تعاطى “الثنائيّ الشيعيّ” مع قرار سحب أوراق اعتماد السفير الإيرانيّ محمد رضا شيباني والطلب إليه مغادرة لبنان، على أنّه موجّه ضدّ الطائفة الشيعيّة. ومع التداعيات التي يتركها ذلك في العلاقات اللبنانيّة الداخليّة، يعني إهمال البعد الإقليميّ للقرار، في ظلّ خطوات مماثلة في عدد من الدول الخليجيّة والعربيّة، النظر إلى جانب من الصورة المتحرّكة إقليميّاً. وهذا يطرح مجدّداً مسألة إعادة تعريف موقع لبنان في المنطقة، ومدى تفاهم اللبنانيّين عليه.
وفق معطيات “أساس” اتّصل السفير شيباني برئيس البرلمان نبيه برّي بعد تبلّغه قرار الخارجيّة اللبنانيّة سحب أوراق اعتماده والطلب إليه مغادرة البلد في مهلة أقصاها الأحد 30 آذار.
غضب برّي
سأل السفير برّي رأيه في القرار، فأبلغه الأخير أنّه مرفوض. لكنّ شيباني أجابه أنّ القرار يشمل الطلب منه المغادرة والمهلة تنتهي يوم الأحد المُقبل، فردّ برّي قائلاً له: “إلبط رجلك في الأرض ولا تغادر. هذا القرار موجّه ضدّنا قبل أن يكون موجّهاً ضدّ إيران”.
جاءت ترجمة موقف برّي أوّلاً بإعلان المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى والمفتي الجعفريّ الممتاز أحمد قبلان رفضهما، ثمّ بتوافق كُلّ من “الحزب” و”حركة أمل” على الطلب من وزارة الخارجيّة العودة عن قرارها.
بصرف النظر عن روايات متداولة في الوسطين الرسميّ والسياسيّ عن طريقة تنسيق وزير الخارجيّة يوسف رجّي مع كلّ من رئيسَي الجمهوريّة العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام قبل إصداره القرار، نقلت أوساط وزاريّة عن الأخير قوله: “القرار صدر، ولا نستطيع العودة عنه”. بعد موجة الاعتراض العالية وتهديد رموز من “الحزب” بالويل والثبور، ومقاطعة وزراء الثنائيّ الأربعة الجلسة الحكوميّة، وحضورها من قبل الوزير الشيعيّ المستقلّ فادي مكّي، طلب سلام التوسّط مع برّي، لكنّ الأخير رفض البحث بأيّ مسعى لثني “الثنائيّ” عن مقاطعة جلسة مجلس الوزراء. الأمر الوحيد الذي قبل به رئيس البرلمان هو التغاضي عن قصد، عن حضور الوزير مكّي الجلسة، مع إصداره بياناً بالاعتراض على القرار الذي اتّخذه رجّي. قابل ذلك تعمُّد سلام عدم بحث الأمر خلال الجلسة الحكوميّة.
إلّا أنّ ذلك كلّه لم يلغِ رفض برّي أيّة تسويات. قال، لمن تفهّموا وجهة نظره، إنّه قام بتغطية قرارات مجلس الوزراء السابقة، وآخرها اعتبار أفعال “الحزب” غير قانونيّة، الذي لم يعترض عليه وزراؤه، ثمّ قرار إخراج عناصر وضبّاط “حرس الثورة” الإيرانيّ من البلد نظراً إلى تشكيل حضورهم في البلد خطراً على اللبنانيّين لأنّهم ملاحقون من قبل إسرائيل. وقبل ذلك، كان برّي هو من غطّى قرارات الحكومة سحب السلاح جنوب الليطاني، ثمّ قرار رفع مستوى التفاوض مع إسرائيل بإضافة مدنيّين إلى الوفد العسكريّ، واقتصر اعتراضه على عدم تسمية شيعيّ في أيّ وفد للمفاوضات المُحتملة.
بين التّراجع وإحراج عون
تقول بعض مصادر المعلومات المواكبة لجهود التوسّط بين برّي وكلّ من الرئيسين عون وسلام إنّ الوزير رجّي أبلغهما بنيّته استدعاء القائم بالأعمال الإيرانيّ لتوجيه تنبيه له في شأن حركة السفارة مع الأفرقاء اللبنانيّين، واستمرار حركة “الحرس الثوريّ” في البلد. ومهما يكن، طُرِح مساران للتأزّم الحاصل:
رأى البعض أنّه ما دام سلام استبعد التراجع عن القرار، فبالإمكان بقاؤه حبراً على ورق، ويبقى السفير شيباني في بيروت ولا ينفّذ ما طُلب منه. هكذا يجري تجاوز الأزمة على قاعدة أنّه ليس القرار الوحيد الذي يُتّخذ ولا يُنفّذ، علاوة على أنّ المكوّن الشيعيّ سيكون قد حقّق حركة اعتراضيّة على قرار للسلطة السياسيّة الجديدة.
أن ينسحب قرار مقاطعة وزراء “الثنائيّ” جلسة مجلس الوزراء على سائر الجلسات المقبلة ما لم تتراجع وزارة الخارجيّة عن القرار. ومع أنّ قرار عقد جلسة الحكومة يوم الخميس في السراي الحكوميّ برئاسة سلام كان القصد منه تجنيب رئيس الجمهوريّة الإحراج في حال انعقدت في القصر الرئاسيّ في ظلّ مقاطعة الوزراء الشيعة الأربعة، فإنّ استمرار غيابهم عن مجلس الوزراء سيطرح على الرئيس عون تحدّي رئاسة الجلسة بغياب ممثّلي المكوّن الشيعيّ الفعليّين. وهذا قد يرتّب توتّراً في العلاقة بينه وبين الرئيس برّي على الأقلّ. إذا واصل مجلس الوزراء عمله كالمعتاد كأنّ شيئاً لم يحصل، فهذا يعني تصاعد التأزّم. وإذا امتنع عون، الذي يتعرّض لضغوط دوليّة وإقليميّة تتناول الموقف من “الحزب”، عن رئاسة الجلسات فهذا يعني العودة إلى الخلل في عمل المؤسّسات نتيجة “الفيتو” الشيعيّ كما كان يحصل التعطيل على مدى السنوات الماضية، وذلك على الرغم من ضعف سطوة “الحزب” جرّاء فشل حسابات الانخراط الخطأ في حرب إسناد غزّة، ثمّ إسناد إيران.
تدخّلات إيران
تأخذ بعض الأوساط، التي واكبت تداعيات قرار وزارة الخارجيّة ضدّ السفير الإيرانيّ، على القرار أنّه اتّهم شيباني بالتدخّل في الشؤون الداخليّة اللبنانيّة قبل أن يتقدّم رسميّاً بأوراق اعتماده. ولو برّرت الخارجيّة إجراءها بوقائع استمرار وجود ضبّاط “حرس الثورة” في لبنان ومساهمتهم في تأجيج الحرب التي اعتبر لبنان أنّه أُقحِم فيها خلافاً لإرادته، لكان القرار حظي باعتراض أقلّ.
الإجراءات الخليجيّة والعربيّة
لكن بعيداً عن السجال الداخليّ بسبب القرار، لا بدّ من التوقّف عند قرار الخارجيّة الذي اتُّخذ في سياق القرارات العربيّة التي جرى اعتمادها ضدّ البعثات الدبلوماسيّة الإيرانيّة في ستّ دول عربيّة. جاءت القرارات بعد اجتماع مهمّ في الرياض في 18 آذار لوزراء خارجيّة الدول الخليجيّة الست وثلاث دول عربيّة أخرى هي سوريا والأردن ولبنان وثلاث دول إسلاميّة هي تركيا، باكستان وأذربيجان. مثّل الوزير رجّي لبنان في الاجتماع، الذي أعقبه وعُقد في 21 من الشهر الجاري. اتّخذت المملكة السعوديّة تدابير حازمة شملت طرد 5 دبلوماسيّين إيرانيّين، بينهم الملحق العسكريّ، وإمهالهم 24 ساعة للمغادرة. في اليوم التالي أعلنت قطر طرد الملحقين العسكريّ والأمنيّ الإيرانيَّين إلى جانب العاملين في الملحقيّتين، واعتبارهم غير مرغوب فيهم. ثمّ كرّت السبحة فطردت الإمارات دبلوماسيّين إيرانيّين بعد إعلان كشف خليّة لـ”الحزب” وإيران تبيّض الأموال وتهدّد الأمن في البلد. ووجّهت الكويت إنذاراً للسفير الإيرانيّ عبر مذكّرة رسميّة بسبب مواصلة بلاده اعتداءاتها على الأراضي الكويتيّة. وأعلن وزير الخارجيّة الأردنيّ أيمن الصفدي قبل 3 أيّام رفض عمّان تمديد إقامة دبلوماسيّ إيرانيّ، ورفض منح اعتماد لآخر.
هكذا بات تدبير الخارجيّة ضدّ شيباني يطرح على السلطة اللبنانيّة وعلى “الثنائيّ” خياراً في شأن تموضع لبنان الإقليميّ: مع طهران أم مع العرب؟
The post سياق عربيّ لطرد سفير إيران: أين يتموضع لبنان؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







