تخطف أسعار المحروقات أنظار اللبنانيين عند كلّ أزمة دولية وإقليمية، إذ يدفع لبنان دائماً حصّته من تلك الأزمات التي تختمر مع النتائج الكارثية الداخلية التي راكمتها سلطة الفساد على مدى عقود. وينال لبنان نصيبه من الحرب الأميركية الإيرانية الراهنة التي تظهر بعض نتائجها عبر أسعار المحروقات محلياً، التي بدورها تؤثّر على أكلاف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.
وليست المرّة الأولى التي يدفع فيها اللبنانيون ثمن الصراعات الدولية عن طريق المحروقات. فالذاكرة القريبة تعود إلى بداية الحرب الروسية الأوكرانية، حين تحرّكت أسعار النفط عالمياً وارتفعت معها أسعار البنزين والمازوت داخلياً. وبين الحربين وأرقام النفط وأسعار المحروقات، مستجدّات كثيرة وتباينات تضع اللبنانيين أمام قلق دائم وخوف من المجهول.
النفط رفيق الأزمات
تلتصق أسعار النفط بالأزمات والمتغيّرات السياسية والأمنية على مستوى العالم. وكلّما تصاعدت الأزمات، حلّقت أسعار النفط. ووحدها أزمة انتشار فيروس كورونا في العام 2020، دفعت أسعار النفط إلى التراجع بفعل الإقفال العالمي وتقلّص النشاط الاقتصادي. ولم يكد الكوكب يستعيد نشاطه إثر انحسار الوباء، حتى جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لترفع أسعار النفط عالمياً. إلاّ أنّ الحرب الأميركية الإيرانية غذّت تصاعد الأسعار وفتحت الاحتمالات نحو صعود مخيف، إذ يتوقّع بنك سوسيتيه جنرال أن يصل سعر برميل النفط إلى نحو 125 دولاراً في شهر نيسان، وإلى نحو 150 دولاراً حتى نهاية العام الجاري.
ويتعامل اللبنانيون سريعاً مع الأزمات المرافقة لارتفاع أسعار النفط. إذ تحلّق أسعار البنزين والمازوت وتصطفّ السيارات أمام محطّات المحروقات، فيما تعجز السلطة السياسية عن التعامل مع الأزمة بالطرق المناسبة، فتتفاقم النتائج السلبية مع تراكم الفوضى التي تدعم ظهور السوق السوداء والتخزين والاحتكار.
شباط وأربع سنوات
للمصادفة، اشتعلت الحرب الأميركية الإيرانية والحرب الروسية الأوكرانية في شهر شباط، بفارق أربع سنوات بين الحربين. وهذا التزامن، رافقه تزامن ارتفاع أسعار النفط.
الحرب المستعرة راهناً، انطلقت في 28 شباط 2026، وحملت معها ارتفاعاً في سعر برميل النفط من نحو 72 دولاراً في نهاية شباط، إلى نحو 77.74 دولاراً في بداية آذار، وفق وكالة رويترز. أمّا في 9 آذار، فسجّل النفط رقماً قياسياً عند 119.50 دولاراً للبرميل. إلاّ أنّ الأسعار هدأت بعد منتصف الشهر، لتعود في 23 آذار إلى نحو 99.94 دولاراً للبرميل. وتأرجحت الأسعار عند نهاية آذار بين 104.13 و118.75 دولاراً.
وبالعودة 4 سنوات إلى الوراء، أي إلى شباط 2022، تحرّكت أسعار النفط على وقع انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية. وارتفع سعر البرميل من نحو 96 دولاراً قبل 24 شباط من ذلك العام، إلى حدود 102.09 في نهاية الشهر، بحسب وكالة رويترز التي بيّنت أيضاً أنّ سعر البرميل تراجع مع بداية شهر آذار إلى 98.72 دولاراً، ليقفز بعد أسبوع إلى 127.86 دولاراً. وفي نهاية الشهر كان قد تراجع إلى نحو 108 دولارات.
نتائج التصعيد العسكري وتحليق أسعار النفط، انسحبت على لبنان. وعلى وقع الحرب الروسية الأوكرانية، كانت أسعار المحروقات في لبنان ترتفع متأثّرة بالارتفاع العالمي. فتراوح سعر صفيحة البنزين في بداية شباط 2022 بين 17.2 و17.7 دولاراً، (للعيارين 95 و98 أوكتان) وسجّلت صفيحة المازوت 15.7 دولاراً. وفي نهاية شباط سجّل البنزين بين 17.4 و17.9 دولاراً والمازوت نحو 16 دولاراً (كان سعر صرف الدولار نحو 20700 ليرة).
وفي بداية آذار من العام نفسه، سجّل البنزين نحو 16 إلى 16.4 دولاراً، والمازوت 14.5 دولاراً. وفي نهاية الشهر، حلّق البنزين إلى ما بين 20.6 و21 دولاراً والمازوت نحو 23 دولاراً (سعر الصرف نحو 23 ألف ليرة).
وبعد تصاعد التهديد بانفجار الأزمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، كانت أسعار النفط تتحضّر للارتفاع على وقع المخاوف. وتُرجِمَ ذلك في لبنان بقفز أسعار المحروقات من ما بين 14.5 و15 دولاراً للبنزين، و13.7 دولاراً للمازوت، سُجِّلَت في كانون الثاني 2026، إلى ما بين 20.2 و20.7 للبنزين و15.5 دولاراً للمازوت، سُجِّلَت في نهاية شباط مع انفجار الحرب بين أميركا وإيران.
وفي بداية شهر آذار 2026 وصل سعر البنزين إلى ما بين 20.3 و20.8 دولاراً، ووصل سعر صفيحة المازوت إلى 15.7 دولاراً. ومع نهاية الشهر، كانت أسعار البنزين ترتفع لتتراوح بين 26.5 و27 دولاراً، فيما سجّل سعر المازوت 26.2 دولاراً.
بين حربين
في الحرب التي اندلعت في العام 2022 كان العالم أمام عرقلة إمدادات النفط من دولة منتجة كبيرة، بات من الصعب عليها نقل نفطها إلى دول أخرى. لكن في حرب العام 2026 باتت ممرّات النفط عالمياً مهدّدة، وتحديداً مضيق هرمز الذي يشكّل بوابة لعبور نحو 20 بالمئة من النفط العالمي، وتأثّرت دول كبرى منتجة للنفط بهذا التهديد، وخصوصاً دول الخليج. ولذلك، فإن بدائل النفط الروسي في العام 2022 كانت جاهزة، لكنّها اليوم مهدّدة. فالمسألة هذه المرة لا تتعلّق فقط بتوفير الكمية، وإنما بضمان نقلها وإيصالها إلى الأسواق بلا مخاطر، وهذا أمر صعب ورَتَّبَ ارتفاعاً في أسعار الشحن والتأمين.
ولبنانياً، نحن نستورد كامل حاجتنا النفطية؛ أي أنّنا محكومون بحركة شحن يفترض أن تكون سريعة، فضلاً عن كوننا لا نملك مخزوناً استراتيجياً قادراً على تأخير تداعيات التحوّلات السريعة لأسعار النفط. وبالتالي، تكفّلت الأزمة الدولية بوضع جزء من ثقلها على أسعار المحروقات، وتكفّلت الحكومة اللبنانية بوضع ثقل إضافي تمثّل بزيادة الرسوم على البنزين بأكثر من 3 دولار للصفيحة (زيادة 300 ألف ليرة على الصفيحة في 16 شباط). ولذلك، فإنّ لبنان ليس لاعباً مؤثِّراً على اللعبة الدولية، بل يتأثّر بها سريعاً. وتتكفّل السلطة السياسية التي لا تمتلك خططاً واستراتيجيات مسبقة لضبط التأثيرات السلبية، بزيادة ثقل التأثيرات، عن طريق ارتفاع الأسعار محلياً.
خضر حسان – المدن
The post اللبنانيون بين حربين: أسعار البنزين ترتفع 80% appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







