منذ الإعلان عن «الهدنة المؤقّتة»، كثّف جيش الاحتلال الإسرائيلي من عمليات تفجير وتجريف المنازل والبنى التحتية والمرافق العامة الواقعة داخل منطقة «الخط الأصفر» الحدودية وفق تصنيفات جيش الاحتلال. سياسات المحو والتدمير الشامل غير المسبوقة، والتي تُشكِّل «انتهاكات جسيمة» لأحكام القانون الدولي الإنساني، تُعدّ استكمالاً للمسار الذي بدأه العدو بعد حرب 2024 في القرى الجنوبية الأمامية، ويهدف من خلاله إلى فرض واقع أمني طويل الأمد، وإعادة صياغة الحيّز الجغرافي الحدودي
على مدى الأيام التي أعقبت إعلان «وقف إطلاق النار»، راقب سكان القرى الحدودية مشهدية محو قراهم وبلداتهم، عبر صور الأقمار الاصطناعية ومقاطع الفيديو التي نشرها جيش الاحتلال، أو من خلال صور التُقطت من بلدات مجاورة. لم يكن سهلاً على هؤلاء أن يروا مراتع طفولتهم تتحوّل تباعاً إلى ركام، في ما يُفترض أنه زمن «هدنة»، لا في ذروة العمليات العسكرية.
يقف محمد أبو جهجه، ابن بلدة حانين (قضاء بنت جبيل)، أمام صورة قريته التي يحفظ تفاصيلها، وهي تُمحى من جديد. يقول: «كأنّ الذاكرة نفسها تُقصف». يضيف أن وقع المشهد مضاعف القسوة، «لأنه مألوف. جرح تعلّمنا اسمه منذ أواخر السبعينيات، وعشناه مجدّداً بعد عام 2006، وها هو يعود اليوم بثقل أكبر».
أبو جهجه، المولود في مطلع الثمانينيات، يجد نفسه أمام امتحان قاسٍ حين يسأله أولاده عن المكان الذي زرع حبّه في قلوبهم. «أتمسّك بالصور التي عرفناها معاً، بالبيت الذي أردته ملاذاً لوالدي بعد تقاعده، وبغابة ديريا التي حمت القرية سنديانها من الحرائق لأنها تشبهنا: تُحرق وتعود. نحن أيضاً نعود»، يقول بثبات، مضيفاً أن «حانين قامت سابقاً، وستقوم مجدّداً».
خلال السنوات الثلاث الماضية، واكبت الصحافية زينب فرج، ابنة بنت جبيل، التحوّلات التي فرضتها الحرب على القرى الحدودية. تقول: «كنّا نراقب كلّ مرّة كيف كانت البيوت والمرافق الأساسية تنقص تباعاً، أمّا اليوم فنرى المشهد مكتملاً، وأكثر قسوة». وترى أن ما يجري يتجاوز التدمير المادي إلى «محاولة محو الذاكرة الجماعية». ومع ذلك، «أهل الجنوب يمتلكون القدرة على إعادة المعنى للحجر، وصناعة الذاكرة من جديد».
وضّاح جمعة، الناشط في توثيق تراث بنت جبيل، يستعيد صورة «سوق الخميس» الشعبي، الذي كان يشكّل «كرنفالاً ومساحة جامعة لأبناء المنطقة فضلاً عن كونه سوقاً تجارياً». يشير إلى أن استهداف النسيج العمراني ليس جديداً، إذ «بدأ تدمير التراث المعماري والنسيج الاجتماعي للمدينة مع اجتياح 1978، مروراً بحرب تموز 2006 حين دُمِّر جزء كبير من وسط البلدة القديم». لكنّ ما يحدث اليوم «نكبة حقيقية»، مع نسف كامل لوسط بنت جبيل القديم وبيوت ومعالم تراثية أخرى. ويضيف: «ما يجري في بنت جبيل وعيناثا وميس الجبل وعيترون ويارون ومارون وبليدا هو محاولة لشطب علاقة الأجيال القادمة بأهلها وأرضها وتاريخها»، محذّراً من «فقدان قرى جبل عامل لهويتها المعمارية والتراثية نهائياً، وتحوّلها لاحقاً، بعد إعادة الإعمار، إلى ضواحٍ سكنية متشابهة فاقدة للهوية».
من جانبها، تقول رؤى شرف الدين، ابنة الطيبة (مرجعيون) إنّ «شعوراً ممزوجاً بالألم والفخر» يصيبها عندما تتحدَّث عن بلدتها التي كانت إحدى ساحات المقاومة في هذه الحرب. يصعب عليها رؤية مشاهد نسف البيوت والأماكن التراثية التي تُميِّز بلدتها مثل الجامع المعروف بقبّته العالية، وعين الطيبة التي «لا نعرف مصيرها»، وسوق الأربعاء، وساحة الطيبة التي جرّفها الاحتلال، و«التي شهدت على بطولات المقاومين أخيراً». مع ذلك، تجزم: «لن نقبل بالمحو. سنعود إلى الطيبة ونبنيها حجراً حجراً».
وفي مارون الرأس، تختصر سناء فارس المشهد بعبارة واحدة: «لا كلمات تصف هول ما رأيت». تضيف: «كُسرت قلوبنا، لكنّ إرادتنا لم تُكسر. كل محاولات محو بلداتنا لن تمنعنا من إعادة إعمارها، أجمل مما كانت».
أسئلة «اليوم التالي»
في المرّة الأخيرة التي زار فيها حسين سرحان بلدته كفركلا، قبل نحو أسبوع من الجولة الأخيرة للحرب، كان يحاول مطابقة الصورة التي يحتفظ بها في ذاكرته مع الواقع المستجِد الذي غيَّر الكثير من معالمها. في كل زيارة، كان يكتشف تفصيلاً جديداً في حجم الدمار وشكله. في الأسابيع الأخيرة هدمت الجرّافات ما تبقّى من بيوت ومبانٍ ومعالم. كان «نموذج كفركلا» سابقة يجري تعميمها الآن في القرى والبلدات الأخرى بوتيرة متسارعة.
لم ينجُ معظم الإرث الثقافي والعمراني في البلدة القديمة من جريمة الإبادة: المقبرة التاريخية تطايرت شواهد قبورها لمسافات بعيدة قبل أن تُجرف، مقام «سيدنا الخضر»، مسجد وحسينية «الإمام الحسن»، وقبور تاريخية طُمست معالمها. معصرة زيتون يعود عمرها إلى نحو مئتي عام اختفت، وحارة كاملة تضمّ بيوتاً يتجاوز عمر بعضها ثلاثة قرون أُزيلت بالكامل. «كل حجر له قصة هنا»، يقول سرحان، الذي لم يتمكّن منذ حرب 2024 من الوصول إلى ركام منزله في محلة تل النحاس، بسبب وقوعه ضمن ما يُعرف بـ«المنطقة الحمراء».
لا يعرف ابن كفركلا ماذا فعل رئيس الحكومة بغصن الزيتون الذي أهداه إياه أثناء زيارته اليتيمة إلى المنطقة قبل أشهر. لكنّه، رغم صعوبة الواقع وتعقيداته، يتمسّك بأمل العودة يوماً، لإعادة بناء بيته واستئناف حياته اليومية، بما فيها رحلته المعتادة إلى الخيام لتدريس مادة الكيمياء.
في قرية الضهيرة (صور) حيث ترك عصام هايد الصالح «أعمارنا معلّقة على جدران منازلنا التي صارت رماداً»، يشتاق أستاذ المدرسة إلى أطفال «كانوا يرسمون الحياة بأقلام مُلوَّنة».
ويعود بالذاكرة إلى «تلك الشجرة عند أطراف عين الزرقا حيث أجلس يومياً تحتها في خيالي». يقول: «رغم كل شيء، لن نترك الضهيرة؟ سنعود لنعلّم أبناءنا أسماء الشوارع التي لم تَعُد موجودة ونقول لهم: هنا كنّا وهنا سنكون».
يرى طارق مزرعاني، ابن بلدة حولا الحدودية، أن «تدمير القرى في ظل ما يُفترض أنه وقف لإطلاق النار هو قتل بدم بارد». وبعد نحو ثلاث سنوات من النزوح، يطرح أسئلة مفتوحة عن اليوم التالي: «هل سنعود فعلاً؟ وإذا عدنا، ماذا سنجد؟ هل بقيت قرى يمكن إعادة بنائها؟ ماذا عن التعويضات وآليات توزيعها؟ وهل يمكن أن تعود الحياة كما كانت، أو الثقة التي أعقبت حرب 2006؟». ويضيف أن هذه الأسئلة، وإن بدت مبكرة، تبقى مشروعة في ظل غياب أي رؤية واضحة. ويقول: «حتى لو كنا متفائلين وتمكنّا من إعادة الإعمار، فإن شيئاً ما انتهى إلى غير رجعة. المعالم القديمة والتراثية مثلاً لا يمكن تعويضها».
محو الذاكرة المكانية
مِن منظور عمراني – اجتماعي، يعمل العدو على إعادة صياغة الحيِّز الحدودي في القرى الجنوبية. ويريد من خلال محاولاته فرض واقع جديد أن يحوّل المنطقة الحدودية من فضاءات مأهولة بالحياة وعلاقات اجتماعية واقتصاد محلي إلى منطقة «مُعلَّقة» غير مستقرّة. لذلك تتقاطع الأبعاد العسكرية لدى الإسرائيلي مع مفاهيم مثل الإبادة العمرانية وقتل البيت وتدمير ذاكرة المكان. استهداف المكان صار وسيلة لإعادة رسم الجغرافيا الاجتماعية والسياسية للقرى الحدودية، وليس مجرّد «أضرار جانبية» للحرب.
في تفسير مشهد المحو في قرى النّسَقين الأول والثاني في الجنوب، يوضح حيدر مستراح، المهندس المعمار والمتخصّص في علم اجتماع وأنتروبولوجيا المدينة، دلالات المفاهيم الثلاثة المترابطة أفقياً. الأول، وهو الإبادة العمرانية (URBICIDE) وتعني قتل شروط العيش في المكان، إذ إن العدو «يستهدف العمران بوصفه نظامَ حياة متكاملاً، من شبكة الطرقات والمياه والكهرباء والزراعة والمساجد والمدارس والساحات وحتى المقابر، محاولاً بذلك جعل المكان غير صالح للسكن وغير قابل للاستئناف الاقتصادي وغير قابل لاستعادة النمط الروتيني اليومي الذي كان سائداً».
أمّا النظرية الثانية، أي «قتل البيت» (DOMICIDE) فتهدف إلى ضرب وحدة الانتماء. «لا تنظر إسرائيل إلى البيت بوصفه مجرّد عقار بل كسجِلّ عائلي وامتداد للهوية. الناس في هذه البيوت راكموا صوراً وأرشيفاً لعائلات وعلاقات وعادات وأنماط سلوك وتاريخ ممتدّ». لذلك تسعى إسرائيل لتفكيك السلسلة التي تربط الأجيال بالمكان عبر ضرب فكرة الانتماء إلى القرية ولا سيما من أبناء الجيل الجديد.
المصطلح الثالث وهو «محو ذاكرة المكان» (MEMORICIDE)، حيث يحاول العدو تدمير وطمس المعالم المادية التي تحفظ الذاكرة الجماعية، كالمباني التراثية والساحات والمساجد والمقابر التي تحمل طابعاً تاريخياً، بهدف «قطع استمرارية التاريخ والهوية، إذ إن الربط المادي بين الأجيال والتاريخ لا يعود موجوداً، ما يؤسّس لاحقاً لإعادة صياغة الهوية».
نتيجة لكل ذلك، يرى مستراح أنّ محو العمران أشبه بـ«قطع الأسلاك»، حتى لو بقي الناس أحياء، إذ «تتفكّك المنظومة التي تجعل المجتمع واحداً، وهذه مسألة خطيرة جداً، إضافة إلى إعادة تعريف علاقة الناس بأرضهم غير الآمنة والمستقرّة». لكن، ما يمنع ذلك مستقبلاً هو «تحقّق شروط العودة المكتملة والدائمة على المستويات الأمنية والعمرانية والاقتصادية والاجتماعية والنفسيّة».
بين «العقيدة الأمنية» الإسرائيلية و«بزنس» الحرب!
إضافة إلى القصف الجوي والمدفعي المتواصل على البلدات الجنوبية، تتواصل عمليات واسعة من التفجير والتجريف والحرق والتخريب المُمَنهج. ويستعين جيش الاحتلال لذلك بِفِرَق هندسية مدنية متخصّصة ومُدرّبة حتى على أعمال سرقة البيوت. وهذه الفرق «لديها قدرة سريعة على التنفيذ في وقت قصير نسبياً»، يقول المتابعون. وبينما تصِل أصوات التفجيرات اليومية إلى أماكن بعيدة، فإن عملية تجريف البيوت والطرقات والمرافق الأخرى تجري بـ«صمت»، وتُلزَّم لمتعهّدين مدنيين لا يقيسون الأمر سوى بما يتقاضونه من أجر مادي على كلّ متر مُكعّب.
«تدمير بيوت الناس وحياتهم وذكرياتهم يتحوّل إلى بزنِس عادي. شيء ربما لم تقم به سابقاً أيّ دولة»، يقول هؤلاء. ويتّضح من خلال طبيعة الأعمال التي يقوم بها الاحتلال إضافة إلى تصريحات قادته شبه اليومية أنه يسعى لتغيير كامل الواقع الأمني والجغرافي والديمغرافي في هذه المنطقة وتحويلها إلى «أرض خالية من البشر والحجر والشجر تمهيداً لجعلها منطقة عازلة غير قابلة للحياة مستقبلاً، وقابلة لتنفيذ مخطَّطات خطيرة عليها»، كما جاء في بيان لـ«تجمُّع أبناء البلدات الجنوبية الحدوديّة».
والتدمير المُمنهج والشامل لعدد من القرى والبلدات الجنوبية لا يمكن، في أيّ حال، فصله عن «عقيدة إسرائيلية أمنية استجدَّت بعد طوفان الأقصى»، وتقوم في جانب أساسي منها على «إقامة مناطق عازلة داخل أراضي الخصم، واقتطاع أراضٍ وفق مبدأ الإخضاع الأمني لمناطق العدو، وفي الوقت ذاته تدمير كلّي للمناطق الجغرافية، وبالتالي خلق صحراء محيطة بكل معنى الكلمة» على ما يوضِح نبيه عواضة، المتخصّص في الشأن العبري. وتقوم العقيدة العسكرية الراهنة أيضاً على مبدأ أساسي، هو حرية الحركة لجيش الاحتلال، أي تنفيذ عمليات عسكرية بشكل دائم وفي كل المناطق وفق تقديره للمخاطر، إضافة إلى ما يُعرف بـ«حرب الظلال» الأمنية التي مارسها الموساد الإسرائيلي على مدى عقود، ويجري اليوم تفعيلها.
فراس خليفة – الاخبار
The post الإبادة العمرانية: حرب لمحو الذاكرة الجماعية في الجنوب appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






