"سرديتان لا تصنعان وطناً": لبنان الإسرائيلي ولبنان الإيراني

التاريخ: 11 نيسان 2026
"سرديتان لا تصنعان وطناً": لبنان الإسرائيلي ولبنان الإيراني

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

أخطر ما يواجهه لبنان اليوم، هو خلق سرديات جديدة هدفها أن تترسخ في الوعي واللاوعي وجعله منقسماً إلى قسمين، لبنان الإسرائيلي أو لبنان الإيراني. والأكثر خطراً أن يستسلم اللبنانيون للغرق في نقاش هذه السرديات، لكأنها تتحول إلى قواعد ثابتة تحتكم إليها السياسة في البلاد. منذ لحظة دخول الهدنة الأميركية الإيرانية، شكل لبنان ورقة للمساومة، وهذا ما انعكس صراعاً داخلياً عمّق الانقسام العمودي، بين من يرى أن إيران هي صاحبة الفضل بفتح باب التفاوض اللبناني الإسرائيلي وجلب وقف إطلاق النار، وآخرين اعتبروا أن ذلك يتحقق بفعل لبناني صرف وبنتيجة جهود من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة بهدف إيقاف الحرب الإسرائيلية.

وراثة دور إيران

عملياً، يعيش لبنان منذ سنوات بكنف نفوذ إيراني مطلق، وهو ما تقوض بعد الحرب الإسرائيلية الماضية في العام 2024، إذ دخلت المنطقة كلها في تحولات كبيرة أبرز ما نتج عنها التغيير الاستراتيجي في سوريا وسقوط نظام بشار الأسد. تراجع نفوذ إيران، فيما حصل تسابق إسرائيلي مقابل دول عربية لملء الفراغ في سوريا كما في لبنان، فأنجزت ترتيبات إعادة تركيب السلطة في البلدين، وهو ما لا تريد له إسرائيل أن يستقر، فأصرت على تخريب المسارين السوري واللبناني ومواصلة زعزعة الاستقرار فيهما، لكأنها تريد هي بنفسها أن تعمل على وراثة دور إيران ونفوذها، لتتحول المعركة إلى تنافس إيراني إسرائيلي حول من يثبت نفوذه أو يفرض وصايته.

النفوذ لمن؟

إثر اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فعّلت طهران نشاط حلفائها العسكري على جبهات متعددة ومن ضمنها لبنان، وأرادت أن تعيد رسم المشهد، أو التغيير في اللوحة التي تشكلت، لذلك وسّعت نطاق هجومها مع سعيها للحفاظ على تماسك نظامها الداخلي، وفي نيتها العودة إلى الساحة الإقليمية واستعادة نفوذها، فهي أيقنت أن الحفاظ على نظامها ونفوذها يكمن في الحفاظ على حلفائها، ومن هنا جاء التمسك الإيراني بشرط وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان لإنجاح المفاوضات مع الولايات المتحدة الأميركية في باكستان. في المقابل، تهدف إسرائيل إلى سحب الورقة اللبنانية من طهران، وقررت الدخول في مفاوضات مباشرة مع بيروت استعجلت عليها مع مساع أميركية لترتيب الاتصال الأول بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ونظيرها الإسرائيلي كاستباق لموعد حصول المفاوضات الإيرانية الأميركية، ولإضفاء صورة الفصل بين الملفين.

لماذا التحركات؟

كان القرار اللبناني بالتفاوض مع إسرائيل قد اتخذ بالتوافق بين الرؤساء جميعهم، ولم يعترض أحد على مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون، ولا على المسار الذي عمل عليه رئيس الحكومة نواف سلام وصولاً إلى زيارته المرتقبة للولايات المتحدة الأميركية ولقائه. ولكن فجأة تشهد بيروت تظاهرات وتحركات هدفها الهجوم على الحكومة وعلى شخص رئيسها، على الأرجح أن غالبية المشاركين فيها ليس لديهم سبب واضح أو هدف معروف للتظاهر والاحتجاج، إلا للإشارة أو الاستدلال على مسألة رفض المفاوضات التي سيخوضها لبنان، وهو الذي يتمسك بمطلب وقف إطلاق النار قبل الدخول إليها، تماماً كما كان الحال بالنسبة إلى التفاوض الإيراني.

7 أيار وضربات إسرائيل

لم يُقدَّم جواب واضح حول هدف هذه التظاهرات، وإذا كان المطلب رفض التفاوض والتراجع عنه، أو إشاحة النظر عن التفاوض بتحميل مسؤوليته ومسؤولية الدوافع إليه لطرف آخر هو رئيس الحكومة، لا سيما أن هذه التحركات جاءت بعد تسريبات كثيرة تبناها خصوم حزب الله عن تحضيره واستعداده للقيام بانقلاب على الحكومة ولو اقتضى ذلك الذهاب لما هو أبعد من إسقاط الحكومة بالشارع من خلال الاحتجاجات أو بالسياسة من خلال استقالات وزارية أو في مجلس النواب، إذ ما جرى الترويج له بأن الانقلاب كان يصل إلى حدود اللعبة الأمنية والعسكرية المشابهة لما جرى في 7 أيار 2008. وقد جاءت هذه السردية متزامنة مع المجازر التي ارتكبتها إسرائيل في بيروت وعلى كل الأراضي اللبنانية يوم الأربعاء، حتى أن البعض وضع الضربات الإسرائيلية في سياق ضربة استباقية لمخطط حزب الله الانقلابي على الحكومة والدولة ككل.

خطر السرديتين

هنا غرق لبنان بين سرديتين، إحداهما روجت للانقلاب والمساهمة الإسرائيلية في إفشاله، وثانيهما بتحركات شعبية هدفها مواجهة الحكومة وتوجيه اتهامات لرئيسها كما لرئيس الجمهورية بأنهما يتبنيان المطالب الخارجية بالكامل، وصولاً إلى اتهامهما بـِ “الأسرلة” التي للمفارقة أيضاً تستوجب بمفهومهم الانقلاب عليها. علماً أن المشكلة اللبنانية تتجاوز كل هذه السرديات والتسويقات، وتهدد كيانية البلد ووحدته. ما بين السرديتين، يُضعف لبنان نفسه أكثر، ويعطي لإسرائيل هدية هي أكثر ما تطمح إليه في هذه المرحلة وعلى أبواب تفاوض تنتظره لتفرض شروطها وتسعى خلاله إلى نهش ما تبقى من هذا “اللبنان” وجنوبه.

فرصة لإسرائيل

ما أقدمت عليه الحكومة، في كل قراراتها، هو ما ورد في بيانها الوزاري وخطاب القسم لرئيس الجمهورية جوزاف عون، وهو ما نالت عليه الحكومة ثقة البرلمان مرتين وبتأييد من كتلة الوفاء للمقاومة، التي لا تزال ممثلة في الحكومة. ولا يمكن للبنان أن يحتمل اتهام رئيس حكومته بـِ “الصهيوني”، وليس الوقت الملائم لتحريك الشارع في ظل حالة احتقان متعاظمة لدى مختلف المكونات اللبنانية، لا سيما أن الوضع في لبنان يحتاج إلى شرارة صغيرة كي يشتعل وينفجر ويتشظى، وإسرائيل لن تفوت أيَّة فرصة من هذا النوع في هذه الظروف الدقيقة. لذا فإن ما يحتاجه لبنان، هو مقاربة الأمور بمصاعبها وجوهرها بدلاً من الالتفاف من حولها، ذلكَ بالتفاوض المباشر مع حزب الله حول الظروف والوقائع والتحولات، التي تفرض تغييراً كاملاً بآلية التفكير بما يختلف عن كل ما سبق، بهدف توحيد الموقف وتحقيق إنجاز على المستوى الداخلي بتقوية الدولة بدلاً من إضعافها، وبما يفرض قوتها بعيداً عن أي إملاءات أو فروض خارجية، ولمنع أي استثمار خارجي.

سيناريوهات الماضي مستحيلة

الأهم، هو النظر بعناية لكل المتغيرات على المستويين الدولي والإقليمي، فلبنان لا يجد من يقف معه، ويحتاج لأن يقف مع نفسه، لا جهة راعية، ولا دولة داعمة، وكل سيناريوهات الماضي لا يمكن أن تتكرر أو تنطبق على الواقع الحالي، فالظرف مختلف جذرياً عن 1984، وعن 2006، والـ 2008، فلا مجال للانقلاب، لأنه سيؤدي إلى القضاء على ما تبقى، ولا مجال حتى لإسقاط الحكومة المحصنة داخلياً وخارجياً بالمعاني السياسية والدولية والشعبية، وهذا ما يجعل أي تحرك من هذا النوع يقود إلى انفجارات متتالية أو محاولات لتناتش لبنان أو جغرافيته بين مكوناته المختلفة التي ستبحث عن جهة خارجية توفر لها ما يدعمها ويعزز موقعها، وهو ما سيكرس “أكثر من لبنان” بعضه إيراني، وآخره إسرائيلي، ثالثه سوري، وما بين بيروته وضاحيتها، مناطقه وبلداته وقراه صراعات حول من يحظى بوقف النار، ومن يبقى تحتها.

منير الربيع – المدن

The post "سرديتان لا تصنعان وطناً": لبنان الإسرائيلي ولبنان الإيراني appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية