تشهد الولايات المتحدة مرحلة بالغة الحساسية على المستويين الاقتصادي والمالي، في ظلّ تشابك عوامل داخلية وخارجية تضغط بقوة على الاقتصاد الأميركي، في مقدمتها الارتفاع القياسي للدين العام، واستمرار معدلات التضخم فوق المستويات التي يستهدفها مجلس الاحتياطي الفدرالي، إضافة إلى التداعيات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب مع إيران، والتوترات التجارية والقضائية الناتجة عن سياسات الرسوم الجمركية. وفي الوقت الذي تواصل فيه الأسواق الأميركية تسجيل مستويات قياسية، تتصاعد المخاوف من اتساع الفجوة بين أداء “وول ستريت” والاقتصاد الحقيقي، الذي يواجه ضغوطًا معيشية واقتصادية متزايدة.
وأظهرت البيانات الاقتصادية الأميركية الأخيرة تسارعًا جديدًا في معدلات التضخم، لا سيما عقب اندلاع الحرب مع إيران وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار الطاقة والوقود. فقد سجلت أسعار المنتجين في الولايات المتحدة خلال أبريل 2026 أكبر زيادة شهرية لها منذ أربع سنوات، مدفوعة بارتفاع حاد في أسعار الطاقة والمحروقات. كذلك، ارتفع المؤشر الأساسي لتضخم أسعار البيع بالجملة، الذي يستثني الغذاء والطاقة، بنسبة 5.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025، ليسجل أعلى وتيرة ارتفاع منذ أكثر من ثلاث سنوات.
على خلفية هذه البيانات، سجّلت عوائد السندات الأميركية ارتفاعًا لافتًا، خصوصًا عوائد السندات طويلة الأجل لأجل ثلاثين عامًا، التي تخطّت مستوى الخمسة في المئة، في دلالة واضحة على تنامي المخاوف في الأسواق المالية حيال مستقبل التضخم وقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استدامة ديونها.
تفاقم الضغوط الاقتصادية في زمن الحرب
قبل اندلاع الحرب مع إيران، كانت معدلات التضخم في الولايات المتحدة تتجه نحو تباطؤ تدريجي، عقب سلسلة طويلة من زيادات أسعار الفائدة التي نفذها مجلس الاحتياطي الفدرالي. غير أنّ إغلاق مضيق هرمز والتهديدات التي طالت إمدادات النفط العالمية قلبا المعادلة بشكل لافت، إذ قفزت أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار البنزين في الولايات المتحدة من نحو 2.9 دولار للغالون إلى أكثر من 4.4 دولارات في بعض الولايات.
وانعكس هذا الارتفاع بشكل مباشر على المواطن الأميركي، باعتبار أنّ الوقود يشكل عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الأميركي القائم على النقل والاستهلاك. فقد أدت زيادة أسعار البنزين إلى رفع تكاليف النقل والشحن وأسعار المواد الغذائية والخدمات، ما تسبب في تآكل القدرة الشرائية للأسر، ولا سيما لدى الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود. كذلك، تسبب ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء في زيادة أعباء فواتير المنازل والتدفئة، في وقت لم تواكب فيه الأجور الحقيقية هذا الارتفاع بالوتيرة نفسها، الأمر الذي أفضى إلى تراجع ملحوظ في مستويات الثقة الاستهلاكية.
في هذا السياق، تبرز مخاوف جدية من تآكل الطلب في الاقتصاد الأميركي، إذ إنّ استمرار التضخم المرتفع يدفع المستهلكين إلى تقليص الإنفاق غير الضروري، فيما تتطلب مواجهة التضخم الإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة، ما يزيد كلفة الاقتراض ويضغط على مستويات الإنفاق والاستثمار.
وبالرغم من هذه التحديات، لا يزال الاقتصاد الأميركي يستند إلى عوامل قوة رئيسية، في مقدمتها متانة سوق العمل والأداء القوي لشركات التكنولوجيا الكبرى. غير أنّ بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، بالتوازي مع استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة، قد يدفع الاقتصاد نحو تباطؤ حاد، خصوصًا إذا امتدّ أمد الحرب أو اتسعت رقعتها إقليميًا. ولهذا السبب، بدأت الأسواق تتحدث عن احتمال دخول الاقتصاد الأميركي في مرحلة من “الركود التضخمي”؛ أي تباطؤ النمو بالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار.
أما سوق العمل الأميركية، وعلى الرغم من احتفاظها بدرجة من المتانة، فقد بدأت تُظهر مؤشرات ضعف تدريجية. إذ لا تزال معدلات البطالة منخفضة مقارنة بالمستويات التاريخية، غير أنّ وتيرة التوظيف شهدت تباطؤًا ملحوظًا، بالتزامن مع تزايد عمليات التسريح في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والنقل. ومع ارتفاع كلفة الاقتراض وتراجع الطلب الاستهلاكي، أصبحت الشركات أكثر حذرًا في خطط التوسع والتوظيف، وسط تصاعد المخاوف من تباطؤ اقتصادي أوسع نطاقًا.
قطاعات تحت الضغط وتصاعد حالات الإفلاس
تواجه الشركات الأميركية بدورها ضغوطًا مالية متزايدة، إذ شهد العام 2025 ومطلع العام 2026 ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الشركات التي تقدّمت بطلبات الحماية من الإفلاس، ولا سيما في قطاعات الطيران والعقارات التجارية والتجزئة، إضافة إلى عدد من الشركات الصناعية الصغيرة والمتوسطة. ويُعزى ذلك إلى ارتفاع تكاليف التمويل والطاقة، إلى جانب ضعف الإنفاق الاستهلاكي وتفاقم أعباء الديون.
وكانت شركات النقل والطيران من بين الأكثر تضررًا بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، في حين استفادت شركات الطاقة والدفاع والصناعات العسكرية من تصاعد التوترات الجيوسياسية وزيادة الإنفاق العسكري.
وفي السياق عينه، تصاعدت الضغوط على الاقتصاد الأميركي مع تفاقم أزمة الرسوم الجمركية والعقوبات التجارية. فقد تلقّت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربة قضائية بارزة، بعدما قضت المحكمة العليا الأميركية بعدم قانونية جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فُرضت استنادًا إلى صلاحيات الطوارئ. واعتبرت المحكمة أنّ فرض رسوم بهذا الحجم يستوجب موافقة الكونغرس، وهذا ما فتح الباب أمام مطالبات باسترداد مليارات الدولارات التي دفعتها الشركات الأميركية على شكل رسوم جمركية.
وأدت هذه التطورات إلى تعميق حالة عدم اليقين التجاري، وهذا ما انعكس سلبًا على قطاعات الزراعة والصناعة والتصدير، وزاد من حدة التوتر بين الإدارة الأميركية والأسواق والشركاء التجاريين.
أداء استثنائي للأسهم رغم تصاعد المخاطر
في المقابل، تواصل أسواق الأسهم الأميركية تسجيل مستويات قياسية، ما يثير جدلًا واسعًا حول مدى تعبير أداء الأسواق المالية عن واقع الاقتصاد الحقيقي. فالمكاسب التي تحققها “وول ستريت” تتركز بدرجة كبيرة في أسهم شركات التكنولوجيا العملاقة والذكاء الاصطناعي والشركات الدفاعية، من دون أن تعكس بالضرورة أوضاع الاقتصاد الفعلية أو مستوى معيشة المواطنين الأميركيين.
ويرى كثير من المحللين أنّ السوق الأميركية باتت “تغرّد خارج السرب”، مدفوعة بتدفقات السيولة والمضاربات وتوقعات الأرباح المستقبلية لشركات محددة، لا نتيجة تعافٍ اقتصادي متوازن يشمل مختلف القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية.
أزمة الدين… التحدي الاقتصادي الأكبر
في خضم هذه التطورات، تبقى أزمة الدين الأميركي من أبرز التحديات الاقتصادية المطروحة حاليًا، بعدما تجاوز الدين العام مستويات تاريخية غير مسبوقة، بالتزامن مع استمرار العجز المالي وارتفاع كلفة خدمة الدين نتيجة أسعار الفائدة المرتفعة. كذلك، بدأت سوق السندات الأميركية تُظهر مؤشرات قلق متزايدة، مع الارتفاع الملحوظ في عوائد السندات، في انعكاس واضح لمخاوف المستثمرين بشأن التضخم وقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على استدامة ديونها على المدى الطويل.
ويعني ارتفاع العوائد زيادة كلفة الاقتراض على الحكومة والشركات والأفراد في آنٍ واحد، ما يفرض ضغوطًا إضافية على النشاط الاقتصادي ويزيد من احتمالات تباطؤ النمو خلال المرحلة المقبلة.
وبالرغم من أنَّ الحديث عن “انفجار وشيك” لفقاعة الدين الأميركي لا يزال يُعدّ مبالغًا فيه نسبيًا، نظرًا إلى المكانة العالمية للدولار وحجم الاقتصاد الأميركي، فإنّ استمرار هذا المسار قد يؤدي تدريجيًا إلى إضعاف الثقة بالسندات الأميركية، ولا سيما إذا واصلت واشنطن تمويل العجز عبر التوسع في الاقتراض.
في موازاة ذلك، تتباين الآراء بشأن أداء مجلس الاحتياطي الفدرالي بقيادة جيروم باول خلال السنوات الأخيرة، إذ واجه البنك المركزي واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية تعقيدًا منذ عقود. فقد اعتمد “الفدرالي” سلسلة من الزيادات السريعة والمتتالية في أسعار الفائدة بهدف كبح التضخم، ما ساهم جزئيًا في تهدئة وتيرة ارتفاع الأسعار خلال عامَي 2024 و2025، لكنه أدى في المقابل إلى ارتفاع كلفة القروض العقارية وتمويل الشركات، وترك آثارًا سلبية على قطاعات العقارات والصناعة والمصارف الإقليمية.
الاقتصاد الأميركي تحت الاختبار
مع اندلاع الحرب مع إيران، وجد مجلس الاحتياطي الفدرالي نفسه أمام معضلة جديدة، إذ عاد التضخم إلى الارتفاع مدفوعًا بزيادة أسعار الطاقة، في وقت يشهد فيه الاقتصاد الأميركي تباطؤًا متزايدًا في النمو. وقد أقرّ جيروم باول بأنّ الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالحرب يسهمان بصورة مباشرة في إبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة.
وعلى الصعيد السياسي، بدأت التكاليف العسكرية والاقتصادية للحرب تنعكس على شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واستمرار الضبابية الجيوسياسية، كلّها عوامل تؤثر في المزاج الشعبي الأميركي. كما تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في نسب التأييد لأداء الإدارة على المستوى الاقتصادي، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات المرتبطة بإدارة الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة شديدة التعقيد: اقتصاد لا يزال يمتلك عناصر قوة ومرونة مهمة، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطًا تاريخية مرتبطة بالتضخم والدين والحروب والتوترات التجارية. وستكون نتائج الحرب مع إيران، ومسار أسعار الطاقة، والسياسات التي سيتبعها الاحتياطي الفدرالي، عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كان الاقتصاد الأميركي سينجح في تجنّب أزمة أعمق، أم أنّه مقبل على مرحلة أكثر اضطرابًا خلال السنوات المقبلة.
رمزا زخريا – المدن
The post في زمن الحرب الاقتصاد الأميركي يواجه معادلة معقّدة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





