بصرف النظر عن موعد المفاوضات اللبنانيّة – الإسرائيليّة، أو عمّا إذا كانت ستبدأ قريبًا أم لا، ثمّة سؤالٌ أكثر إلحاحًا من كلّ ما عداه: ماذا أعدّ لبنان لهذه اللحظة، إذا جاءت فعلًا؟
في النزاعات المفتوحة، لا يبدأ التفاوض يوم يجلس الوفدان في غرفةٍ واحدة، بل يوم تحسم الدولة، مسبقًا، ثلاثة أمور: ماذا تريد، وبأيّ أوراق ستفاوض، ومن يملك حقّ الالتزام بما قد يُتَّفق عليه. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو المعضلة اللبنانيّة أعمق بكثير من مسألة الموعد أو المكان. فلبنان، حتّى الآن، لا يزال في طور التحضير لفكرة التفاوض، أكثر ممّا هو في طور التفاوض نفسه.
المبادرة الرئاسيّة لتشكيل وفدٍ مفاوض تسير، ولو ببطءٍ وإرباك. لكنّ هذا المسار، بدل أن يبدّد الغموض، كشف جانبًا من المأزق اللبنانيّ. فالدولة بدت كأنّها تتحرّك في ملفّ لم تُحسَم بعدُ قواعده السياسيّة، لا في الداخل ولا في الخارج. الإسرائيليّون لا يزالون غير واضحين بالكامل، والأميركيّون لم يقدّموا ما يكفي من المؤشّرات التي تسمح بالقول إنّ مسارًا تفاوضيًّا ناضجًا وُلِد فعلًا. وصحيح أنّ تقارير دوليّة تحدّثت، خلال الأيام الماضية، عن توقّعات ببدء محادثات بين لبنان وإسرائيل، وصحيح أيضًا أنّ بيروت تعمل على تشكيل وفدٍ تفاوضيّ، لكنّ المعطى الحاسم يبقى أنّ توقيت هذه المحادثات وشروطها لم يُحسما بعد. وإسرائيل، في المقابل، لا تزال تربط أيّ حوار بوقف النار من الجانب اللبنانيّ وبملفّ “حزب الله”، وتتعامل مع فكرة التفاوض من موقع التفوّق الميدانيّ، لا من موقع التسوية المتوازنة.
فكيف يُحضِّر لبنان نفسه للتفاوض؟
التحضير السياسيّ
من هذا الباب تكتسب إشكاليّة تمثيل الطائفة الشيعيّة داخل الوفد معناها السياسيّ الحقيقيّ. فالتعقيد الذي برز حول الاسم الشيعيّ في تركيبة الوفد لم يكن تفصيلًا في بازار التعيينات، بل كشف، في العمق، أنّ التحضير اللبنانيّ لم يتقدّم بعدُ إلى مستوى الدولة المرجع. ذلك أنّ التفاوض، في مثل هذا الملفّ، لا يحتاج فقط إلى وجوهٍ تمثيليّة، بل إلى يقينٍ سياسيّ لدى الطرف الآخر بأنّ من يجلس قبالته لا يحمل كلامًا قابلًا للنقض عند العودة إلى بيروت.
ولعلّ هذا ما جعل النقاش حول التمثيل الشيعيّ يتجاوز الإطار الميثاقيّ أو التوازنيّ الضيّق، ليلامس لبّ المسألة: مسألة الضمانة. فحين تُطالَب الدولة، صراحةً أو ضمنًا، بحضور طرفٍ شيعيّ في الوفد كي يكتسب التفاوض صدقيّةً تنفيذيّة، لا يعود الأمر مجرّد حرصٍ على التنوّع، بل يصبح تعبيرًا فاقعًا عن الشكّ الخارجيّ في كفاية الدولة وحدها. بمعنى آخر، أوّل عناصر التحضير ليس تعيين الوفد، بل إنتاج مرجعيّة سياسيّة واحدة له.
المعطيات الميدانيّة الراهنة لا تصبّ لمصلحة لبنان. فإسرائيل تلوّح بتوسيع عمليّاتها، والقوى الغربيّة حذّرت علنًا من هجومٍ برّيّ كبير لما قد يسبّبه من تداعيات إنسانيّة واستراتيجيّة، ما يعني أنّ خيار التصعيد الواسع لا يزال مطروحًا أصلًا، ولو أنّ كلفته تقلق حلفاء إسرائيل أيضًا. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل ربط أيّ تفاوض بملفّ نزع سلاح “حزب الله”، فيما تقول إنّ الحوار لا يمكن أن يسير “والصواريخ ما زالت تُطلَق”.
التحضيرات اللازمة
هذا هو المدخل الذي ينطلق منه الخبير العسكريّ والإستراتيجيّ العميد حسن جوني، في حديثٍ إلى “المدن”، إذ يعتبر أنّ النقاش يجب ألّا يبدأ من توقيت المفاوضات، بل من التحضيرات اللازمة داخل لبنان، ومن الأوراق التي يمتلكها، ومن نقاط القوّة والضعف في هذا التفاوض.
ويُشير جوني إلى أنّ الفكرة، على ما يبدو، بدأت عندما طرحها رئيس الجمهوريّة، من دون أن يكون معروفًا تمامًا كيف طُرحت، لكنّ المرجّح، بحسب تقديره، أنّ الفرنسيّين تواصلوا معه، وربّما استشار الأميركيّين الذين شجّعوه على المبادرة، ومن هنا انطلقت الفكرة. وبحسب جوني، جرى بعد ذلك العمل على تشكيل الوفد. وكان من المفترض أن يكون هناك ممثّلٌ عن الطائفة الشيعيّة، وقد تمّ التواصل مع شخصيّةٍ معيّنة من دون تسريب اسمها. لكن، في اليوم التالي، نشأت أزمة، إذ اعترض رئيس مجلس النوّاب، ورفض ما اعتُبر “فيتو” على التفاوض، ما أدّى إلى سحب اسم الممثّل الشيعيّ مؤقّتًا، بانتظار موافقته. وبذلك، أصبح رئيس الجمهوريّة بحاجةٍ إلى موافقة رئيس مجلس النوّاب قبل استكمال تشكيل الوفد من هذه الناحية.
ومن هنا، يربط جوني بين فكرة التفاوض نفسها وبين مسألة الجهوزيّة الداخليّة. فتشكيل الوفد ليس تفصيلًا شكليًّا، بل جزءٌ من مسار التحضير السياسيّ للتفاوض.
مقاربة الدولة ومقاربة “حزب الله”
في مقاربة التفاوض، يلفت جوني إلى أنّ الدولة اللبنانيّة تنظر إلى الصراع بشكلٍ مختلفٍ عن “حزب الله”. فالدولة تعتبر أنّ ما يجري هو “حرب الآخرين على أرض لبنان”، وهذا ما صرّح به رئيس الجمهوريّة مؤخرًا. وانطلاقًا من ذلك، تقوم فلسفة الدولة في التفاوض على السعي إلى وقف حربٍ لا علاقة للبنان بها.
ويضيف أنّ الدولة اللبنانيّة ترى أيضًا أنّه يمكن الوصول إلى حلول، وأنّه لم يعد هناك داعٍ إلى استمرار حالة العداء، ولا سيّما إذا انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان، وتحرّر الأسرى، وحُلّت القضايا العالقة، مثل النقاط الحدوديّة المختلف عليها. ومن هنا، بحسب جوني، تكمن قوّة الدولة في أنّها تعرض على إسرائيل خيار السلام.
في المقابل، تختلف مقاربة “حزب الله”، إذ يرى أنّ الصراع مرتبطٌ بالحرب الكبرى بين إيران وإسرائيل، وبالتالي لن يوقف عمليّاته إلّا ضمن إطار إنهاء هذا الصراع الأوسع. لذلك، فإنّ موقفه يبقى مرتبطًا بالمفاوضات أو الاتصالات التي قد تجري بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل.
ما الذي يملكه لبنان فعلًا؟
يشير جوني إلى أنّه، رغم وجود مبادرةٍ فرنسيّة ومباركةٍ أميركيّةٍ مبدئيّة، لا يوجد، حتّى الآن، مسارٌ تفاوضيٌّ جدّيّ.
وفي ظلّ هذه الضبابيّة، ماذا يمكن للبنان أن يحقّق من التفاوض؟
يقول جوني إنّ موقف لبنان سيكون ضعيفًا، لأنّ المفاوضات تعكس موازين القوى على الأرض. وحتّى القوّة الحاليّة، بما فيها قوّة “حزب الله”، لا تمنح لبنان موقعًا تفاوضيًّا قويًّا، ولا سيّما أنّ الحزب في وضعٍ دفاعيٍّ أكثر منه تفاوضيّ.
ومع ذلك، يلفت إلى أنّ لبنان يملك بعض الأوراق، منها السعي إلى الحصول على دعمٍ دوليّ، ومحاولة تحييد نفسه عن الصراع، وتقديم عرض سلامٍ لإسرائيل، مقابل الحفاظ على الحدّ الأدنى من الكرامة الوطنيّة.
كما يراهن لبنان، وفقًا لجوني، على قدرة الدولة على ضبط الأمن الداخليّ ومنع أيّ عمليّاتٍ عسكريّةٍ ضدّ إسرائيل، وهذه قد تكون ورقة قوّة. ويضيف أنّ إسرائيل نفسها متردّدةٌ في الدخول في مواجهةٍ برّيّةٍ واسعة بسبب كلفتها العالية، وقد تراهن على أن تتولّى الدولة اللبنانيّة هذه المهمّة. وهنا يمكن للبنان أن يستفيد من هذا التردّد، ويطرح نفسه بديلًا أقلّ كلفة.
أمّا بشأن قدرة لبنان على تنفيذ التزاماته، فإنّ حجم الدمار والخسائر قد يدفع نحو قبول خيار التفاوض بجدّيّةٍ أكبر، باعتباره الحلّ الأقلّ كلفة.
أي إنّ الضعف لا يعني انعدام الأوراق. فلبنان يملك، نظريًّا وسياسيًّا، ثلاث أوراق أساسيّة:
أوّلًا، الشرعيّة الدوليّة، لأنّ أيّ مطلب لبنانيّ مرتبط بوقف النار، والانسحاب الإسرائيليّ، واحترام “الخطّ الأزرق”، وتثبيت دور الجيش والدولة، يجد له سندًا في القرار 1701، وفي ولاية “اليونيفيل”، وفي تقارير الأمم المتّحدة المتعاقبة.
ثانيًا، سابقة التفاوض غير المباشر الناجح نسبيًّا، أي اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، الذي أُنجز بوساطة أميركيّة وأظهر أنّ بيروت، حين توحِّد موقفها الرسميّ، تستطيع انتزاع صيغة تحفظ الحدّ الأدنى من مصالحها الأمنيّة والاقتصاديّة. غير أنّ الفرق بين الملفّين كبير. فالترسيم البحريّ كان نزاعًا تقنيًّا قابلًا للإدارة، أمّا التفاوض البرّيّ والأمنيّ فهو نزاع سياديّ يتداخل فيه السلاح والحدود والقرار الاستراتيجيّ.
ثالثًا، حاجة إسرائيل نفسها إلى مخرجٍ أقلّ كلفة من الغرق في مواجهةٍ برّيّةٍ طويلة. فتقارير دوليّة عدّة حذّرت هذا الأسبوع من كلفة أيّ هجومٍ برّيّ واسع، ومن إمكان انزلاقه إلى نزاعٍ طويل ذي كلفة إنسانيّة وسياسيّة مرتفعة. وهذه ثغرة يمكن للبنان أن يحاول البناء عليها، لا من باب امتلاك القوّة، بل من باب امتلاك “البديل الأقلّ كلفة” للطرف الآخر.
ارتباط لبنان بالسياق الإيرانيّ
إلى ذلك يلفت جوني إلى إنّه، ومن حيث المتابعة، يبدو أنّ إيران لن تترك “حزب الله” بسهولة، لأنّه جزءٌ من استراتيجيّتها. لكنّ السؤال الأهمّ هو: هل تستطيع ذلك؟ والإجابة، وفقًا له، تعتمد على كيفيّة انتهاء الصراع مع إيران. فإذا انتهى الصراع وإيران منهكة، لكنّها لا تزال محافظةً على الحدّ الأدنى من استقرار النظام، فقد لا تتمكّن من فرض شروطٍ قويّة، وعندها قد تحاول إسرائيل فصل الجبهة اللبنانيّة عن الملفّ الإيرانيّ، واعتبارها ملفًّا إسرائيليًّا مستقلًّا.
ويضيف أنّه، في هذه الحالة، قد تُفصل ورقة لبنان عن ورقة إيران، حتّى من دون رغبة طهران، رغم أنّها ستسعى، بطبيعة الحال، إلى فرض وقف إطلاق النار في لبنان، ولا سيّما إذا كانت هناك اتصالاتٌ ديبلوماسيّةٌ بينها وبين الولايات المتحدة، لأنّ لبنان، بالنسبة إليها، يمثّل ساحة دعمٍ أساسيّة. لكن، إذا لم تتمكّن إيران من الاستمرار بسبب أولويّاتها الخاصّة، فقد يُترك لبنان لمصيره.
توقّعات المشهد العام
أما وفيما يتعلّق بالتوقّعات، يقول جوني إنّ إيران، حتّى الآن، تبدو صامدةً وتحاول فرض شروطٍ مرتفعة، مثل خروج القوّات الأميركيّة من المنطقة والحصول على تعويضات، لكن من غير المرجّح أن يتمّ إسقاط النظام فيها، وإن كان من الممكن إضعافه.
وفي المقابل، يبدو، بحسب جوني، أنّ هناك قرارًا إسرائيليًّا – أميركيًّا بإنهاء دور “حزب الله” في هذه الجولة، وقد تكون هذه الحرب حاسمة، وجوديّةً بالنسبة إلى “حزب الله”، واستراتيجيّةً بالنسبة إلى إسرائيل. وهذا ما يجعل الوضع في لبنان بالغ التعقيد، ويضعه في إطار “حرب كسر عظم”.
وفي هذا المناخ، يرى جوني أنّه ليس واضحًا مدى قدرة مبادرة رئيس الجمهوريّة، حتّى لو كانت مدعومةً فرنسيًّا وربّما أميركيًّا، على التقدّم، ولا سيّما أنّ إسرائيل قد تفضّل تحقيق مكاسب ميدانيّة أوّلًا قبل الدخول في التفاوض. كما أنّ ذلك كلّه قد يؤدّي إلى تعميق الانقسام بين الدولة و”حزب الله” داخليًّا، وربّما إلى توتّراتٍ داخليّةٍ خطيرة.
التوقيت المؤجَّل
أمّا بالنسبة إلى توقيت المفاوضات، فيقول جوني إنّه كان من الممكن أن تبدأ سريعًا، بل خلال ساعات، لكن تمّ تأجيلها بسبب الاعتبارات السياسيّة الداخليّة، وخصوصًا مراعاة موقف رئيس مجلس النوّاب، إضافةً إلى عدم وجود ردٍّ واضح من الطرف الآخر.
ويبدو، بحسب تقديره، أنّ موقف رئيس مجلس النوّاب بدأ يلين تدريجيًّا، ولا سيّما في ما يتعلّق بالشخصيّة الشيعيّة التي ستشارك في الوفد. كما تمّ بالفعل التواصل مع بعض الشخصيّات قبل تفاقم الأزمة، لكنّ الأمور تغيّرت لاحقًا، وأصبح المسار مرهونًا بالتوافق الداخليّ.
أمّا عن موعد بدء المفاوضات، فلا يوجد تقديرٌ واضح حتّى الآن. ومن المرجّح ألّا تبدأ قبل حدوث تطوّراتٍ ميدانيّةٍ على الأرض. وربّما تُعقد جلساتٌ تمهيديّةٌ تشير إلى نيّة التفاوض، لكن من دون انطلاقٍ فعليّ قبل تهيئة الظروف.
أوراق القوّة.. مشروطة
المشكلة أنّ كلّ ورقةٍ لبنانيّة تكاد تكون مشروطة بما ينقضها. فالشرعيّة الدوليّة تفترض دولةً قادرة على التنفيذ. وسابقة الترسيم البحريّ نجحت لأنّ الانقسام الداخليّ كان مضبوطًا، ولأنّ الملفّ لم يمسّ مباشرةً بمكانة السلاح ودوره. أمّا ورقة “الدولة البديل الأقلّ كلفة”، فتحتاج إلى سلطةٍ أمنيّةٍ وسياسيّة قادرة فعلًا على ضبط الجنوب ومنع استخدامه ساحةً مفتوحة، وهو ما لا يزال موضع تشكيكٍ خارجيّ واضح.
المسألة لم تعد منوطة بموعد المفاوضات وحسب، بل بميزان القوى الذي سيدفع إليها وبالشروط التي ستولد تحتها. فطالما أنّ الميدان يميل لمصلحة إسرائيل، وطالما أنّها تربط أيّ حوار بوقف النار وبملفّ “حزب الله”، فإنّ التفاوض، إذا بدأ، لن يبدأ من أرضيّة تسوية متوازنة، بل من تحت ضغط الوقائع العسكريّة. أمّا لبنان، الذي لم يحسم بعد مرجعيّته السياسيّة الداخليّة ولم يستكمل شروط الجهوزيّة، فيبدو حتّى الآن أقرب إلى تلقّي شروط التفاوض منه إلى فرض جزءٍ منها. بذلك، لا تكون أزمته عند لحظة الجلوس إلى الطاولة، بل قبلها: في ميدانٍ يضعف أوراقه، وفي داخلٍ لم يتحوّل بعد إلى دولةٍ تفاوض باسم نفسها وتلتزم ما تفاوض عليه.
بتول يزبك – المدن
The post إرباكُ ما قبل الجلوس إلى الطاولة: كيف يستعدّ لبنان للتفاوض؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.









