لا يبدو تضخم أسماء الصواريخ الإيرانية مجرد مسألة دعائية مرتبطة بالحرب النفسية، بل قد يكشف عن خلل أعمق داخل بنية الحرس الثوري نفسه، حيث يتحول تطوير الصواريخ أحياناً إلى باب للتنافس المؤسسي والتربح وتضخيم البرامج العسكرية أكثر من كونه مساراً تقنياً متماسكاً.
فخلال السنوات الأخيرة، أعلنت إيران عن عشرات الصواريخ البالستية والجوالة، بأسماء متعددة ومواصفات تبدو، عند التدقيق، متشابهة إلى حد كبير. وبينما تُقدَّم هذه الترسانة بوصفها دليلاً على تنوع القوة الإيرانية، يرى خبراء أن جزءاً مهماً منها قد لا يكون سوى إعادة تدوير لمنظومات متقاربة تقنياً، مع تعديلات محدودة تسمح بإطلاق أسماء جديدة وتبرير ميزانيات وبرامج إضافية داخل الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية.
يقدّم الباحث في الشؤون الإيرانية محمد صالح الفتيح قراءة حادة لهذا الملف، إذ يرى أن تعدد أسماء الصواريخ الإيرانية “لا يعكس وجود تطور تقني حقيقي بقدر ما يعكس تكراراً داخل عائلات محدودة من الصواريخ”.
ويشير الفتيح إلى أن التدقيق في خصائص الصواريخ الإيرانية من حيث المدى، وطبيعة الوقود، وحجم الرؤوس الحربية، يكشف تشابهاً لافتاً بين عدد كبير من المنظومات التي تُقدَّم كأنها مشاريع مستقلة. مضيفاً أن صواريخ مثل “حاج قاسم” و”فتاح 1″ و”فتاح 2″ و”خيبر شكن” يتراوح مداها جميعاً بين 1300 و1500 كيلومتر، وتعمل بالوقود الصلب. أما “عماد” و”قدر” و”خرمشهر” و”سجيل” فتتحرك ضمن مدى يتراوح بين 1800 و2000 كيلومتر، مع اعتماد بعضها على الوقود السائل.
كما تنتمي صواريخ “دزفول” و”قاسم بصير” إلى الفئة نفسها تقريباً، بمدى بين 1000 و1200 كيلومتر، مع استخدام الوقود الصلب أيضاً.
وبحسب الفتيح، فإن هذا التكرار لا يشبه ما يحدث في الجيوش الحديثة، حيث تميل القوى العسكرية الكبرى إلى تقليل عدد المنصات والتركيز على تطوير عدد محدود من العائلات الصاروخية متعددة الاستخدامات.
وتتقاطع هذه القراءة مع تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “CSIS”، التي تشير إلى أن البرنامج الصاروخي الإيراني يقوم فعلياً على عدد محدود من القواعد التقنية والعائلات الصاروخية التي يجري تعديلها تدريجياً، أكثر من كونه برنامجاً يطوّر عشرات المنظومات المستقلة.
لكن القضية، وفق الفتيح، لا تتعلق بالتكرار التقني فقط، بل بما ينتجه هذا التكرار داخل بنية الحرس الثوري نفسها. فكل مشروع صاروخي جديد يعني ميزانيات جديدة، وعقود تصنيع، ومراكز أبحاث، وشبكات توريد، ونفوذاً إضافياً للأجنحة المختلفة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. لذلك، يصبح إطلاق أسماء جديدة جزءاً من لعبة النفوذ داخل الحرس، لا مجرد تطور عسكري حقيقي.
ويقول الفتيح إن “عمليات التطوير المتكررة تفتح باباً واسعاً للتربح والفساد”، لأن إعادة تقديم صواريخ متشابهة كأنها مشاريع مستقلة يسمح بتضخيم الإنفاق العسكري وإعادة تدوير الموارد داخل شبكات مرتبطة بالحرس الثوري.
هذا التفسير يجد ما يدعمه في تقارير منظمة الشفافية الدولية – الدفاع والأمن، التي تصنف قطاع الدفاع الإيراني ضمن القطاعات الأكثر عرضة للفساد، نتيجة غياب الرقابة الفعلية وهيمنة المؤسسات العسكرية والأمنية على الاقتصاد وبرامج التسليح.
كما أن العقوبات والعزلة الدولية خلقت بيئة مثالية لاقتصاد عسكري مغلق، يصعب التدقيق في أرقامه أو كلفه أو فعاليته الحقيقية، ما يمنح الحرس هامشاً واسعاً لتضخيم الإنجازات وإخفاء الإخفاقات.
تكشف الحرب الأخيرة جانباً آخر من المشكلة. فبحسب الفتيح، لا يمكن قياس القوة الصاروخية الإيرانية بعدد الصواريخ فقط، لأن تعدد الأنواع يخلق تعقيدات لوجستية هائلة. فلكل نوع من الصواريخ الإيرانية منصات إطلاق خاصة به، مصممة وفق حجمه وطبيعة نظام التوجيه المستخدم فيه. كما أن الصواريخ المخزنة داخل “المدن الصاروخية” الإيرانية غالباً ما تكون مفككة، حيث تُخزن الرؤوس الحربية والوقود والهياكل بشكل منفصل.
وهذا يعني أن بقاء الصواريخ نفسها لا يضمن القدرة على استخدامها. فقد تنجو الصواريخ بينما تُدمَّر منصات الإطلاق، أو تبقى منصات دون الوقود أو المكونات المناسبة.
ويشير الفتيح إلى أن “التعقيد اللوجستي الذي خلقته كثرة الأنواع قد يتحول في الحرب إلى نقطة ضعف حقيقية”، خصوصاً مع تعرض البنية الصاروخية الإيرانية لضربات واسعة خلال المواجهة الأخيرة.
المفارقة التي يطرحها الفتيح تظهر بوضوح عند مقارنة إيران بقوى عسكرية أخرى. فالصين، رغم قدراتها الصناعية والعسكرية الهائلة، تعتمد على عدد محدود نسبياً من الصواريخ البالستية ضمن المدى المتوسط، مثل DF-16 وDF-21 وDF-17، وفق بيانات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
أما الولايات المتحدة، التي خاضت حروباً متعددة خلال العقود الأخيرة، فاعتمدت بصورة أساسية على عدد محدود من الصواريخ الجوالة، أبرزها “توماهوك” و”JASSM”، بحسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية.
ويفسر ذلك منطق عسكري معروف: تقليل عدد الأنواع يخفض كلفة الإنتاج والصيانة والتدريب، ويسهّل نقل الذخائر بين مسارح العمليات المختلفة.
أما إيران، فتبدو وكأنها تسير بالعكس، عبر تضخم مستمر في الأسماء والمنصات، بما يخلق عبئاً لوجستياً وصناعياً متزايداً.
لا يعني ذلك أن إيران لا تمتلك قدرات صاروخية خطيرة، لكن السؤال المطروح اليوم يتعلق بحجم الفجوة بين الصورة الدعائية والقدرة الفعلية.
فالحرس الثوري يحتاج باستمرار إلى إظهار تقدم عسكري متواصل، سواء لردع خصومه أو لتعزيز مكانته داخل النظام الإيراني نفسه. لكن هذا السعي قد يكون أنتج، مع الوقت، ما يشبه “اقتصاد الصواريخ”، حيث تتحول المشاريع العسكرية إلى منظومة مصالح داخلية أكثر من كونها برنامجاً متماسكاً.
وفي هذا السياق، يصبح تعدد الصواريخ بأسماء متشابهة أكثر من مجرد خيار تقني. إنه انعكاس لبنية مؤسسية تقوم على تضخم البرامج، والتنافس بين الأجنحة، وغياب الرقابة، والبحث الدائم عن النفوذ والميزانيات.
إرم نيوز
The post أسماء كثيرة بقدرات متشابهة.. الصواريخ لـ"صراع نفوذ" داخل الحرس الثوري! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





