حين تتحول حقوق الشعب إلى أداة لحرمانه من الحياة الكريمة

التاريخ: 21 أيار 2026
حين تتحول حقوق الشعب إلى أداة لحرمانه من الحياة الكريمة

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

“يعيش الغلابة بطي النجوع نهارهم سحابة وليلهم دموع

سواعد هزيلة لكن فيها حيلة تبدر تخضر جفاف الربوع

يا غلبان بلدنا يا فلاح يا صانع يا شحم السواقي يا فحم المصانع

يا منتج يا مبهج يا آخر حلاوة يا هادي يا راضي يا عاقل يا قانع

ما تتعبش عقلك فى شغل السياسة وشوف انت شغلك بهمه وحماسه

وعود عيالك فضيلة الرضا لأن احنا طبعا عبيد القضا

ورزقك ورزقى ورزق الكلاب دا موضوع مؤجل ليوم الحساب”

(أحمد فؤاد نجم)

تاريخ السياسة مليء بالمفارقات، لكن أكثرها قسوة تلك اللحظة التي تتحول فيها الشعارات التي رُفعت باسم الناس إلى أدوات لمصادرة حياة الناس نفسها. تتكرر الظاهرة في أنظمة مختلفة وأيديولوجيات متناقضة، إلا أن البنية العميقة تبقى واحدة وهي سلطة تدّعي تمثيل الشعب، ثم تطلب من الشعب التضحية المستمرة بحقه في العيش والاستقرار والرفاه من أجل القضية الكبرى، أو المعركة المصيرية، أو الكرامة الوطنية، أو المقاومة، أو الثورة، أو الهوية.

في البداية تبدو هذه اللغة جذابة فالجماهير التي تشعر بالإهانة أو الظلم أو التهميش تنجذب بسهولة إلى الخطابات التي تمنحها معنى تاريخيًا ورسالة تتجاوز الحياة اليومية. لكن المأساة تبدأ عندما تتحول المعاناة إلى نظام دائم، وعندما يصبح الفقر فضيلة سياسية، والانهيار الاقتصادي دليل صمود، وحرمان الناس من أبسط حقوقهم جزءًا من امتحان الولاء الوطني أو العقائدي. فالسلطة التي تعجز عن بناء اقتصاد منتج، أو دولة قانون، أو مؤسسات مستقرة، تجد في القضية الكبرى أفضل وسيلة لتبرير الفشل. الخبز يصبح تفصيلًا صغيرًا أمام المعركة الوجودية والكهرباء تتحول إلى مسألة ثانوية أمام الدفاع عن الأمة وانهيار العملة يُقدَّم باعتباره ثمنًا طبيعيًا للمواجهة التاريخية. هكذا يُطلب من المواطن أن يعيش في حالة تضحية دائمة بينما تستمر النخب الحاكمة في احتكار السلطة والثروة والقرار.

تجربة الاتحاد السوفياتي تقدم مثالًا صارخًا على ذلك. فالنظام الشيوعي الذي أكل عقلنا في شبابنا على أساس أنه فرصة رفع الظلم عن العمال والفلاحين وهزيمة الرأسمالية والاستعمار، رفع شعار العدالة الاجتماعية وحقوق العمال، لكنه انتهى إلى بناء واحدة من أكثر البيروقراطيات قسوة في القرن العشرين. ملايين الناس عاشوا في فقر ونقص مزمن في السلع الأساسية، بينما كانت الدولة تنفق ثرواتها على سباق التسلح والحروب والنفوذ الجيوسياسي. المواطن السوفياتي سُمِع يوميًا حديثًا عن حقوق الطبقة العاملة، لكنه كان يقف لساعات في طوابير الخبز والسلع الأساسية، فيما تمتعت النخبة الحزبية بامتيازات مغلقة لا تصل إليها الجماهير.

في كوبا أيضًا تحولت الثورة إلى منظومة تطلب من الناس الصبر الأبدي. العقوبات الأميركية لعبت دورًا حقيقيًا في إنهاك الاقتصاد، لكن السلطة استخدمت الحصار لعقود باعتباره تفسيرًا جاهزًا لكل فشل داخلي. الخطاب الثوري استمر في تمجيد كرامة الشعب وصموده، بينما هاجر مئات آلاف الكوبيين بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا وفرصًا اقتصادية طبيعية. المواطن الذي يطالب بتحسين ظروف حياته يُتهم سريعًا بأنه يفتقر إلى الحس الوطني أو يخدم أعداء الثورة.

إيران تقدم نموذجًا آخر للتضحية المستمرة باسم حقوق الأمة والاستقلال. منذ الثورة الإسلامية، بُني جزء كبير من الشرعية السياسية على فكرة المواجهة التاريخية مع الغرب والدفاع عن المستضعفين. العقوبات الغربية حقيقية وقاسية، لكن السلطة الإيرانية استخدمت الصراع الدائم أيضًا لتبرير توسيع الأجهزة الأمنية والعسكرية ولتقديم الأولويات الإقليمية والعقائدية على حاجات المجتمع الداخلية. المواطن الإيراني الذي يواجه التضخم وانهيار العملة والبطالة يسمع باستمرار أن الصبر جزء من المعركة الحضارية، وأن رفاهه الفردي يجب أن يتراجع أمام مصلحة الأمة.

المفارقة القاسية تظهر حين تصبح حياة الناس نفسها مادة للاستثمار السياسي عندها تحتاج السلطة إلى استمرار التهديد لكي تحافظ على شرعيتها ويصبح الخطر الخارجي ضرورة داخلية. فالتوتر المستمر يمنح الحاكم فرصة دائمة لتعليق المحاسبة وإسكات النقد وتأجيل الإصلاح تحت شعار حالة الاستثناء التي تعطي السلطة لتجاوز الحقوق. وهكذا فكل اعتراض يمكن تصويره كخيانة أو ضعف أو خدمة للأعداء. الأنظمة القومية العربية وقعت في الفخ نفسه خلال مراحل طويلة من القرن العشرين. شعارات التحرر والوحدة والكرامة تحولت في كثير من الأحيان إلى غطاء لبناء أنظمة أمنية مغلقة. المواطن العربي سمع لعقود عن المعركة مع الاستعمار والصراع المصيري وكل شيء من أجل المعركة، لكنه عاش في ظل اقتصاد هش وفساد واسع وقمع سياسي عميق. الهزائم العسكرية جرى تحويلها إلى أدوات إضافية لتوسيع القبضة الأمنية بدل مراجعة أسباب الفشل.

العراق في عهد صدام حسين دفع ثمن هذه العقلية بصورة مأساوية. الحرب مع إيران ثم غزو الكويت والعقوبات الدولية أدت إلى تدمير المجتمع العراقي واستنزاف طبقته الوسطى. ملايين العراقيين دخلوا دوامة الفقر، بينما استمر النظام في تقديم نفسه باعتباره حامي الأمة والمدافع عن الكرامة العربية. المواطن الذي كان يبحث عن الغذاء والدواء أصبح مطالبًا بالتضحية أكثر باسم الصمود الوطني.

حتى الديمقراطيات تقع أحيانًا في هذا المنطق عندما تتحول الشعبوية إلى أداة حكم. بعض السياسيين يرفعون شعارات الدفاع عن الشعب الحقيقي ضد النخب أو المهاجرين أو الخارج، ثم يستخدمون هذا الخطاب لتبرير سياسات تضعف المؤسسات وتزيد الانقسام وتحوّل المواطنين إلى جماهير خائفة وغاضبة أكثر منها مجتمعات مستقرة ومنتجة. الشعبوية تحتاج دائمًا إلى عدو دائم، لأن استمرار الخوف يحافظ على التماسك السياسي حول الزعيم.

في العالم العربي المعاصر تظهر هذه الأزمة بوضوح شديد في الدول التي دخلت في اقتصاد الحروب والمحاور. المجتمعات التي تعيش انهيار الخدمات والبنية التحتية والعملة تُطالَب يوميًا بالصبر والتضحية من أجل القضية. حياة الناس تتحول إلى وقود لمعارك تتجاوز قدرتهم على الاحتمال. الأجيال الجديدة تُدفع إلى الهجرة الجماعية، بينما تستمر النخب السياسية في إنتاج الخطاب ذاته عن الصمود والانتصار التاريخي.

لبنان يقدم صورة شديدة القسوة عن هذه المعضلة. اللبناني الذي فقد مدخراته وفرص عمله واستقراره يسمع باستمرار أن الأولوية هي المواجهة الكبرى أو الحفاظ على التوازنات أو حماية الطائفة أو الدفاع عن السيادة. في الوقت نفسه ينهار التعليم والاستشفاء والاقتصاد وتتفكك الطبقة الوسطى. المواطن العادي يُطلب منه تحمّل الانهيار بوصفه جزءًا من معركة أكبر، بينما يعيش كثير من أصحاب السلطة خارج شروط الانهيار نفسه. وما معضلة حروب حزب الله إلا عارض يتكرر لمرض مزمن.

النتيجة النهائية لهذا المسار هي تدمير فكرة السياسة ذاتها. السياسة في معناها الطبيعي يفترض أن تكون وسيلة لتحسين حياة البشر وتنظيم مصالحهم وحماية كرامتهم اليومية. أما حين تتحول إلى إدارة دائمة للأزمات والتضحيات، فإن الإنسان يصبح مجرد أداة داخل مشروع أكبر منه. حقوقه الفردية تُؤجل باستمرار باسم المستقبل، بينما يتحول المستقبل نفسه إلى وعد مؤجل بلا نهاية. أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تُفسد المعنى الحقيقي لفكرة حقوق الشعب. الحقوق لا تعني فقط حق الجماعة في المقاومة أو السيادة أو الهوية، بل تعني أساسًا حق الفرد في حياة طبيعية وآمنة وكريمة. حقه في الكهرباء والتعليم والعمل والطبابة والسكن والاستقرار. المجتمعات التي تفقد هذا التوازن تتحول تدريجيًا إلى مجتمعات تعيش على التعبئة العاطفية بدل التنمية الحقيقية.

السلطة التي تحترم شعبها تقيس نجاحها بقدرتها على توسيع حياة الناس لا بتوسيع خطاب التضحية. تقاس بقدرتها على حماية الإنسان العادي من الخوف والفقر والإذلال، لا بقدرتها على إنتاج الشعارات الكبرى. التاريخ يُظهر أن الدول التي نجحت في بناء الاستقرار والازدهار لم تفعل ذلك عبر تحويل شعوبها إلى جيوش تعبئة دائمة، بل عبر بناء المؤسسات والقانون والاقتصاد والتعليم. فالحياة الكريمة ليست تفصيلًا برجوازيًا ولا مطلبًا ثانويًا أمام القضايا الكبرى. الإنسان الذي يعيش بلا أفق اقتصادي أو اجتماعي يفقد تدريجيًا ثقته بالدولة والمجتمع والمستقبل. وعندما يصبح الألم اليومي جزءًا طبيعيًا من الخطاب السياسي، تدخل المجتمعات مرحلة خطيرة من التبلد والانهيار البطيء. الشعوب تحتاج إلى الكرامة، لكن الكرامة الحقيقية تبدأ من حماية حق الإنسان في أن يعيش لا في أن يُستهلك باستمرار داخل مشاريع السلطة.

The post حين تتحول حقوق الشعب إلى أداة لحرمانه من الحياة الكريمة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية