سؤال المئوية يتمحور حول كم سنة من السيادة الناجزة عاشها لبنان في خلال المئوية الأولى للدستور (1926–2026)، قياساً على درجات النجاح ودركات الفشل في تجربة دستورية مركّبة؟ هو السؤال المركزي الذي يجب الانطلاق منه لتحديد الفترة السيادية على مدى قرن من عمر الدستور اللبناني؟
القراءة التاريخية والتقدير السياسي الواقعي والعقلاني ومن دون جواب تركيبي واضح، فإنّ البناء التحليلي برمّته يبقى معلّقاً في فضاء هذه الإشكالية، من دون أن يبلغ لحظة الحسم المعرفي. لذلك، تقتضي المقاربة العلمية ألّا يظلّ السؤال مفتوحاً على تحليلات وسرديات تعظيمية، بل أن يُجاب عنه ضمن منطق تراكمي يجمع بين القراءة التاريخية والتقدير السياسي الواقعي والعقلاني، آخذاً في الاعتبار أنّ السيادة في الحالة اللبنانية لا تُقاس كمفهوم مطلق أو ثابت، بل كحالة متدرّجة تتحرَّك بين الاكتمال والنقصان، وتخضع لشروط داخلية وخارجية متبدِّلة، انعكاساً واضحاً لتداخل المصالح وتقاسم الإنشغالات والتوافقات الهشة على وحدة المصير، والتي غالباً ما كانت مغلّفة بعلنيات شعارية وتختبئ وراء المسكوت عنه في الخطب والمواثيق المحكومة بظرفيتها.
وعليه، يمكن مقاربة المئة عام من الحالة الدستورية اللبنانية القلقة، من خلال إعادة توزيعها زمنياً على سلّم السيادة، لا بوصفه حكماً معيارياً جامداً، بل باعتباره أداة تفسيرية تكشف طبيعة العلاقة بين النص والممارسة.
ففي المرحلة الممتدة من الاستقلال عام 1943 حتى أواخر ستينيات القرن العشرين، توافرت للدولة اللبنانية شروط أقرب إلى السيادة شبه المكتملة، إذ استطاعت المؤسسات الدستورية أن تعمل بانتظام نسبي، وتمكّنت السلطة المركزية من فرض قدر معقول من احتكار القرار السياسي والأمني، في ظل توازن داخلي مستقرّ نسبياً وتراجع نسبي للتدخّلات الخارجية المباشرة. هذه المرحلة، التي لا تتجاوز ربع القرن تقريباً، تمثّل اللحظة الوحيدة التي التقى فيها النص الدستوري مع حدّ أدنى من الفعالية السياسية، فبدت الدولة وكأنّها تمارس سيادتها ضمن حدود مقبولة أو حدود مسموح بها أو متسامح بممارستها.
مرحلة السيادة الجزئية أو المقيّدة
في المقابل، تمتد مساحة دستورية أوسع زمنياً يمكن توصيفها بأنّها مرحلة السيادة الجزئية أو المقيّدة، وهي تشمل فترات متباينة تبدأ من ولادة الدستور في ظل الانتداب، مروراً بمرحلة ما بعد اتفاق الطائف، وصولاً إلى جزء من المرحلة التي أعقبت عام 2005. في هذه الفترات، لم تكن الدولة غائبة بالكامل، بل كانت قائمة بمؤسساتها، قادرة جزئياً على إنتاج القرار، لكنّها كانت تعمل ضمن قيود بنيوية فرضتها توازنات داخلية دقيقة أو تأثيرات خارجية مباشرة وغير مباشرة. فالسيادة هنا لم تكن معدومة، لكنّها لم تكن مكتملة، إذ كانت موزّعة أو مشروطة أو خاضعة لتسويات تتجاوز أحياناً منطق الدولة نفسها. ويمكن تقدير هذه المساحة الزمنية بما يقارب نصف عمر المئوية، ما يجعلها الحالة الغالبة في التجربة اللبنانية.
مرحلة السيادة المنقوصة
أمّا المرحلة الأخرى، فهي تلك التي يمكن وصفها بأنّها مرحلة السيادة المنقوصة أو شبه الغائبة، حيث تفقد الدولة قدرتها الفعلية على احتكار القرار، وتتعدُّد مراكز القوّة داخل المجتمع، وتتراجع فعالية المؤسسات إلى حدّ الانكفاء أو التعطيل. وتشمل هذه الحالة سنوات ما قبل الحرب الداخلية مباشرة، ثم الحرب نفسها بكل ما حملته من انهيار شامل لمؤسسات الدولة، وصولاً إلى الأزمات المتفاقمة في السنوات الأخيرة. في هذه الفترات، يصبح الدستور إطاراً شكلياً أكثر منه مرجعاً فعلياً، وتتحوَّل السيادة إلى مفهوم نظري يفتقد أدواته التنفيذية. وتمتد هذه الحالة لما يقارب ثلث المئة عام، وهي نسبة كاشفة لعمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدولة اللبنانية المتعايشة مكوناتها مع توزيعات نزاعية قلقة، وأحوال مقلقة مفتوحة على أزمات يتشابك فيها الداخل مع الخارج الأقرب والخارج الأبعد.
قراءة تركيبية لمسار متعرّج
هذا التقدير التراكمي، الذي يضع سنوات السيادة شبه المكتملة في حدود الربع تقريباً، والسيادة المقيّدة في حدود النصف، والسيادة المتآكلة أو الغائبة في حدود الزمن الباقي، لا يهدف إلى إنتاج أرقام نهائية ووضع ترسيمة لمنسوب التعافي وسنوات الاستقرار الدستوري الهادئ، بقدر ما يسعى إلى تقديم قراءة تركيبية لمسار متعرّج، يؤكّد أنّ السيادة في لبنان لم تكن حالة مستقرة أو متواصلة، ولا قراراً بنهائية الخيار الكياني، بل تجربة متقطعة تخضع لدرجات من الصعود ودركات من الهبوط، وترتبط إلى حدّ بعيد بطبيعة النظام التوافقي الذي يحكم الحياة السياسية كعرف ميثاقي، ويفسّر أنّ كل فترة استقرار دستوري كانت نتيجة استقرار بالعلاقات بين الأقطاب والقادة السياسيّين. وهذا ما يؤشر إلى أنّ استقرار العلاقة بين الزعماء القادة كانت المحصِّن الأقوى للإستقرار الدستوري وسيادة النص، كمرجعية دستورية تحكم العلاقة بين السلطات وتحمي حقوق الشعب انطلاقاً من الاحتكام إلى الكتاب، أي الدستور الذي هو القانون الأساسي في أي بلد ديمقراطي.
الخلل في انتظام تطبيقات الدستور
وتكمن الدلالة الأعمق لهذه النتيجة، في أنّ الخلل في انتظام تطبيقات الدستور بكامل مندرجاته، لا يعود فقط إلى ظرف تاريخي عابر أو إلى مرحلة سياسية محدّدة، بل إلى بنية النظام بذاته، حيث يتقدّم منطق التوازنات والمجاملات الدستورية على منطق الدولة، ويُعاد إنتاج السلطة بطبعتها اللبنانية من خلال التسويات لا من خلال الاحتكام الصارم إلى النص الدستوري الملزم التطبيق حرفياً. وبذلك، لا يعود الدستور هو الذي ينظّم الحياة السياسية بصورة كاملة ومطلقة، بل يصبح جزءاً من منظومة أوسع تتحكّم بها الأعراف والاتفاقات والتوافقات الميثاقية غير المكتوبة بالإضافة إلى موازين القوى المتبدّلة.
وحدة الكيان اللبناني ونهائيّته
في هذا السياق، يُظهر التطوُّر الدستوري اللبناني منذ إقرار دستور لبنان 1926 وتعديلاته المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة تكوين السلطة في ضوء التعديل الدستوري سنة 1990، اتّجاهاً واضحاً نحو تثبيت مبدأ وحدة الكيان اللبناني ونهائيّته وعدم قابليته للتجزئة أو التقسيم. وتُوِّج هذا المسار بإدراج نص صريح في مقدمة الدستور المعدَّل يقر بأنّ “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه”، بما يضفي على هذا المبدأ قيمة دستورية مُلزمة ذات طبيعة تأسيسية، تتقدّم على سائر القواعد العادية وتُشكّل مرجعاً في فهم وتفسير فلسفة النظام الدستوري اللبناني ومقاصده. هذا المبدأ يتوافق بالأصل مع المرتكزات الفكرية التي عبّر عنها الإمام السيد موسى الصدر في خطبه الوطنية ومواقفه الكيانية، التي أكّد فيها الحرص على وحدة مصير المجتمع اللبناني بكليّته، ورفضه القاطع لكل أشكال الصيغ البديلة عن دستورية الدولة الجامعة والضامنة لحقوق ومستقبل ابنائها بكل مكوّناتهم ومعتقداتهم، تأكيداً على نهائية وكيانية لبنان وطناً ودولة.
إنّ مركزية سؤال السيادة لا تقود فقط إلى توصيف الماضي والخوف من إرهاصاته، بل تفتح الباب أمام إعادة طرح الإشكالية التأسيسية للدولة اللبنانية الحديثة، انطلاقاً من طرح فكرةٍ إنشغالية تتركّز حول كيفية وإمكانية الانتقال بالدولة من سيادة ظرفية متقطعة إلى سيادة مستقرة ومؤسسية؟ وكيف يجب الالتزام بالدستور كإطار مرجعي أساسي وتأسيسي واعتماده أداة حكم فعلية ووحيدة تنتظم فيها الجماعات اللبنانية كلّها؟
الدولة كفكرة والدولة كواقع
والإجابة عن هذَين السؤالَين تشكّل، في جوهرها، التحدّي الحقيقي الذي يواجه لبنان بعد المئوية الأولى، حيث لا يكفي الحفاظ على النص والتغنّي بشعاراته موسمياً، بل بجب العمل لإعادة وصل التفاهمات التي ضاعت بين حرفية النص وروحية الممارسة، وبين الدولة كفكرة والدولة كواقع، وبين النخب كسلطة رأي عام، وبين الناس كجمهور. وبذلك يتأكّد خيار النهائية كقرار وطني وكياني جامع.
الدستور بين النص والكيان، أي دور للصحافة؟
شكّل الدستور اللبناني الصادر عام 1926 محطة تأسيسية في تاريخ الدولة اللبنانية الحديثة، ليس فقط بوصفه وثيقة قانونية عليا، بل بوصفه أيضاً تعبيراً عن محاولة تأسيس كيان سياسي في سياق انتدابي معقّد. ومنذ صدوره، ظلّ هذا الدستور موضوع جدل دائم بين مَن يعتبره نصاً متقدّماً على الواقع، ومَن يراه إطاراً غير مكتمل التحقق بسبب طبيعة البنية السياسية اللبنانية.
إنّ العلاقة بين الكيانية اللبنانية، بمفهومها التاريخي والاجتماعي، وبين الدولة الدستورية، لا تزال حتى اليوم تطرح إشكالية فلسفية وسياسية حول معنى “الوطن النهائي”، وحول قدرة الدستور على إنتاج دولة مستقرة ذات سيادة فعلية.
الصحافة الدستورية
الدور التأسيسي: توثيقيات المحاضر المرافقة لنشأة الدستور
فانطلاقاً من الدور التأسيسي والدستوري للصحافة، تشير الدراسات التاريخية إلى أنّ الصحافة اللبنانية والمهجرية لعبت دوراً محورياً في المرحلة التحضيرية لإقرار دستور 1926، إذ شكّلت الجرائد والدوريات منابر فكرية ناقشت مفاهيم الدولة والهوية والكيان والسلطة، وقدّمت مسودات فكرية أسهمت في بلورة النقاش الدستوري.
فلم تكن الصحافة مجرّد ناقل للأحداث، بل كانت فاعلاً معرفياً وسياسياً، مارست وظيفة شبه استشارية في صياغة الرأي العام الدستوري. وقد ساهمت في:
أ- طرح مفاهيم الدولة الحديثة
ب- شرح مبادئ فصل السلطات
ج- نقد الإدارة الانتدابية
د- دعم فكرة السيادة التدريجية
وهكذا، نشأت ما يمكن تسميته بـ”الصحافة الدستورية”، أي الصحافة التي لم تكتفِ بالتغطية، بل التي شاركت في إنتاج المعنى الدستوري ذاته، وساهمت بتقديم المعارف والخبرات والآراء الخادمة لتركيزات الدستور والمساعدة في عملية تظهير فلسفة الإلتزام بالدستور واحترام النصوص والتقيّد بها.
إنّ تقويم وضعية الدستور اللبناني الصادر في 23 أيار 1926 في ظل الانتداب الفرنسي، تُظهر أنّه أتى نصاً مركّباً بين الإرادة المحلية والتأثير الخارجي. ومستلهماً بشكل واضح النموذج الدستوري الفرنسي، خصوصاً من حيث بنية المؤسسات ومرتكزات الدولة الناظمة لأسس الجمهورية المستقلة. وهذا ما يجب العمل لرصده وجمع أعداد الدوريات التي شكّلت إصداراتها محاضر وتوثيقيات مرجعية، في غياب نصوص محاضر رسمية، ممّا يجعل من الصحافة مصادر معرفية تحمل الكثير من الأسرار والمداولات والنقاشات التي أنتجت النصّ النهائي لدستور 1926. وهنا تظهر الحاجة إلى إعادة تجميع أعداد الجرائد والدوريات الصادرة في لبنان والمهجر، بمساعدة الأندية الثقافية والجاليات ومراكز البحوث والجامعات، والعمل لتكوين قاعدة أرشيفية متخصصة للدراسات والتأريخات الدستورية.
غير أنّ هذا الدستور لم يكن نتيجة عقد اجتماعي وطني كامل، بل جاء كإطار تنظيمي لإدارة دولة ناشئة تحت إشراف دولي. لذلك يمكن اعتباره دستوراً تأسيسياً للدولة، لكنّه دستور غير مكتمل السيادة.
وقد شكّلت هذه الحالة نقطة انتقال من “لبنان الكبير” إلى “لبنان الدولة”، وإن بقيت السيادة السياسية مرهونة بالظروف الدولية الضاغطة بنزاعاتها وأطماعها على وضعية السيادة الدستورية اللبنانية الناشئة وغير المكتملة النمو.
ويقود هذا الاقتراح التوصية إلى التركيز على الإشكالية المنهجية في السؤال عن وجود الوثيقة والبحث الإستقصائي عن الرواية الدستورية.
والإشكالية المنهجية التي تحكم النظر إلى الواقع الدستوري 1926 تطرح قضية معرفية خلافية وأساسية تتعلّق بعدم وجود محاضر رسمية مكتملة وموثقة للنقاشات التأسيسية التي رافقت نشأة الدستور اللبناني. وهذا الأمر الإشكالي يفتح أسئلة حادة وجادة حول مصادر التاريخ الدستوري، من خلال التركيز على الدور التوثيقي للصحافة، وتحديداً الدوريات السياسية والفكرية، فضلاً عن أرشيفات الانتداب الفرنسي والكتابات القانونية المقارنة ومنسوب الاعتماد على نصوص الدستور الفرنسي في وضع وإقرار الدستور اللبناني، وصولاً إلى عدم اليقين بوجود ثوابت وأدلة تؤكّد وجود محاضر تمّ البناء عليها للإنتهاء إلى الصيغة الأولى للدستور، إذ بقِيت التأرجحات موزّعة بين علمية الاعتماد على الوثيقة أو الركون إلى الرواية.
من هذا المنظور، يجب الاهتمام بإعداد دراسات عمقية تتناول دور الصحافة اللبنانية في الوطن والمهجر، والصادرة بين 1920 و1926 كمصدر تاريخي موازٍ للوثائق الرسمية، بل أحياناً بديلاً عنها في إعادة بناء السردية الدستورية وتكوين الذاكرة التاريخيّة للبنان في الفترة الانتقاليّة بين إعلان لبنان الكبير وإعلان الدستور، والاعتماد على الصحف كوثائق محضريّة لفهم دور الصحافة في صناعة الرأي ووضع الدستور، خصوصاً أنّ الصحافة اللبنانية المحلية والمهجرة لعبت، ولا سيما في بيروت، دوراً مركزياً في تحويل النقاش الدستوري إلى قضية رأي عام. وساهمت صحف مثل “لسان الحال” و”البرق” و”الأحرار” والصحف الفرنكوفونية في نقد البنية السياسية الناشئة، ومقارنة النموذج اللبناني بالنموذج الفرنسي، فضلاً عن طرح أسئلة السيادة والتمثيل، وتعميم الثقافة الدستورية وتحصينها بالنصوص والممارسة.
وأدّى ذلك إلى تحويل الدستور من نص قانوني إلى موضوع اجتماعي وسياسي مفتوح للنقاش، ويتعرّض لحوارات جدلية بنيوية.
الدور النقدي للصحافة كسلطة معرفية
ويتأكّد الدور النقدي للصحافة كسلطة معرفية، إذ برزت مع انتخاب أول رئيس للجمهورية اللبنانية كسلطة نقدية غير رسمية رافقها سؤال مركزي، حول ما إذا كان لبنان دولة ذات سيادة فعلية أم أنّه كيان دستوري تحت وصاية سياسية؟
مع الإشارة إلى أنّ الصحافة مارست في تلك المرحلة وظيفة “المستشار المعاكس”، بمعنى أنّها لم تعارض النظام، لكنّها لم تقبله من دون مساءلة، وأسهمت بتوسيع دائرة النقد خارج المؤسسات الرسمية والنظامية. وبذلك تكون الصحافة ساهمت فعلياً في ترسيخ ثقافة دستورية نقدية مبكرة يفيد منها الدستور اللبناني في نشأته وتطوُّره ودوره في إرساء القواعد الأساسية لبناء وطن مستقل وذات سيادة.
ماذا عن الدستور والميثاق والعرف من حيث تشكيلها ثلاث طبقات للنظام اللبناني المركب؟
عرفت مرحلة نشأة الدستور اللبناني ثلاث مراحل مفصلية في تكوينها، تنطلق من تناول الدستور (1926) باعتباره النص القانوني المؤسس للدولة، والذي نظّم السلطات وحدّد شكل النظام السياسي. وتكرِّس الميثاق الوطني (1943)، الذي جاء لاحقاً ليؤسس توازناً سياسياً غير مكتوب بين المكوّنات الطائفية، وليشكّل قاعدة التعايش السياسي. بالإضافة إلى اعتماد العرف السياسي كنمط توفيقي بين المكوّنات نشأ تدريجياً من الممارسة، وأصبح جزءاً أساسياً من النظام، خصوصاً في ميثاقية توزيع الرئاسات وتشكيل الحكومات وإدارة التوازنات الطائفية، بما يتوافق والاستقرار الدستوري ويؤمِّن سلامية العيش ويثبت قواعد المواطنة وروحية الالتزام إلى الأرض والانتماء إلى حضارة وتاريخ.
وبذلك أصبح النظام اللبناني مزيجاً من عناصر ثلاثة، تبدأ بنص دستوري وتتقوّى بميثاق سياسي وتتحصّن بعرف عملي موازٍ للنص الدستوري.
يترافق ذلك مع مندرجات المادة 95 وإشكالية الانتقال غير المكتمل من وضعية الانتداب إلى الحالة الدستورية، وتُعدّ المادة 95 من الدستور اللبناني من أبرز المواد الإشكالية، إذ نصّت على مرحلة انتقالية تهدف إلى إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً. إلّا أنّ هذه المرحلة تحوَّلت عملياً إلى حالة دائمة، ما أدّى إلى تثبيت التمثيل الطائفي بدل تجاوزه، وتعطيل المسار الإصلاحي، وإنتاج ازدواجية بين النص والواقع.
وهذا ما أبقى الدولة اللبنانية في حالة انتقال دائم وغير مكتمل.
المئوية الأولى للدستور اللبناني (1926–2026)
ترسيمة المسار التاريخي بين التراكم والانقطاع والقلق الدائم!
يمثّل هذا المسار قرناً كاملاً من التحوُّلات السياسية والدستورية، ويمكن تقسيمه إلى مراحل أساسية:
1- 1926–1943: مرحلة السيادة الناقصة: دولة ناشئة تحت الانتداب، حيث بقي القرار السيادي خارج الإطار الوطني.
2- 1943-1969: مرحلة الاستقرار النسبي: مرحلة بناء الدولة، وتثبيت الاستقلال، وانتظام المؤسسات، وظهور التوازن السياسي التوافقي.
3- 1969-1975: بداية التآكل: وتبدأ من مرحلة اتفاق القاهرة وبداية ازدواجية السلطة وتراجع سيطرة الدولة.
4- 1975-1989: انهيار الدولة: حرب لبنان التي أدّت إلى تفكّك المؤسسات وتعدُّد مراكز القوّة وغياب الدولة المركزية.
5- 1990-2005: إعادة البناء تحت الوصاية: مرحلة الطائف وإعادة الإعمار، لكن ضمن تأثيرات خارجية واضحة حدّت من السيادة الكاملة.
6- 2005-2026: أزمة السيادة المستمرة: مرحلة تعثّر مزمن، أزمات اقتصادية، انقسام سياسي، وتعدُّد مصادر القرار.
يترافق ذلك مع قراءة تركيبية لزمنيات النجاح وأحوال الفشل، فيمكن تلخيص المئة عام على النحو الآتي:
• نجاح نسبي في مرحلة 1943-1969
• بداية تراجع في 1969-1975
• انهيار شامل في 1975-1989
• إعادة بناء ناقصة في 1990-2005
• أزمة مستمرة في 2005-2026
هذه الترسيمة الزمنية تعكس بوضوح بنية نظام قلق يعيش بين النص الدستوري والتوازنات الواقعية.
إشكالية السيادة
تتمحور الأزمة اللبنانية حول ثلاث مسائل أساسية: المركزية الضيّقة والإسئثارية، والتدخّلات الخارجية في القرار الوطني، بالإضافة إلى ضعف المؤسسات وعدم قدرتها على فرض مركزية القرار. وهذا ما جعل السيادة اللبنانية سيادة غير مكتملة، أو سيادة “موزّعة”.
الدولة بين النص والواقع
بعد مئة عام على الدستور اللبناني، يمكن القول إنّ التجربة الدستورية اللبنانية تمثل حالة فريدة من التعايش بين:
• نص دستوري متقدِّم
• وممارسة سياسية متعثرة
• وسيادة غير مكتملة
غير أنّ القيمة الأساسية لهذه التجربة تكمن في استمرار الدستور كمرجعية جامعة، على رغم من كل التحوُّلات والانقطاعات.
ويبقى التحدّي الأساسي أمام الدولة اللبنانية هو الإسراع بالانتقال من دستور يُقرأ، إلى دستور يُمارَس، ومن نص تأسيسي إلى سيادة مكتملة الفعل ونهائية الكيان، الذي لا مساومة عليه ولا على فرادته الرسالية في مجتمع دولي يعيش ضواغط الانفصالات الدائمة والتشظيات المولّدة لحظياً، خدمة لسياسات القوى العظمى التي تُعيد رسم خرائط البلدان الصغيرة وفق إستراتيجياتها الدائمة التبديل، وإستجابة لمزايدات سياسية داخلية في ظل التنازع المضبوط لإدارة القوّة في هيكل دول القرار الذي يتحوَّل من قرار خماسي إلى أحادية ناظمة لحركية الإمساك بقوّة السلاح للقبض على قوّة الاقتصاد.
من إشكالية القلق التي لا تزال ترسم الخارطة السيادية للبنان، إلى مشكلية الانتقال من تعايش الجماعات والاختلاف الصامت على معنى الوطن، يبقى الدستور من انطلاقته 1926 إلى آخر تعديلاته 1990، مشروعاً مفتوح الإحتمالات للإنتقال من لبنان الحالة إلى لبنان الكيان وصولاً إلى لبنان الدولة التي ينتظمها دستور وتحكمها مؤسسات دستورية وتشيع فيها مفاهيم الحرّية وقِيَم العدالة والمساواة بين المواطنين. بذلك يكتمل دور الدستور في تقعيد أسس الدولة الكيانية وتتعزّز القوّة الفعلية للإستقلال.
جورج كلاس – الجمهورية
The post المئوية الأولى للدستور اللبناني.. قرن من سيادة قلقة وعقود من سيادة غير مستقرة! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






