حين يقرّر "الشباب" دخول اللعبة السياسية

التاريخ: 15 أيار 2026
حين يقرّر "الشباب" دخول اللعبة السياسية

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

في وقت كان المجلس النيابي يمدّد لنفسه لسنتين إضافيتين وسط انتقادات واسعة، كان عشرات آلاف الشباب اللبنانيين يخوضون تجربة موازية عنوانها: كيف يمكن بناء سياسة مختلفة؟

ففي بلد اعتاد شبابه الوقوف خارج أبواب السلطة، بين الاحتجاج والمقاطعة والغضب، برزت في الفترة الأخيرة تجربة مختلفة تستحق التوقّف عندها. تجربة حاولت أن تنقل الشباب اللبناني من موقع الاعتراض على السياسة إلى موقع المشاركة في صناعتها، ولو ضمن نموذج تدريبي ومحاكاة.

هنا تحديداً برزت أهمية مشروع “YMP II” أو “البرلمان الشبابي”، الذي لم يكتفِ بتنظيم ندوات أو لقاءات شبابية تقليدية، بل ذهب أبعد من ذلك نحو محاكاة واقعية للعمل البرلماني بكل تفاصيله. من الانتخابات والمناظرات، إلى اللجان وصياغة القوانين والتصويت عليها، بدا المشروع كأنه محاولة جدّية لإعادة تعريف علاقة الشباب بالحياة العامة في لبنان.

فالواقع اللبناني اليوم لا يعاني فقط أزمة اقتصادية أو مالية، بل أزمة ثقة عميقة بين الناس والدولة، وبين الجيل الجديد والسياسة تحديداً. جيلٌ نشأ على مشاهد الانهيار، والهجرة، والفساد، والمحاصصة، وفقدان الأمل. لذلك، لم يعد مستغرباً أن يشعر كثير من الشباب بأن السياسة في لبنان ليست مساحة للتغيير، بل منظومة مغلقة لا مكان فيها للكفاءة أو المبادرة.

لكن ما ميّز هذه التجربة أنها لم تكتفِ بتشخيص المشكلة، بل حاولت تقديم نموذج عملي مختلف. أكثر من 400 شاب وشابة من مختلف المناطق اللبنانية خضعوا لتدريبات متخصصة تناولت المواطنة، والتعددية، والأنظمة الانتخابية، والحوكمة، وإدارة الحملات الانتخابية، والتواصل السياسي. أي أنّ المشروع انطلق من فكرة أساسية: لا يمكن إنتاج طبقة سياسية جديدة من دون إعداد جيل جديد يمتلك أدوات العمل العام وثقافته.

واللافت أنّ المشروع نجح في تنفيذ انتخابات إلكترونية فعلية عبر مراكز اقتراع موزّعة بالتعاون مع مؤسسات مدنية وأكاديمية، في وقت لا يزال لبنان الرسمي يتخبّط في نقاشات “الميغاسنتر” والبطاقة الممغنطة وتحديث النظام الانتخابي. هنا تحديداً تكمن المفارقة المؤلمة: ففي حين تبدو الدولة عاجزة عن تطوير آلياتها الديمقراطية، نجحت مبادرة شبابية في تقديم نموذج انتخابي حديث وعملي شارك فيه عشرات آلاف الناخبين.

أما النقطة الأكثر أهمية، فكانت في ثقافة المناظرات السياسية التي رافقت الانتخابات. ففي لبنان، غالباً ما يُنتخب المرشح على أساس الانتماء الطائفي أو الولاء السياسي أو العصبية الحزبية، لا على أساس البرنامج والرؤية. لذلك، شكّل تنظيم مناظرات علنية بين المرشحين الشباب، بُثّت مباشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خطوة متقدمة باتجاه ترسيخ ثقافة سياسية مختلفة، تقوم على النقاش العلني ومحاسبة الأفكار لا الأشخاص فقط.

لكن قيمة التجربة لم تتوقف عند الانتخابات. فبعد انتخاب “النواب الشباب”، انتقل المشاركون إلى مرحلة العمل التشريعي داخل نموذج برلماني مصغّر، حيث خضعوا لتدريبات داخل مجلس النواب اللبناني حول آليات التشريع وصياغة القوانين، قبل أن يناقشوا اقتراحات قوانين في جلسات تحاكي البرلمان الحقيقي. وهكذا، أصبح بالإمكان رؤية شباب وشابات يدخلون أروقة البرلمان لا كزوّار أو محتجين، بل كمتدرّبين على صناعة القرار وفهم آليات الدولة.

صحيح أنّ مشروعاً كهذا لن يغيّر النظام اللبناني بين ليلة وضحاها. لكن أهميته الحقيقية تكمن في كونه يزرع بذوراً مختلفة داخل جيل كامل. وفي بلدٍ يعيش أزمة ثقة غير مسبوقة، ربما تحتاج السياسة اللبنانية فعلاً إلى هذا النوع من المبادرات. لأن إعادة بناء الدولة لا تبدأ فقط بالقوانين والإصلاحات الكبرى، بل أيضاً بإعادة بناء العلاقة بين الشباب والسياسة. وبين جيلٍ يرفض أن يبقى متفرّجاً… ووطن يحتاج بشدة إلى من يقرّر أن يشارك في إنقاذه.

The post حين يقرّر "الشباب" دخول اللعبة السياسية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية