“منذ أن استفقت على هذه الدنيا هناك حروب وتهجير، بيتي تهدّم مرتين وأعدت بناءه، واليوم تهدّم مجددًا. وكرمال مين؟ كرمال إيران؟ لو كانت الحرب هدفها لبنانيًا ودفاعها لبنانيًا لما فتحت فمي. نحن نريد أن ننتهي، سلام أو هدنة أو تسليم سلاح، لا يهم، المهم أن ننتهي. دعوا أولادي يعيشون يومين بسلام”.
هذه شهادة أحمد من قرية شقرا في جنوب لبنان. وهي تضع النقاش مباشرة في مكانه الفعلي، المتعلق بالكلفة التي يدفعها أهالي الجنوب. وهي ليست كلفة سياسية أو خطابية، بل كلفة يومية ملموسة تظهر في الأثر الذي تتركه على الناس، وقدرتهم على الإستمرار.
بالنسبة إلى آية من قرية النجارية، النقد يطال القرار وطريقة إدارته معًا، تقول: “عندما تريد فتح حرب يجب أن تكون قد حضّرت البيئة. منذ خمسة عشر شهرًا لم يفعل “حزب الله” شيئاً، وبعدما اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أطلق ستة صواريخ من دون إنذار لأهالي الجنوب، فعلقوا على الطرقات. إسناد غزة تمّ من دون تحضير، ونتائجه أثّرت علينا نفسيًا كثيرًا. لدي ابنتان، ولا أريد أن تنشآ في الحروب. قد أعود وأصوّت لهم إذا لم يكن هناك بديل، لكن لم يكن يجب فتح هذه الحروب، إنّما اليوم يجب الاستمرار بها. في اليوم التالي، إذا بقي الاحتلال فتشريع المقاومة واجب، وإذا كانت الدولة اللبنانية ستُحرّر وثمن التحرير سلاح حزب الله ووقف الحروب، فلا بأس، لكنني ضد ما يروج له من اتفاقات سلام بل مع هدنة”.
هذه المداخلات تكشف الاعتراض على فتح الجبهة، ونقداً لإدارتها، وإقراراً بعدم وجود بديل فعلي. الاحتضان لم يسقط، لكنه بات مشروطا، ويتقدّم ويتراجع بحسب الأداء.
محمد نازح من قرية المروانية، لديه منطق مختلف، يعتبر أن “الإذلال الذي شعرنا به من الإسرائيلي كان يحتاج إلى رد، وبصفتي ابن الجنوب لا أقبل بهذا الإذلال. انتقدت حزب الله في معركة إسناد غزة، لكن ليس في هذه. في اليوم التالي، إذا انتشر الجيش في الجنوب بعد الإنسحاب، يمكن الحديث عن تسليم السلاح مع ضمانات”.
حسن من الخيام، مستمر بالخطاب التقليدي: “أعتبر أن هذه المعركة معركة وجود، وهي لردّ الاعتبار، وقد أثبت مقاتلو حزب الله أنهم جاهزون، وسيغيرون المعادلات ويقلبون الطاولة على الجميع”.
من الغازية، يعتبر عباس أن “حرب إسناد غزة كانت خاطئة، ولو لم نخضها لما هوجمنا، هذه الحرب ولو أتت بطلب إيراني، فهي شكلت فرصة لحزب الله للدخول فيها لإعادة الإعتبار بعد ما أصابه جراء حرب الإسناد، ولمحاولة اعادة بناء ردع معين، الا إن حصل اتفاق إيراني- أميركي لا يشمل لبنان، تكون إيران قد باعت الحزب ووقعنا في الفخ”.
“إذا كان ثمن تحرير الأرض نزع سلاح الحزب مع ضمانات، فأنا لا أعارض هذه التسوية، ولكني لا أقبل باتفاق سلام”.
هذه الشهادات مجتمعة تظهر تغيراً في البيئة، لكنها لا تعني انهيارها. الفارق أن الاحتضان بات نتيجة للحرب وليس سابقًا لها. أي أنه مرتبط بالأداء، وبقدرة الحزب على إدارة الكلفة. الإنتماء أو القناعة المسبقة لم يعواد كافيين.
ميدانيًا، أظهرت الحرب أن الجنوب لم يعد مساحة مغلقة. النزوح لم يقتصر على القرى الشيعية، بل شمل بلدات سنية أيضًا. هذا خلق تضامنًا اجتماعيًا، ما انعكس على استقبال النازحين في البلدات السنية بشكل كبير، لكنه في الوقت نفسه أخرج الحرب من إطار “بيئة واحدة” الى حد ما، ووسّع نطاق النقاش حولها.
في المقابل، لا يمكن فصل ذلك عن سلوك إسرائيل. استمرار الضربات وخرق ترتيبات وقف الأعمال العدائية سابقاً، أبقى المسار العسكري هو المسار الوحيد المتاح فعلياً. في ظل هذا الواقع، البيئة الحاضنة لا زالت حاضنة الى حد بعيد اقتناعًا أو لغياب البديل.
في هذا السياق، يقدّم الدكتور طلال عتريسي قراءة مختلفة، فيقول لـ”المدن”: “علينا التمييز بين الانطباعات والتحليل. أنا أقرّ بوجود اعتراضات داخل البيئة، لكن الجزء الأكبر لا يزال متمسكا وبمعنويات مرتفعة، خصوصًا مع استمرار القتال وقدرة الحزب على الصمود، وبسبب فشل المساعي الدبلوماسية لفترة خمسة عشر شهرا. ما يعني أن المزاج العام مرتبط مباشرة بالأداء الميداني، في غياب قدرة الدولة على القيام بأي خرق”. يضيف عتريسي: ” الكثير من المحللين والمواطنين القريبين من الحزب شككوا على وسائل التواصل الاجتماعي بقدرات الحزب على خوض الحرب، وانتقدوه على الدخول فيها، لكن سرعان ما تبدد هذا الموقف وأعادوا تموضعهم.”
الأهم في هذه المقاربة بالنسبة لعتريسي ربطها بنهاية الحرب، فيقول: “إذا انتهت بانسحاب إسرائيلي وانتشار الجيش في الجنوب، ما يعطي انتصاراً للحزب وبيئته، عندها يعاد تعريف وظيفة السلاح، من دور هجومي إلى دور دفاعي، ويفتح نقاشًا مختلفًا حول مستقبله.”
ولكن ماذا إذا عدنا إلى ما قبل التحرير الذي تم عام 2000، خصوصاًة أن ما قبل هذا التاريخ، كان السكان في قراهم، واليوم القرى فارغة وتم تهجيرها بالكامل؟ حينها يصطدم هذا التحليل بمعطيات مغايرة، ومن دون إغفال الفجوة بين المجهود العسكري والوضع الاجتماعي. فالشهادات تشير إلى أن الدعم للناس محدود، وأن الكلفة تقع بشكل أساسي على الدولة اللبنانية، وعلى البيئة نفسها. هذا يضعف معادلة كانت قائمة سابقًا بين الحماية والرعاية.
إلى جانب ذلك، يبقى العامل الإقليمي حاضرًا. لبنان بات جزءاً من ساحة أوسع. وهذا ينعكس مباشرة على نظرة الناس للحرب ودوافعها.
في المقابل، يبقى عامل الخوف عنصرًا حاسمًا. حين تُقدَّم الحرب كـ”معركة تهجير”، يتحول النقاش من السياسة إلى الوجود. هنا يصبح الاعتراض ممكنًا والإنفصال أصعب.
الخلاصة ليست أن البيئة الحاضنة سقطت، بل أنها لم تعد كما كانت. هي اليوم بيئة تحت الضغط، تتأرجح بين الاعتراض والالتزام، بين الكلفة والخوف، وبين غياب البديل واستمرار الواقع. الاحتضان موجود، لكنه لم يعد ثابتًا. هو مرتبط بمسار الحرب، وبما ستنتهي إليه، أكثر مما هو مرتبط بقناعة مسبقة.
بمعنى مباشر: البيئة لم تنفضّ، لكنها لم تعد صامتة.
إبراهيم الرز – المدن
The post بيئة حزب الله ملتزمة به ضمن شروط.. واحتضانُه رهن نتائج الحرب؟! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




