المسار العسكريّ هو المدخل للترتيبات السياسية

التاريخ: 01 حزيران 2026
المسار العسكريّ هو المدخل للترتيبات السياسية

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

إندفعت الأرتال العسكرية للجيش الإسرائيلي في عمق الجنوب اللبناني وفق وتيرة سريعة توحي وكأنّها في سباق مع الوقت. وفي الوقت الذي أعلنت سيطرتها على قلعة الشقيف الإستراتيجية، اجتازت قواتها نهر الليطاني، وعملت على تركيز عملياتها وقصفها في اتجاه النبطية، والخط الممتد بين علي الطاهر وجبل الريحان. وهذه المنطقة التي تُعتبر خط الدفاع الثالث والأخير لـ»حزب الله»، يتركّز فيها الثقل العسكري للحزب لجهة القدرات الصاروخية والأسلحة النوعية، في وقت غابت الصواريخ الباليستية عن سماء المعركة.

يجهد نتنياهو في سعيه الى تحقيق أكبر مقدار من المكاسب الميدانية في أسرع وقت ممكن. فهو يراقب بقلق التطورات التفاوضية بين واشنطن وطهران، ويعمل في سباق مع الوقت لتحقيق وقائع ميدانية لمصلحة إسرائيل، وتشكّل في الوقت عينه أوراق ضغط على السلطة اللبنانية، ترغمها على القبول بتعاون عسكري في مرحلة لاحقة. ولأنّ الظروف الميدانية التي يعمل نتنياهو على تكوينها لم تكتمل بعد، جهد لتأجيل المفاوضات العسكرية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لبعض الوقت. وإزاء إصرار واشنطن حضر الوفد العسكري الإسرائيلي ولكنه انتهج سلوكاً سلبياً طوال 9 ساعات، ما جعل نتيجة اللقاء التفاوضي العسكري الأول سلبياً، لا بل متوتراً في بعض مراحله. وهو ما يعني أنّ المرحلة الحالية بالنسبة إلى نتنياهو هي للميدان، وأنّ زمن المفاوضات لم يحن بعد، في انتظار المتغيّرات الميدانية التي يريد تحقيقها. فهو تذرّع أمام الإدارة الأميركية بوجوب توسيع دائرة القصف والإستهداف والتهجير وصولاً إلى بيروت مجدداً، بغية خلق واقع ضاغط على السلطة اللبنانية، وعندها يحين موعد المفاوضات العسكرية، حيث يمكن وقتها إلزام السلطة اللبنانية باتخاذ الخطوات العملانية المطلوبة. ووفق ما نقلته أوساط ديبلوماسية، فإنّ نتنياهو اعتبر أنّ السلطة اللبنانية لا تأخذ القرارات المطلوبة منها إلّا تحت الضغط، وهو ما حصل سابقاً أكثر من مرّة.

وعلى الجبهة الإيرانية، تبدو الظروف وكأنّها تعمل لمصلحة رئيس الحكومة الإسرائيلية. فالمفاوضات لم تصل بعد إلى خط النهاية، وهي عالقة في بعض التفاصيل، في وقت يضيق الهامش أمام إيران بسبب الحصار الذي يخنق التصريف النفطي الإيراني. فأماكن تخزين النفط تكاد تمتلئ، وهو ما قد يرغم إيران على إقفال منابع النفط، ما سيتطلّب لاحقاً وقتاً طويلاً لإعادة فتحها وجعلها صالحة للضخ.

في هذا الوقت، وعلى رغم من التقلّبات في مواقفه السياسية، إلّا أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما عاد يستخدم لغة التهديد بالخيار العسكري الصريح. ولذلك أصبحت تهديداته تميل إلى مفردات أقل فجاجة كمثل «العودة لاستكمال المهمّة». وهذا التبدّل يخفي في طياته تقدّماً حقيقياً إزاء نقاط التفاوض، ولو أنّه لم يكتمل. كما أنّه يؤشر إلى عدم وجود رغبة جدّية لدى طهران للعودة إلى الحرب، ولو أنّ المفاوض الإيراني المشهود له ببراعته التفاوضية، يريد تحسين شروطه على رغم من الظروف الصعبة التي يمرّ فيها. وكان لافتاً أن تتضمن كلمة مرشد الثورة مجتبى خامنئي التنبيه من إنقسامات قد تظهر في مرحلة ما بعد الحرب. فعدا عن أنّه بات يتحدث عن مرحلة «ما بعد الحرب»، فهو يفصح عن وجود انقسامات قد تظهر بنحو أوضح وربما أخطر في مرحلة السلم. وكانت وسائل إعلام أميركية قد نقلت عن مسؤولين أميركيين كبار، وجود إنقسامات داخل الحلقة القيادية، بين فريق يرى أنّ وقف القتال هو أشبه بالخيانة وفريق آخر يدعو إلى وقف المسار الحربي الإنتحاري الذي يهدّد النظام الديني القائم، وهو ما يصعّب إنجاز كافة بنود التسوية.

وصحيح أنّ الحرب الحاصلة جعلت فئات المجتمع الإيراني تضع خلافاتها جانباً، وهو ما منح السلطة القائمة «معمودية» تعزز شرعيتها، إلّا أنّ الأسئلة تتلاحق حول تحدّيات مرحلة ما بعد الحرب، أي بعد أن يبرد الجرح، وحيث تعود الأولوية للتحدّيات الإقتصادية والإجتماعية والحياتية. وثمة مؤشرات تدلّ بوضوح إلى هذه التحدّيات التي تنتظر السلطة في المرحلة اللاحقة. فالشهران الماضيان شهدا إعدام 33 شخصاً على كل المساحة الإيرانية، على خلفية الإحتجاجات الدامية التي كانت شهدتها البلاد، وحيث تمّ إعتقال نحو 6500 شخص بتهم الخيانة والتجسس. وإعدام 33 شخصاً في مدة شهرين فقط هي نسبة عالية تُسجّل للمرّة الأولى منذ إعدامات ثمانينات القرن الماضي مع انطلاق الثورة الإسلامية. واللافت أنّ محافظة طهران سجّلت أعلى نسبة إعدامات مع 15 حالة، وتلتها محافظة أذربيجان الغربية مع 5 إعدامات، وحيث يشكّل الأكراد نصف سكانها.

لكن السؤال الأهم يبقى حول أي إيران سنشهد بعد انتهاء الحرب، وبالتالي أي مشهد سيرسو عليه الشرق الأوسط؟ من هنا، هنالك من يتوقع فصل تجزئة التسوية مع إيران إلى قسمين: الأول ويتمحور حول تمديد وقف إطلاق النار، وبالتالي الهدنة القائمة، وإنجاز ترتيبات تفتح جزئياً ووفق شروط معينة شرايين الحياة، ويشكّل مساحة ملائمة لاستكمال المفاوضات حول ترتيبات أوسع. أما القسم الثاني فيحمل طابع التسوية النهائية، ويحمل تفاهمات عميقة حول الدور المقبل لطهران في المنطقة.

فخلال العقود الأربعة الماضية، لعبت الظروف الدولية لمصلحة قيام الدولة الدينية في إيران. بداية في إطار الإستراتيجية الأميركية، بتطويق الإتحاد السوفياتي بالأنظمة الدينية المتشدّدة بهدف إسقاطه من الداخل. لذلك نجحت الثورة الدينية الشيعية في الإمساك بمفاصل السلطة في إيران إلى جانب نمو التيار السنّي المتطرّف في أفغانستان، في موازاة صعود التيار المسيحي المتشدّد في بولونيا في زمن البابا يوحنا بولس الثاني. وبعد سقوط الإتحاد السوفياتي ونجاح تنظيم «القاعدة» في توجيه ضربة هائلة في 11 أيلول في قلب نيويورك، جنحت واشنطن للإستفادة من الدولة الشيعية في إيران في سياق التوازن ومواجهة التنظيمات والقوى السنّية المتطرّفة. لكن التمدّد الشيعي، والذي رعته طهران، بات يهدّد فعلياً التوازنات الدقيقة والحساسة في الشرق الأوسط وعلى مستوى النزاع العالمي الجديد، وضرب في قلب إسرائيل. واستطراداً، بدت الإستراتيجية الأميركية الجديدة ترتكز على ضرورة إزالة الدين كوسيلة للنزاع لتأمين المصالح بين الدول. وهنا يأتي دور «إستراتيجية الأذرع» التي نجحت طهران في رعايتها وترسيخها في الشرق الأوسط، والتي شكّل «حزب الله» في لبنان مدماكها الأساسي لا بل القيادي. ومن هذه الزاوية، لا بدّ من قراءة خلفيات التسوية الشاملة والنهائية التي تعدّها واشنطن مع طهران، والتي تحمل السؤال الأهم: أي إيران لمرحلة ما بعد الحرب، وأي دور ستلعبه؟

وانطلاقاً مما سبق، فإنّه بات أكثر وضوحاً الرعاية الأميركية المباشرة للحرب الإسرائيلية على «حزب الله». وإذا كانت الحرب السابقة، أي حرب 2024، هدفت إلى ضرب الوظيفة الإقليمية لـ«حزب الله» في إطار قيادة «محور المقاومة»، فإنّ الحرب الحالية تهدف لتفكيك كل التركيبة القتالية للحزب منعاً لإعادة بنائها لاحقاً، وبالتالي إعادة إحياء إيران لامتدادها الإقليمي. واستطراداً، فإنّ الغطاء الأميركي لإسرائيل يبدو مؤمّناً لإنجاز ما يمكن إنجازه جنوباً، على أن تتولى السلطة اللبنانية إنجاز بقية المهمّة في المرحلة اللاحقة. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير الإصرار الأميركي على إحداث مفاوضات عسكرية لبنانية ـ أميركية ـ إسرائيلية في موازاة المفاوضات الديبلوماسية. ولا جدال في أنّ المسار العسكري هو أكثر أهمية لواشنطن من المسار الديبلوماسي. وعلى رغم من ذلك، يبقى هنالك تمايز في بعض الحسابات الجانبية بين واشنطن وتل أبيب. فالأخيرة تريد الذهاب في اتجاه ترسيخ واقع جغرافي وديمغرافي جديد في الجنوب في إطار الرؤيا الإستراتيجية لليمين الإسرائيلي، فيما واشنطن تحاذر الإستعجال وحرق الوقت، وتنظر إلى الأمور من زاوية أوسع.

من هنا جهدت إسرائيل لتأجيل الإجتماع الأول للمسار التفاوضي العسكري مع لبنان. فنتنياهو يخوض سباق الوقت لإحداث التغييرات الديمغرافية والتي كان باشر بها في غزة مع الفلسطينيين. وخلال الإجتماع الذي سادته الأجواء السلبية والمشحونة في بعض الأحيان، تبين بوضوح للجانب اللبناني، أنّ الوفد الإسرائيلي انتهج سلوكاً سلبياً وغير متعاون، ما دفع لاستنتاج واضح، بأنّ الوفد الإسرائيلي حضر مرغماً وتحت الضغط الأميركي. فنتنياهو يسعى لمزيد من الوقت لإتمام عملياته الحربية قبل الشروع في السياق التفاوضي العسكري. وفي البيان الختامي، والذي صدر عن الجانب الأميركي وحده دون سواه، تمّت الإشارة إلى أنّ المفاوضات كانت بنّاءة، أي أنّها لم تفشل، وهو التعبير الذي أرادته واشنطن للتمهيد لجولة ثانية قريباً. فالواضح أنّ البيان الأميركي أراد الإشارة إلى بداية مسار وليس مجرد لقاء تقني وعسكري يتيم. فهو عندما استخدم مصطلح «إطلاق مسار جديد» إنما كان يود التأكيد على إنشاء قناة اتصال عسكرية دائمة وتحت رعايتها. فالمسار العسكري هو الأهم، وهو سيشكّل المدخل لترتيبات سياسية أوسع لاحقاً.

في المقابل، فإنّ لبنان بدا وكأنّه يعوّل على التفهم الأميركي لمطالبه. رغم ذلك، فهو حين اقترح خلال جلسة التفاوض الديبلوماسية في وزارة الخارجية الأميركية، بالإكتفاء بالمسار الديبلوماسي عبر تطعيم الوفد بضباط إلى جانب الملحق العسكري اللبناني، ما سيمنح الوفد التفاوضي اللبناني قوة إضافية ويخفف عنه الإنتقادات الداخلية، كان الجانب الأميركي مصراً على فصل المسارين.

وفي البداية ساد اعتقاد لبناني بأنّ السفيرة اللبنانية في واشنطن ستنضمّ إلى الوفد العسكري اللبناني، ومع احتمال انضمام السفير سيمون كرم أيضاً. لكن النتيجة رست لاحقاً على وفد عسكري صرف، وفق الرغبة التي تمسّكت بها واشنطن. وخلال جلسة التفاوض، بدا الوفد العسكري الإسرائيلي سلبياً إلى أقصى الحدود، ورفض البحث في أي وقف جدّي لإطلاق النار، وركّز بشكل أساسي على أولوية نزع سلاح «حزب الله»، مع انتقادات حول تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الجيش جنوب خط الليطاني. وعلى عكس المرونة «ظاهرياً» في جلسة المفاوضات الديبلوماسية، كان واضحاً أنّ الفريق العسكري الإسرائيلي لا يريد التعاون ولن يريد أن يقدّم شيئاً، ولذلك كان يسعى للتهرّب ورمي الملفات على الجولة التفاوضية الديبلوماسية المقبلة، والسبب أنّه يريد كسب مزيد من الوقت، وهو الذي حضر بسبب الضغط الأميركي. وهو ما يعني أنّ البركان الحاصل في الجنوب سيشتعل أكثر في الأيام وربما الأسابيع المقبلة.

في المقابل، فإنّ لبنان يعوّل على المساندة الأميركية والسعودية وحتى المصرية، والذي يستعين بهم ويضعهم في تفاصيل ما يحصل.

لكن الهدف الكبير يقضي بتفكيك كل «أذرع إيران» في المنطقة إنفاذاً للمشروع الكبير الجديد، وهو ما بدأ يحصل في العراق وسط معارضة الفصائل الشيعية الموالية لإيران. لكن «حزب الله» بنجوميته والقدرات المهمّة التي أظهرها طوال المراحل الماضية، يبقى الجهة الأبرز في هذا السياق.

جوني منيّر – الجمهورية

The post المسار العسكريّ هو المدخل للترتيبات السياسية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية