بإعلان إسرائيل توسيع منطقتها الأمنية في عمق الأراضي اللبنانية لتتجاوز نظرياً مساحة 10 كيلومترات مربعة، تكون قد رسمت شريطاً أمنياً يمتد من سوريا إلى جنوب لبنان وبقاعه الغربي، وحوّلت هذه المساحات إلى منطقة عمليات واحدة تحت إشراف عسكري موحّد. والأهم من ناحية التوقيت، أنها أسقطت عملياً الآمال الرسمية اللبنانية بإمكان التوصل قريباً إلى صيغة انسحاب إسرائيلي. بل إن التباين الأميركي ـ الإسرائيلي حول الملف اللبناني لا بدَّ أن ينعكس سلباً على مسار هذا الملف.
وما زاد الأمور تعقيداً أنَّ إعلان توسيع المنطقة الأمنية تزامن مع معلومات تؤكد أن إسرائيل أرسلت تعزيزات عسكرية إلى ما بات يُعرف بـِ “الحزام الدرزي” داخل سوريا؛ أي إلى محيط منطقة جبل الشيخ التي أدرجتها ضمن خريطة المنطقة الأمنية التي رسمتها. وتتردد معلومات بأنَّ هذه التعزيزات تضم قوات مقاتلة من لواء غولاني والفرقة 210، اللذيّن سبق أن عملا في القطاع الغربي من جنوب لبنان خلال الحرب الأخيرة.
وتشير المعطيات الاستخباراتية إلى أنّ إسرائيل تتعامل مع أيّ انخفاض في وتيرة القتال داخل لبنان عبر توسيع نطاق عملياتها في سوريا، بهدف تعزيز حضورها والتقدم باتجاه شريط الحدود البرية بين سوريا ولبنان من جهة البقاع الغربي. ومن هنا يصبح مفهوماً أكثر من أيّ وقتٍ مضى سر اندفاع قوات الإحتلال الإسرائيلي نحو مرتفع علي الطاهر في محيط النبطية، وإصرارها على تطويق مرتفعات الجبور في أعالي الريحان، وصولاً إلى محاصرة بلدة كفرحونة، بما يعنيه ذلك من ربط عمق الجنوب بالبقاع عبر المنطقة التي تسعى إلى بلوغها داخل الأراضي السورية. وعلى هذا الأساس يبرز السؤال: كيف يمكن إقناع إسرائيل بنموذج “المناطق التجريبية” باعتباره حافزاً للانسحاب؟
عمليّاً، وقبل الوصول إلى إعلان المنطقة الأمنية بعمق 10 كيلومترات، كان يدور في الداخل اللبناني تفاوض برعاية وسطاء أمنيين ومدنيين، بين حزب الله والقصر الجمهوري، فيما لم يكن الجيش اللبناني بعيداً من هذا المسار.
وكان محور النقاش يتمثل في أن تمسك السلطة اللبنانية بالخيط الذي انتهى إليه التفاوض الإيراني ـ الأميركي بشأن لبنان، أي البناء على تفاهمات وقف إطلاق النار وتوسيعها، بحيث تتولى الدولة اللبنانية التفاوض على الحلِّ النهائي عبر المسار الأميركي. وهو ما عكس اعترافاً ضمنيّاً بالدور الإيراني، على أن تتولى السلطة التوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل برعاية أميركية حول الملفات العالقة، من الانسحاب الكامل وتحرير الأسرى ووقف الاعتداءات، وصولاً إلى إطلاق ورشة إعادة الإعمار.
ووفق المعطيات، كان الحكم يسعى إلى انتزاع اعتراف من حزب الله بدوره التفاوضي عبر واشنطن. ووفق ما هو متوافر من معلومات، لم يمنح الحزب موافقته أو تغطيته الكاملة لهذا المسار، إلا أنّه، وبدفع من الأدوار الاستثنائية التي لعبها رئيس مجلس النواب نبيه بري، وافق على عدم عرقلته أو غض النظر عنه، انطلاقاً من مبدأ أنَّ نجاح الدولة في هذا المسار يُعد نجاحاً للجميع.
إلا أنَّ ذلك لم ينجح في معالجة أزمة انعدام الثقة بين الضاحية وبعبدا، لا سيّما بعد ما جرى قبيل الجولة الأخيرة من الاجتماعات التفاوضية المباشرة في واشنطن، حين أبلغ الحزب الوسطاء استعداده للموافقة على وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أيام بوساطة رعاة محليين، ليشكل دافعاً للسطلة لإنتزاع هدنة برعاية أميركية. غير أن الأمور انقلبت رأساً على عقب بعد أن طرحت السلطة في واشنطن، ومن خارج أيّ تفاهمات داخلية، فكرة الذهاب إلى ما سُمّي بـِ “المناطق التجريبية”، قبل أن تتجه إلى صياغة إعلان نيّات مع إسرائيل، اعتُبر مفتقراً إلى الحد الأدنى من السيادة، الأمر الذي تولى الرئيس بري وقيادة الحزب إسقاطه شعبياً وسياسياً.
في الواقع، لم تؤدِّ نتائج الاتفاق الأميركي ـ الإيراني إلى ردم الهوَّة بين فريقي بعبدا والضاحية، لكنّها ساهمت في إعادة هندسة بعض الخطوط، خاصةً بعد الاعتراف اللبناني بالدور الإيراني. وخلال مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق الأيراني – الأميركي، شهد التفاوض الداخلي بين الضاحية وبعبدا زخماً ملحوظاً، تمثّل بمحاولات بعبدا إقناع حزب الله، ليس فقط بالموافقة على إقامة مناطق تجريبية داخل المنطقة المحتلة، بل أيضاً بالقبول بمبدأ الانسحاب المتبادل مع الإسرائيليين.
ويقضي هذا الطرح بأن تبدأ إسرائيل بالانسحاب من مناطق يحددها الجيش اللبناني بالتعاون مع الأميركيين داخل المنطقة المحتلة وتسمى “مناطق تجريبية”، على أن يقابله انسحاب متزامن من جانب الحزب، بإشراف لجنة المراقبة الدولية (الميكانيزم)، وليس قوات اليونيفيل التي بات وجودها على الأرض اللبنانية محدود التأثير.
وبطبيعة الحال، فإن الحزب الذي يؤكد باستمرار أنَّ تطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 يبقى الخيار الأقل كلفة، أبلغ المعنيين أنّه لا يمانع العودة إلى بنوده والبدء بانسحاب من جنوب الليطاني، شرط أن تقوم إسرائيل بالمثل. وفي هذا الإطار طُرحت نظرية “المناطق التجريبية”، لكن وفق تصور رئيس مجلس النواب نبيه بري، أي على أساس القطاعات لا الأقضية. وبموجب هذا التصور تُرسم ثلاث مناطق: واحدة في القطاع الغربي، وثانية في القطاع الأوسط، وثالثة في القطاع الشرقي، على أن يبدأ الانسحاب المتبادل والتدريجي من القطاع الغربي أولاً، يتبعه انتشار الجيش اللبناني ثم يبدأ عمله تحت رقابة آلية المراقبة الدولية.
وفيما كان لبنان منهمكاً في إعداد جدول أعماله الذي يتضمَّن تصوّره لهذه المناطق تمهيداً لعرضه خلال الاجتماع التفاوضي المرتقب في واشنطن في 23 الجاري، خرجت إسرائيل معلنة حدود منطقتها الأمنية الجديدة، والتي تضمُّ مناطق إضافية بعضها يقع في محيط مدينة النبطية. ثم استتبعت ذلك بزيادة وتيرة عملياتها العسكرية في محيط تلة علي الطاهر ومحيط كفرتبنيت ـ أرنون، ما أكد استمرار سعيها إلى إحكام السيطرة على مثلث علي الطاهر ـ كفرتبنيت ـ النبطية الفوقا.
وفي ضوء ذلك، ساد التقدير اللبناني بأنَّ إسرائيل تعمّدت إعلان حدود المنطقة الأمنية الجديدة بهدف فرضها كورقة تفاوضية، وزيادة الضغط ليس فقط على الدولة اللبنانية، بل أيضاً على الولايات المتحدة الأميركية.
في المقابل، لم يمنح حزب الله موافقته على مقاربة “المنطقة النموذجية”، كما ظهر بوضوح من موقف أمينه العام الشيخ نعيم قاسم أمس الأول، لكنَّه أسس لمعادلة مختلفة تقوم على التعامل دواقعية. ومن وحي الترتيبات الأمنية المطروحة، طرح الحزب مقاربته التي تقوم على معادلة “الأمن مقابل الأمن”، أي أمن المستعمرات مقابل أمن الجنوب، وهي مقاربة يسعى إلى تكريسها استناداً إلى نتائج الحرب الأخيرة.
وفي الوقت نفسه، رسم الحزب خطاً أحمر أبلغ به السلطة اللبنانية بكل وضوح، مفاده أنَّه لن يقبل ببقاء القوات الإسرائيلية على الأراضي الجنوبية، وأنّه سيتعامل مع أيّ وجود دائم لها داخل ما تسميه إسرائيل “المنطقة الأمنية” بوصفه حقاً مشروعاً في مواجهة الاحتلال. ولتأكيد المؤكد قام بضمَّه إلى بيانات إعلامه الحربي. ووفق ما يُفهم من هذه المقاربة، فإنَّ الاشتباك المقبل على الحدوث حين ترفض إسرائيل فكرة الإنسحاب، سيبقى محصوراً ضمن حدود المنطقة المحتلة فيما سيؤدي أيُّ توسع في الاعتداءات خارج هذا الإطار إلى إعادة إحياء معادلة “المستعمرات الشمالية مقابل الضاحية الجنوبية”.
عبد الله قمح – المدن
The post "نقاش أمني" بين الضاحية وبعبدا… ماذا في التفاصيل؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







