في خضم مشهد إقليمي يتشكل بسرعة غير مسبوقة، حيث تتقاطع الميادين العسكرية مع الكواليس الدبلوماسية، وتتصادم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع نفي طهران القاطع، تبرز تساؤلات جوهرية تتجاوز لغة البيانات وتغوص في عمق المعادلات الاستراتيجية: هل ثمة مفاوضات حقيقية بين واشنطن وطهران؟ ومن يمسك بزمام المشهد فعلاً؟ وأين تقع دول الخليج في هذه اللحظة الفارقة؟.
رأى الباحث السياسي والاستراتيجي أمجد طه، خلال حديثه إلى سكاي نيوز عربية أن تصريحات ترامب بشأن وجود شروط تفاوضية محددة تندرج أساسا ضمن أدوات الضغط الإعلامي والدبلوماسي، مستدلا على ذلك بأن إيران لم توافق بعد على أيٍ من هذه الشروط.
وأوضح طه أن الرئيس ترامب يسعى إلى تهدئة الأسواق في المنطقة، وهو ما تحقق بالفعل، غير أن هذه الفرصة ستنتهي نهاية الأسبوع حين يتجه ترامب إلى فلوريدا ليعلن قراراته، وربما يكون ذلك مصحوبا بعمليات برية يشارك فيها المارينز الذي لا يحتاج إلى أكثر من 5 أيام للوصول إلى المنطقة والسيطرة على مناطق بعينها داخل إيران.
ومن جهته، أشار الخبير العسكري مهند العزاوي، إلى أن الميدان العسكري لا يزال “شغالا” والعمليات العسكرية مستمرة، موضحا أن الجانب الإسرائيلي أكد أن ما يطرح من مبادرات “لا يعنينا”، فيما عملياته مستمرة.
ولفت العزاوي إلى أن تمديد ترامب للمهلة لا يعني أكثر من مجرد مد للوقت، إذ إن مهل دونالد ترامب ليست دقيقة حتى يتم اتخاذ إجراءات.
أما الخبير القانوني محسن أبو صليب، فرأى أن ترامب يحقق نتائج استراتيجية ملموسة بصرف النظر عن المآلات، مستشهدا بأن الانتقال من 6 بنود تفاوضية قبل الحرب إلى 15 بندا في الوقت الراهن يجسد تنازلات إيرانية واضحة.
وأضاف أبو صليب أن ترامب لا يوجه رسائله إلى طهران وحدها، بل يخاطب الناتو لحثه على الانضمام وتعزيز الحشد.
تناول المحللون الثلاثة بالتفصيل شخصية محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإيراني، الذي تصدر المشهد بوصفه شخصية محتملة في المفاوضات.
ورسم أمجد طه صورة بالغة الوضوح لهذه الشخصية، مذكرا بأن قاليباف ينتمي إلى قلب الحرس الثوري، وأنه رشح نفسه للانتخابات أكثر من ثلاث مرات فرفضه الشعب الإيراني في كل مرة، لا سيما أنه في أثناء توليه عمدة لطهران اقترن اسمه بملف الإعدامات والفساد في فضيحة أملاك البلدية عام 2017، فضلا عن دوره في قمع احتجاجات الطلاب عام 1999.
وأشار طه خلال حديثه أن ترامب أشار إلى انقطاع القنوات معه، وأن الحديث عن قاليباف في سياق المفاوضات قد يكشف في حقيقته عن انشقاقات داخلية حقيقية داخل النظام الإيراني بين المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية.
في السياق ذاته، أكد العزاوي أن قاليباف شخصية متشددة بامتياز، وأنه قبل يومين كان يصرح بلغة التهديد ضد دول الخليج والولايات المتحدة، ويتحدث عن التحكم في مضيق هرمز، مضيفا أن طبيعة العسكريين من صنف الحرس الثوري دائما عنيدة وليست براغماتية.
وذهب أبو صليب خلال حديثه إلى منحى مغاير، إذ رأى أن قاليباف منفتح نسبيا على دول الجوار وأن تصريحاته تجاوزت في جرأتها مواقف رئيس الجمهورية وحتى تصريحات علي لاريجاني في السابق، خالصا إلى أن ترامب أخفى اسمه عمدا لدواع تتصل بحساسيات إسرائيل، فيما كشفت إسرائيل عنه هي من جهتها، وهو ما يدل في رأيه على وجود أهداف غير متسقة بين الحليفين.
وأشار مهند العزاوي إلى وجود 3 معسكرات متمايزة في الداخل الإيراني: معسكر مجتبى خامنئي الذي يضم نحو 50% من عناصر الحرس الثوري، ومعسكر قاليباف ذو الطابع المتشدد، ومعسكر ثالث يميل نحو نوع من التحول أو يمثّل الجيش النظامي.
وخلص العزاوي إلى أن هذه الانقسامات الثلاثة تجعل إمكانية التوصل إلى توافق داخلي في غاية الصعوبة.
وفي السياق ذاته، أفاد طه بأن التناقض بين تصريح ترامب عن وجود مفاوضات، وتصريح الحرس الثوري بالنفي الكامل، يشير بوضوح إلى وجود تصدعات حقيقية بين السياسيين والعسكريين داخل النظام الإيراني.
المفاوضون الثلاثة.. دور محدود وأوزان متفاوتة
في تقييم دقيق لأطراف الوساطة، قال العزاوي إن تركيا ومصر سبق أن أخفقتا في مفاوضات عديدة، وإن باكستان “ليس لها وزن ضامن ضمن سياق المفاوضات ولا تستطيع أن تؤمن شيئا”، وأن سعيها مدفوع في الأساس بنزوع إلى الدفاع عن إيران لا بامتلاك أوراق ضغط فعلية.
كما أكد أن أي مفاوضات حقيقية تستوجب أن تسبقها وقفة إطلاق نار، وهو شرط غائب تماما في ظل استمرار الضربات الأميركية على أصفهان وعمليات التحالف الدولي في أربيل.
في المقابل، أبدى أبو صليب تقديرا مغايرا، معتقدا أن دول الخليج هي من تدير عمليا اختيار هذه الوسطاء. وفي معرض حديثه عن الدور الخليجي، أكد أمجد طه أن ترامب لن يتفاوض مع إيران دون حضور دول الخليج على الطاولة، وأنها ستمتلك الكلمة الفصل في مآلات هذه المفاوضات.
ولفت إلى أن إيران أرادت تدمير الخليج عبر ضرب اقتصاده، غير أن الاقتصاد الخليجي صمد والقوات المسلحة الخليجية اثبتت متانتها، في حين انهار الاقتصاد الإيراني وتدمرت قدراته العسكرية.
من جهته قال العزاوي إن دول الخليج باتت مضطرة إلى إعادة هيكلة سياساتها الأمنية بالكامل انطلاقا من مبدأ الدفاع الذاتي والردع المقابل.
جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.. أزمة شرعية وغياب الفعل
وجه الباحثون الثلاثة انتقادات حادة للمؤسسات الإقليمية التي التزمت الصمت حيال العدوان الإيراني على دول الخليج.
وتساءل طه باستغراب عن سبب إحجام منظمة التعاون الإسلامي ذات الـ57 دولة عضوا عن الدعوة إلى قمة طارئة، منبها إلى أن آخر قمة طارئة لجامعة الدول العربية أُفرز فيها الكرسي لقيادات إخوانية جاءت تتحدث باسم الشعوب العربية دون أن يختارها هذه الشعوب.
وأكد العزاوي أن هذه المؤسسات فقدت غايتها وسيست ضد مبدأ تأسيسها، داعيا إلى قيام دفاع عربي مشترك حقيقي وإيصال الملف إلى البند السابع في مجلس الأمن الدولي.
أما أبو صليب فأشار إلى أن دول الخليج لا تحتاج في الواقع إلى هذه المنظمات لأنها باتت تملك الرؤية والأدوات والحكمة الكافية لإدارة المشهد بنفسها، مستدلا بأن امتناعها عن الرد المباشر على العدوان الإيراني لم يكن ضعفا بل كان حكمة استراتيجية جعلت منها طرفا مؤهلا لقيادة المرحلة القادمة وفرض شروطها على إيران المنهكة.
سكاي نيوز
The post واشنطن وطهران على حافة الحسم.. مفاوضات في الظل وميادين مشتعلة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





