداً بين أميركا وإيران؟ ماذا لو تأزّمت المفاوضات في الملفّ النوويّ أو أيّ ملف آخر خلال الأيّام الستّين التي تلي وقف إطلاق النار؟ هل يكون لبنان ورقةً إيرانيّةً كمضيق هرمز، تُفتح جبهته أو تُغلق بحسب مسار الصراع؟ وما قدرة لبنان على معرفة ما يجري في تلك المفاوضات أو التأثير عليها؟
لبنان ساحة تفاوض
يجرؤ “الحزب” على طلب الضمّ هذا وكأنّ اللبنانيّين غير جديرين بإدارة علاقاتهم الدوليّة ومصالحهم الوطنيّة باستقلالٍ عن مصالح الأمن القوميّ الإيرانيّ. يقول “الحزب” على طريقته إنّه ممنوع على الدولة أن تخاطب العالم أو تمارس الحكم بشكل طبيعيّ في أيّ مجال من مجالات الحياة حتّى لو تعايشت مع السلاح لأنّ المطلوب إيرانيّاً أن يكون لبنان ساحة من ساحات التفاوض بالنار، كما كان حال اليمن والعراق لسنين طويلة.
تخوّن “سلطة الاعتلال” الرئيسَين، وتصفهما بأنّهما “سلطة احتلال” لأنّهما يجرؤان على تحرير قرار التفاوض من إيران، وتهدّد بإسقاط الحكومة بالشارع المسلّح، كما فعلت بعد حرب تمّوز 2006، لتغلق أيّ نقاش في شأن حصر السلاح بيد الدولة.
يطرح قاسم معادلة تنسف أيّ إمكانيّة للتوافق الداخليّ. يرسم خريطة طريق تبدأ بوقف إطلاق النار، منع الاعتداءات، تحرير النقاط الخمس، عودة النازحين، وإعادة الإعمار، وبعد كلّ ذلك يسمح سماحته بمفاتحته بموضوع “الاستراتيجية الدفاعيّة”، لا نزع السلاح! ليس لهذا معنى سوى أنّ السلاح خارج النقاش، وأنّه باقٍ كجزءٍ من منظومة أوراق القوّة الإيرانيّة.
دفع لبنان أثماناً لا تُحتَمل من هيمنة “سلطة الاعتلال” منذ قيام الجمهوريّة الثانية في ظلّ اتّفاق الطائف. إنّها السلطة التي خرّبت، بالتضامن والتآزر مع النظام السوريّ البائد، محاولات الرئيس الشهيد رفيق الحريري النهوض بالاقتصاد عبر مؤتمرَي “باريس 1″ و”باريس 2”. كانت العمليّات في مزارع شبعا تُستخدم لإفشال محاولاته اكتساب الثقة الدوليّة. هذا بالضبط ما فعلته عندما كان في أصعب مهمّة في البيت الأبيض لتفادي الفيتو الأميركيّ على “باريس 1”.
تخريب طاولة الحوار
هي نفسها السلطة التي خرّبت طاولة الحوار الوطنيّ عام 2006، حين ذهبت إلى الحرب وحدها، لتنسف أيّ نقاش في الاستراتيجية الدفاعيّة، وهي نفسها التي اجتاحت بيروت في 7 أيّار، وهي نفسها التي سفكت الدماء في سوريا واليمن والعراق، وهي التي عبثت بالأمن القوميّ للدول العربيّة، وصدّرت إليها الكبتاغون، وخرّبت علاقات لبنان معها، وهي التي حرمت لبنان إيرادات سياحيّة واستثمارات بعشرات مليارات الدولارات.
لم ينعم لبنان بسنة واحدة من الهدوء منذ 1990 بسبب سلطة الاعتلال هذه. إذا كان من سبب لكون حجم اقتصاد لبنان لا يتجاوز 30 مليار دولار عام 2026، فهو أوّلاً، وقبل كلّ شيء، تغوّل هذه السلطة على قرار الحرب والسلم والتفاوض فيه. بسببها يتدهور معدّل دخل الفرد في لبنان، وتتفاقم الهجرة، وتتردّى قدرات الدولة، وينام مئات الآلاف في مراكز الإيواء.
ليس الوقت ملائماً للاستماع إلى دروس في الوطنيّة من زعيم “سلطة الاعتلال”، ولا ينبغي له أن ينتظر من اللبنانيّين اعتذاراً عن تمسّكهم باستعادة سيادتهم على قرار التفاوض، أو تراجعاً أمام التهديد بانقلاب جديد، ولا ينتظر بعد كلّ ما جرى أن يُسحب ملفّ حصر السلاح من التداول. إنّه مطلب لبنانيّ خالص للخلاص من سلطة الاعتلال، قبل أن يكون مطلباً من أيّة جهة خارج الحدود.
The post لبنان مَضيقاً إيرانيّاً: "سلطة الاعتلال" تخوِّن الرئيسَين appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








