اتفاق الهدنة لم يكن يوماً اتفاقاً لسلام نهائي، بل هو إطار موقّت لتنظيم وقف النار وترسيم خطوط تماس لطالما كانت هشّة.
ليس غريباً، مع البدء بالمفاوضات المرتقبة في واشنطن بين سفيري لبنان وإسرائيل، أن يعود منطق اتفاق الهدنة عام 1949 إلى دائرة الضوء.
فكما شكّلت الهدنة آنذاك تسوية ظرفية فرضتها موازين القوى، هل يمكن أن نكون حالياً في إطار “ادارة النزاع” تمهيدا للبدء بحسمه؟
لقد ركّز أكثر من سياسي وديبلوماسي على أن اتفاق الهدنة يجب أن يكون المرجعية لأي تفاوض مستقبلي محتمل مع إسرائيل.
فما أهمية هذا الاتفاق؟ وماذا يتضمن من بنود “تاريخية” يمكن الارتكاز عليها؟
اتفاق سلام؟
77 سنة واتفاق الهدنة لا يزال يشكل مرجعية. لقد أمكن ربط الاتفاق الذي يعود إلى عام 1949 بمفاوضات أو ببدء التواصل المباشر بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، والذي ينطلق اليوم من خلال إبراز فكرة “الأساس التاريخي غير المكتمل” المتمثل في اتفاق الهدنة، والعائد بقوة إلى الواجهة السياسية والقانونية.
اتفاق الهدنة الذي وقعّ بعد حرب فلسطين، لم يكن يوما اتفاقا لسلام نهائي، بل هو إطار موقّت لتنظيم وقف النار وترسيم خطوط تماس لطالما كانت هشّة. هذا الطابع “الانتقالي” للاتفاق جعله مرجعا دائما يستعاد كلما عادت التوترات أو طُرحت تسويات جديدة.
في رأس الناقورة، في 23 آذار 1949، وُقّع الاتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية الأمم المتحدة.
تعود الأستاذة المحاضرة في القانون الدولي جوديت التيني إلى مرتكزات الاتفاق القانونية، وتقول: “لقد سُجلته إسرائيل في الأمم المتحدة في 6 تشرن الأول 1949 تطبيقاً للمادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة التي تلزم الأطراف تسجيل الاتفاقات الدولية ونشرها من الأمانة العامة، وتالياً هي تستتبع إمكان التمسك بالاتفاق أمام أجهزة الأمم المتحدة جميعها، وأهمها الجمعية العمومية ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية”.
بنود الاتفاق
من أبرز ميزاته أنه “دخل حيز التنفيذ”، وفق التيني، “لدى توقيعه من المندوبين المفوضين من الطرفين اللبناني والإسرائيلي، فيما لم يكن في حاجة إلى الإبرام من جانب الحكومتين، وفقاً للمادة 8 الفقرة الأولى”.
ولكن، لمَ يعود إليه عدد من السياسيين، باعتباره المرجعية التي يمكن أن تخدم مصلحة لبنان أو أن نستند إليها في أيّ مفاوضات أو تواصل مباشر؟
تجيب التيني: “استند اتفاق الهدنة إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 62 تاريخ 16 تشرين الثاني 1948 تحت عنوان عريض: “إقامة هدنة في كل أنحاء فلسطين”. وقد تمت دعوة جميع الأطراف التي لها علاقة مباشرة بالنزاع، إلى السعي من طريق المفاوضات المباشرة أو بالوكالة، إلى هدنة فورية”.
كانت تلك الهدنة “تشمل رسم خطوط هدنة دائمة لا يجوز لقوات الأطراف المسلحة المعنية تخطيها، بل القيام بما يلزم من سحب وخفض لقواتها المسلحة، بهدف تأمين الحفاظ على الهدنة الدائمة في أثناء الانتقال إلى السلام الدائم في فلسطين، وفقاً لما جاء في القرار”.
هكذا كان اتفاق الهدنة نوعا من العبور إلى السلام الدائم، ولعل تلك النقطة هي أبرز ما تجعله أكثر محاكاة للواقع اللبناني اليوم أو للنزاع الدائر.
تعلّق التيني: “على الرغم من خروقه المتتالية، لا مانع قانونياً من اعتبار هذا الاتفاق ركيزة قانونية يمكن الانطلاق منها للتفاوض مع إسرائيل في المستقبل، شرط أن يكون التفاوض من جانب الدولة اللبنانية، وتحديداً السلطة التنفيذية، لأنّ الديبلوماسية قانوناً هي في أيدي السلطة التنفيذية”.
مَن يفاوض؟
يبقى السؤال المشروع: مَن يفاوض قانونا باسم الدولة؟
تجيب التيني: “إذا أرادت الدولة اللبنانية عقد اتفاق دولي مع إسرائيل انطلاقاً من مرتبة اتفاق الهدنة، فلا بد من تطبيق المادة 7 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات الدولية عام 1969. وبموجب هذه المادة، يُعطى من يرغب رئيساً الجمهورية والحكومة في تسميتهم للتفاوض، وثائق التفويض للتفاوض باسم الدولة. هذه المادة حددت الأشخاص الذين ليسوا في حاجة إلى الوثيقة، وكل من عداهم يحتاجون إليها للتفاوص باسم الدولة”.
في المحصّلة، هل نكون ضمن حلول موقتة تُرحّل الأزمات بدل معالجتها، وتُبقي النزاع مفتوحاً على جولات مقبلة، أو أننا بالفعل سنبدأ من اليوم مسار السلام الشاق، لكنه السلام الدائم والمستدام؟
المصدر: النهار
The post هل تعيد مفاوضات واشنطن إحياء هدنة 1949؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




