يعيش المواطن حالة من الإنهاك الشديد، حيث لم تعد الحياة اليومية مجرد تحدّ اقتصادي، بل معركة مستمرة للبقاء ضمن الحد الأدنى من الكرامة المعيشية. الحرب التي اجتاحت المنطقة، وما خلفته من خوف وقلق وتهجير قسري، تركت أثرها النفسي والاجتماعي على الجميع، إلا أن ما أصاب المواطنين من صدمات لم يقتصر على هذا الحد، فقد وقعت عليهم كل الأزمات الاقتصادية دفعة واحدة. ارتفعت الأسعار بشكل قياسي، تراجعت القدرة الشرائية، وتحولت أبسط حاجات الحياة إلى كلفة ثقيلة لا يقدر عليها الكثيرون.
في هذا المشهد، يواجه السائقون تحديات مضاعفة. المواطن الذي يعتمد على النقل العام يجد نفسه في مواجهة أسعار تتقلب يوميًا، بينما السائق يتحمّل أعباء التشغيل المتزايدة وسط غلاء المحروقات والصيانة والمصاريف الأخرى. غالبية السائقين اضطروا إلى رفع تعرفة التاكسي والسرفيس بشكل فردي، لترتفع تعرفة “التاكسي” أحيانًا إلى ما بين 300 و400 ألف، و “الفان” إلى 150 ألف ليرة، رغم غياب أي تعرفة رسمية، لتصبح هذه الزيادة أمرًا واقعيًا يثقل كاهل المواطن ولا يوفر أي حماية له أو للسائق على حد سواء.
الواقع اليوم يفرض علينا أن نرى الصورة كاملة: المواطن محاصر بين موجات الغلاء المتصاعدة، والسائق عاجز عن الاستمرار بتعرفة ثابتة في ظل هذه المعاناة المركبة، أصبح البحث عن حل متوازن يحمي المواطن ويحفظ حقوق السائق أمرًا لا يحتمل التأجيل، إذ إن كل يوم يمر من دون تدخل يزيد من وقع الأزمة ويعمّق أثرها.
بين الواقع والقرار الحكومي
رئيس اتحادات ونقابات النقل البري في لبنان بسام طليس، يُشدّد على أنه “لا يمكن مقاربة مسألة تعرفة “السرفيس” أو “التاكسي” من زاوية واحدة، إذ ينبغي الأخذ بالاعتبار واقع المواطنين الذين يعتمدون على هذا القطاع يوميًا، وكذلك أوضاع السائقين الذين يواجهون أعباء مالية متزايدة ومصاريف تشغيلية مرتفعة، لا سيما في ظل موجة الغلاء الأخيرة”.
ويوضح لـ “نداء الوطن”، أنه “وبعد فرض ضريبة بقيمة 300 ألف ليرة لبنانية على البنزين، تم التوصل إلى اتفاق مع رئيس الحكومة نواف سلام آنذاك، يقضي بمنح كل سائق عمومي مبلغ 12 مليون ليرة لبنانية شهريًا، وذلك بهدف تجنب رفع تعرفة السرفيس وتحميل المواطن أعباء إضافية. وبموجب هذا الاتفاق، كانت الدولة ستتحمّل جزءًا من الكلفة لتخفيف الضغط عن المواطنين”.
إلا أن طليس يلفت هنا إلى أن “هذا الاتفاق لم يُنفذ، وذلك نتيجة اندلاع الحرب بعد فترة قصيرة، وما رافقها من أولويات ملحّة، لا سيما ما يتعلّق بملف النازحين، وهو أمر مفهوم في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد”.
يضيف: “لاحقًا، شهدت الأسواق العالمية ارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار، وهو عامل لا علاقة لنا به، كما لا تتحمّل الحكومة مسؤوليته المباشرة، إذ إنه ناتج عن ظروف عالمية. وقد أدّى هذا الغلاء إلى زيادة تُقدّر بنحو 9.5 دولارات، يُضاف إليها أثر ضريبة الـ 300 ألف ليرة، ما شكّل عبئًا إضافيًا لا يمكن للسائق تحمّله بمفرده”.
“تعديل استثنائي”
من هنا، يؤكّد طليس “ضرورة النظر في تعديل التعرفة بشكل استثنائي خلال هذه المرحلة، على أن يُعاد تقييم الوضع لاحقًا. وفي حال قرّرت الدولة المضي قدمًا في تنفيذ مشروع دفع مبلغ 12 مليون ليرة شهريًا لكل سائق، فإن التعرفة الجديدة يمكن أن توازي فقط الارتفاع الناتج عن الغلاء العالمي”.
وفي هذا الإطار، ينصح طليس بأن “تتحمّل الدولة جزءًا من هذه الكلفة، بدلًا من تحميلها لما يقارب 3 إلى 5 ملايين مواطن يستخدمون وسائل النقل العام، خصوصًا في ظل اتساع رقعة الغلاء لتشمل مختلف جوانب الحياة، وتراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين”.
ويشير إلى أنه “من المقرر عقد اجتماع مع المدير العام للنقل البري والبحري أحمد تامر، وذلك لإعداد اقتراح يستند إلى دراسة واقعية تأخذ في الاعتبار المعطيات والأرقام الفعلية، بهدف الوصول إلى تعرفة عادلة تراعي مصلحة السائق والمواطن على حد سواء، على أن يُرفع هذا الاقتراح لاحقًا إلى وزيري الأشغال العامة والنقل والمالية، وفي ضوء ذلك تُحدّد التعرفة الجديدة”، لافتًا إلى أنه “في حال قرّرت الحكومة تحمّل الفارق في هذه المرحلة الاستثنائية، فلن تكون هناك حاجة إلى تعديل التعرفة. أما في حال عدم تحمّلها، فسيكون من الضروري إعلان تعرفة جديدة، ما يعني انتقال العبء بشكل مباشر إلى المواطن”.
ارتفاع غير رسمي
أما في ما يتعلّق بقيام بعض السائقين برفع التعرفة بشكل فردي قبل صدور أي قرار رسمي، فيرى طليس أن “هذه الإجراءات تُعدّ غير قانونية، وسيتم الإعلان عن تعرفة رسمية تراعي التوازن بين أوضاع السائقين وقدرة المواطنين”.
في المحصلة، يؤكد طليس أن “القرار يبقى رهن توجّه الحكومة، وما إذا كانت ستتحمّل جزءًا من ارتفاع الأسعار، أو ستُحيل كامل العبء على المواطنين. ومن هذا المنطلق، يأمل أن “تبادر الدولة إلى تحمّل جزء من الكلفة دعمًا لما يُقارب 40 ألف سائق، بدلًا من تحميلها بالكامل للمواطن”.
في النهاية، تبقى معاناة المواطن والسائق شاهدة على حجم الأزمة المركبة التي يعيشها لبنان اليوم، حيث لم تعد الحرب وحدها مصدر التحدي، بل تراكمت عليها كل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتثقل كاهل الناس. المواطن الذي يكافح لتأمين أبسط ضروريات حياته، والسائق الذي يحاول المحافظة على رزقه وسط ارتفاع التكاليف، هما ضحيتان لهذه الدوامة المعقدة، ما يجعل من أي قرار حكومي في شأن التعرفة قضية مصيرية تمس حياة ملايين اللبنانيين.
رماح هاشم – نداء الوطن
The post تعرفة جديدة للنقل… واقع لا مفرّ منه appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





