انتحار مؤجل لنصف دولة ومفاوضات على رصيف الموت لنصفها الآخر

التاريخ: 29 أيار 2026
انتحار مؤجل لنصف دولة ومفاوضات على رصيف الموت لنصفها الآخر

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

مذكرة التفاهم التي تعمل عليها واشنطن وطهران لن تغير في واقع الأمور في لبنان. الحرب أيضاً لم تغير في واقع الأمور. البلد يجتاز منهكاً واحدة من أصعب أوقات وجوده على مر التاريخ. كل الأطراف الداخلية، بصرف النظر عن الكلفة التي تحملها اللبنانيون جميعاً، سلكت خلال هذه الأزمة ما يجدر بها أن تسلكه. حزب الله وما يمثله جنح نحو الدخول في حرب غير متكافئة ومكلفة، والحكومة ورئاسة الجمهورية بما تمثلانه جنحتا نحو المفاوضات المباشرة برعاية أميركية. والأرجح أن أحداً من أقطاب الحكم التنفيذي في لبنان لم يكن يظن أو يأمل في تحقيق اختراقات كبرى. مثلما أن حزب الله على الأرجح، لم يكن يأمل في تحقيق انتصارات مدوية.

المشكلة التي تعوق كل إنجاز في لبنان هي داخلية في الأساس. ثمة دولتان تقيمان في لبنان، أو لكي نكون أكثر إنصافا ثمة نصفي دولتين. نصف دولة يمثله حزب الله وحلفاؤه، ويملك القوة والسلاح، ويتحكم بمفاصل الإدارة، لكنه لا يملك ولا يريد التدخل في كيفية إنقاذ البلاد من عثراتها الاقتصادية. في الأصل، هذا النصف يعتدي على المحاولات التقليدية لإخراج البلد من عثراته. هذه الحروب التي خاضها نصف الدولة هذا كانت دائماً تضرب عصباً أساسياً في أمل اللبنانيين. ألا وهو السياحة. وإثر كل حرب يخرج القطاع السياحي متضرراً على نحو يتآكل معه كل مدخرات اللبنانيين. في هذه الحرب بدا أن الخسارة مضاعفة. هناك بيوت دمرت وقرى ومدن سويت بالأرض، وهناك إنفاق طارئ اضطر له النازحون، الذين خسروا بنزوحهم مصادر دخلهم وثرواتهم.

نصف الدولة الثاني المتمثل بالسلطات التنفيذية يغض طرفاً عن السياسات الخارجية، ويترك أمور الحروب والسلام لخصمه المحلي. ويدعي أنه يعمل على إنقاذ ما تبقى من قدرة في البلد على الاستمرار بوصفه دولة، لها عملتها الخاصة، ومصادر دخلها المحددة، وخططها الاقتصادية المحدودة. واقع الأمر أن النصفين فشلا فشلاً ذريعاً في ما أُجبرا على خوضه. نصف الدولة المحارب المتمثل بحزب الله، خسر جزءاً أساسياً من الأرض. وحين تضع الحرب أوزارها، سيكون أمر استئناف العمل العسكري للتحرير شائكاً ومعقداً، وغير مقبول على الصعيد العالمي والإقليمي، واللبناني إلى حد بعيد. والحال، لقد ضربت هذه الحرب وظيفة هذا النصف وقدراته على فرض هيمنته في مقتل، لا يسهل معه استعادة التوازن. وليس بعيداً أن يدخل مرة أخرى في خيار انتحاري، ذلك أن كل خطوة سيخطوها ستكون محفوفة بالمخاطر وغامرة بالخسائر.

النصف الثاني عمد خلال هذه الحرب إلى محاولة إنقاذ ما تيسر، والتمسك بمجداف الزورق الذي يبحر بقربه. ذهب إلى المفاوضات، لأنه لو لم يذهب إليها لكان خاسراً في كل حال. لكنه حين يغامر في الدخول في مغامرتها، قد ينقذ القليل مما تبقى للبلد. ذلك أن معضلة هذا النصف خارجية وداخلية على حد سواء. شريكه يحارب، وقد يلحق خسائر بعدوه، لكنه دائماً يلحق به خسائر. وهذه الخسائر سيادية ولا تتصل من أي باب بالخسائر الهائلة التي يتكبدها الناس والمواطنون. يخسر في الاقتصاد، يخسر في النمو، يخسر في التحويلات. وهذه الحرب كانت أكثر الحروب كلفة. ففضلاً عن الخسائر الهائلة التي خلفها العدوان الإسرائيلي على القرى والمدن، إلا أن هذه الحرب قلصت حجم التحويلات الخارجية التي شكلت طوال العقود الأخيرة الشريان الخارجي الذي يضخ الدم إلى الجسم اللبناني. ذلك أن جزءاً راجحاً من هذه التحويلات كان يأتي من دول الخليج التي وجدت نفسها في هذه الحرب في عين العاصفة. فضلاً عن هذه الخسارة، تعرض البلد لخسارة أخرى تتعلق بإنفاق شطر أساسي من أهل البلد كل مدخراتهم وجزءاً من ثرواتهم للعيش يوماً بيوم. وإذا أضفنا أزمة الطاقة العالمية، وتعطل الأعمال في قسم كبير من بلدان الشرق الأوسط إلى ما تقدم، تصبح الخسارة غير قابلة للمعالجة. هذا إذا لم نواجه بشكل سريع أزمة إعادة الإعمار، التي تنذر كل التوقعات بأنها ستكون بطيئة ومقسطة على نحو قد يستغرق أعماراً بكاملها.

خيار الدخول في مفاوضات مباشرة، لم يكن خياراً يمكن تجنبه. لأن القوى التي اعتمدته كانت أمام خيارات صعبة. فلو هزم حزب الله هزيمة ساحقة، ولم يكن ثمة إعلان محلي بأن هزيمته لا تعني هزيمة لبنان، بل هزيمة وظيفته بوصفه جزءاً من محور إقليمي، لما وجد نصف الدولة هذا مفراً من التسليم بهزيمته مع حزب الله وانتهاء البلد، بنصف مدمر ونصف معطل. ولو انتصر حزب الله انتصاراً يمكن تسويقه وإقناع الجمهور به، لوجد هذا النصف نفسه تحت ضغط أشد مما كان يتعرض له قبل اندلاع هذه الحرب من حزب الله وحلفائه. والحال، كانت المفاوضات إلى حد بعيد محاولة لتخليص ما يمكن تخليصه من آلة الحرب الإسرائيلية الطاحنة. وبناء حجر أساس صغير لإعادة التأسيس كشريك في مستقبل البلد، يوم تضع الحرب أوزارها. هذا النصف كان أمام معضلة شائكة لم يجد لها حلاً سوى الدخول في المفاوضات: إما أن يستنكف ويحاسب بوصفه متفرجاً على ذبح جزء من شعبه، إذا انتصر حزب الله، أو يعتبره المنتصر الخارجي شريكاً لحزب الله ومهزوماً معه.

النصف الأول، المتمثل بحزب الله، أيضا لم يكن يملك خياراً. خصوصاً بعد اغتيال المرشد. إذ كان أمام حرب اغتيالات مستنزفة لا تسمح له بالرد عليها أو محاولة إحداث تعديل بسيط في موازينها. هكذا أتى اغتيال خامنئي ليشكل حجة للحزب ليعاود المناوشة. فإذا صمد حتى نهاية الحرب، فهذا يعني أن وزنه في البلد سيبقى منظوراً ومحسوساً. فضلاً عن تحوله رسمياً إلى جزء من محور بات أمر استئصاله بالقوة مستحيلاً، والمطلوب اندراجه في ماكينة عالمية تلحظ له دوراً، وتحاول منعه من الاشتغال بأدوار سابقة. وعليه، فإن الحزب وجد نفسه مجبراً على خوض هذه الحرب، مهما كانت الخسائر كبيرة، لأنه أدرك أنه الحلقة الأضعف في هذه الحرب الكبرى، وأن التضحية به ممكنة في كل وقت. لذلك كان يجدر به أن يثبت أنه مشاغب وقادر على الأذية حتى يتم شمله في أي اتفاق. خلاصة الموقف الذي وجد حزب الله نفسه فيه هي التالية: التخلي عن الحرب هو نهاية كاملة لمشروعه. الانسحاب كان يعني انتحاراً فورياً، لكن التورط كان يعني انتحاراً مؤجلاً.

لكن الخلاصة ما زالت مرعبة. لسنا أمام ما يشبه أواخر الثمانينيات، عشية اتفاق الطائف، حيث ثمة قوى مستعدة لتمويل إعمار البلد ومحاولة الاستثمار في دوره الاقتصادي وازدهاره مقابل توقفه عن التلاعب بأمن المنطقة. بل نحن أمام خيار واحد لا بديل له. إما تستمرون في التعرض للموت والتهجير والقتل بالجملة، وإما تتوقفون عن أداء أدواركم وتقلعوا عن تطلب الدعم الاقتصادي والمالي من الخارج. ما فعلتموه كلبنانيين طوال هذه العقود لا يستحق مكافأة من أي نوع. وعليكم أن تضمدوا جراحكم بأيديكم.

The post انتحار مؤجل لنصف دولة ومفاوضات على رصيف الموت لنصفها الآخر appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية