لم تكن الحرب الأخيرة بين عامَي 2024 و2026، والعدوان الإجرامي الذي تعرّض له لبنان وجنوبه، ولا يزال، مرحلة عابرة، إذ شكّلت جرحاً عميقاً أصاب الأرض كما الإنسان، وبدلاً من أن يستقبل المزارعون الجنوبيون مواسمهم بالأمل، استقبلوا الدمار والدخان، فيما بقيت حقول الزيتون والتبغ والحمضيات شاهدة على حجم الدمار وآثاره.
ورغم الخسائر التي طالت البيوت والحقول والأرزاق، بقي أبناء الجنوب متمسّكين بأرضهم، يستمدّون من ترابها قوة الصمود ومن تاريخها إرادة البقاء. فالمزارع الجنوبي، الذي واجه الأزمات والحروب المتعاقبة والحرمان من قبل الدولة، لا يزال يؤمن بأنّ الأرض التي أنجبت الحياة قادرة على أن تزهر من جديد.
إنّ قصة مزارعي الجنوب في الاقتصاد الريفي ليست قصة أرقام وخسائر فحسب، بل هي قصة إنسان تشبّث بأرضه في وجه العدوان، وحافظ على هويته الزراعية رغم كلّ التحدّيات، ليبقى الجنوب رمزاً للصمود والعطاء والتجذّر بالأرض وحماية حدود الوطن.
الاقتصاد الريفي أساس حياة الجنوبيين
وفي قلب هذا الصمود، يشكّل الاقتصاد الريفي في جنوب لبنان عموداً فقرياً للحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويرتبط بشكل أساسي بـ:
1- زراعة التبغ
2- زراعة الزيتون وإنتاج زيته
3- زراعة الموز
4- تربية النحل
وفي العام 2024، قدّرت الإحصاءات الصادرة عن وزارة الزراعة ومؤسسات الدولة الخسائر المباشرة لهذا القطاع بنحو 800 مليون دولار، إضافة إلى 400 مليون دولار خسائر غير مباشرة.
أما في العام 2026، فتضاعفت الخسائر نتيجة:
1- تراجع إنتاج الزيتون والحمضيات والموز إلى حدود شبه معدومة
2- التدمير الواسع لقطاع زراعة التبغ
3- الخسائر الكبيرة في تربية المواشي
4- ارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي نتيجة تدمير المعدّات وشبكات الري
5- تراجع دخل الأسر الريفية وازدياد معدلات الفقر
ولم تقتصر تداعيات الحرب على الزراعة وحدها، بل امتدت إلى الصناعات الغذائية المنزلية والصغيرة المرتبطة بالإنتاج الزراعي، مثل صناعة زيت الزيتون والمربيات والأجبان، نتيجة تراجع الإنتاج وصعوبة النقل والتسويق، ما أدى إلى انكماش النشاط الاقتصادي المحلي وفقدان العديد من فرص العمل.
يُعدّ التبغ من الزراعات التقليدية في جنوب لبنان، وقد ارتبط اسمه بتاريخ القرى الجنوبية منذ أكثر من قرن، حتى أصبح جزءاً من الهوية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة. فهذه الزراعة لم تكن مجرد نشاط زراعي، بل شكّلت على مدى عقود مصدر عيش لآلاف الأسر الريفية، وساهمت في تثبيت السكان في أرضهم، خصوصاً في المناطق الحدودية التي عانت الحروب المتكرّرة.
أ- تاريخ زراعة التبغ في الجنوب
يُعتبر التبغ من أقدم الزراعات النقدية في جنوب لبنان، وقد ارتبط بحياة أهل الجنوب منذ أواخر العهد العثماني وبداية القرن العشرين. ومع مرور الزمن، تحوّلت زراعة التبغ إلى مصدر رزق أساسي لآلاف العائلات، خصوصاً في النبطية وبنت جبيل ومرجعيون وصور.
وتتميّز هذه الزراعة بأنها تحتاج إلى عناية يدوية مكثّفة، بدءاً من إعداد الشتول، مروراً بالزراعة والقطاف والتجفيف، وصولاً إلى التسليم. لذلك أدّت دوراً اجتماعياً واقتصادياً مهماً، إذ شاركت فيها الأسرة الريفية بأكملها، وأصبحت جزءاً من الهوية الزراعية للجنوب.
ومع تأسيس إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي) في ثلاثينيات القرن الماضي، جرى تنظيم إنتاج التبغ وشراؤه من المزارعين، ما وفّر مورداً مالياً مستقراً نسبياً للكثير من العائلات، وساهم في تثبيت السكان في قراهم الحدودية.
وخلال العقود الماضية، واجه قطاع التبغ تحدّيات كبيرة نتيجة الحروب والاعتداءات المتكرّرة والأزمات الاقتصادية، إلّا أنّ المزارعين واصلوا التمسّك بهذه الزراعة لما تمثّله من مصدر دخل أساسي. وقد تعرّضت حقول التبغ في الجنوب لأضرار واسعة خلال الحروب المتعاقبة، ما أدّى إلى خسائر في الإنتاج والبنية الزراعية وسبل عيش نحو 6 آلاف أسرة.
ب- أهمية التبغ في الجنوب
1- مصدر دخل رئيسي لنحو 6 آلاف عائلة ريفية
2- يساهم في الحدّ من الهجرة من القرى إلى المدن
3- يوفّر فرص عمل موسمية للنساء والرجال
4- يشكّل جزءاً من التراث الزراعي والاجتماعي للجنوب
5- يدعم الحركة الاقتصادية في القرى عبر ارتباطه بالنقل والتجارة والخدمات الزراعية
تُقدَّر الخسائر التراكمية لهذا القطاع بين عامَي 2024 و2026 على النحو الآتي:
– 80 إلى 120 مليون دولار خسائر في الإنتاج
– 60 إلى 90 مليون دولار خسائر المزارعين
– 20 إلى 40 مليون دولار خسائر البنية التحتية
– 30 إلى 50 مليون دولار خسائر غير مباشرة
أي ما يقارب 300 مليون دولار من الخسائر المباشرة وغير المباشرة. مع العلم أنّ هذا القطاع الجنوبي يُعدّ المموّل الرئيسي لشركة “الريجي”، وبالتالي هو مموّل رئيسي للدولة اللبنانية، إذ وصلت إيرادات صافي الخزينة من “الريجي” إلى 403 ملايين دولار عام 2024، وكان من المتوقّع أن تصل إلى 500 مليون دولار عام 2005. وعليه، يمكن القول إنّ التبغ يشكّل العمود الفقري الأساسي للاقتصاد الريفي، إلى جانب دوره كرافد أساسي لخزينة الدولة.
ختاماً، لم تكن أوراق التبغ في الجنوب مجرّد محصول زراعي، بل حكاية أجيال كتبتها أيادي المزارعين على سفوح التلال وبين القرى الحدودية. ففي كلّ شتلة تعب، وفي كلّ ورقة قصة صمود، وفي كلّ موسم أمل جديد. ورغم ما خلّفته الحروب من دمار وخسائر، بقي مزارع الجنوب متمسّكاً بأرضه، يزرعها كما زرعها الآباء والأجداد، مؤمناً بأنّ الأرض التي صمدت في وجه العدوان ستعود يوماً لتمنح أبناءها الخير والحياة واقتصاداً للصمود.
The post التبغ والزيتون في الجنوب… اقتصاد ريفي يواجه آثار الحرب appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








