منذ سقوط نظام الأسد وسوريا في خضمّ إعادة بناء في الداخل وفي علاقاتها مع الخارج. بدوره، دخل لبنان أخيراً مساراً مختلفاً عمّا سبق، محوره استعادة الدولة دورها وإتمام الإصلاحات.
على الرغم من التباينات التاريخيّة والمناطقيّة في الداخل السوريّ زمن الانتداب، برز عامل جذب جامع تمثّل بالمشروع العربيّ الهاشميّ. تميّزت سوريا بأنّها كانت الأكثر تشدّداً في رفض الانتداب والأعلى صوتاً بوجه المشروع الصهيونيّ في فلسطين إثر انعقاد “المؤتمر العربيّ القوميّ” في بلودان عام 1937.
بعد الاستقلال، حصل تباعد بين لبنان وسوريا. ثلاثة انقلابات متتالية شهدتها سوريا في 1949… أدّت إلى حكم العسكر. اعتمدت سوريا اقتصاداً موجّهاً، بينما ثبّت لبنان اقتصاده الحرّ.
تعمّقت الشروخ بين الأحزاب في سوريا، بداية بين القوميّين والشيوعيّين ولاحقاً مع حزب البعث. اغتيال نائب رئيس أركان الجيش السوريّ عدنان المالكي المقرّب من البعث في 1955، على يد أحد محازبي القوميّين، أدّى إلى حظر الحزب القوميّ في سوريا. أمّا القوميّة العربيّة بقيادة جمال عبدالناصر فكانت سبيلاً لحزب البعث للتخلّص من الحزب الشيوعيّ بقيادة خالد بكداش الذي رفض دولة الوحدة في 1958 وغادر البلاد.
بعد الانفصال في 1961، أخذت الصراعات مداها بين البعث والناصريّة وبين حزبَي البعث الحاكمين في كلّ من سوريا والعراق. في المقابل، شهد لبنان استقراراً لافتاً وانطلق مشروع بناء الدولة على أسس جديدة في عهد الرئيس فؤاد شهاب.
قلبت حرب 1967 المعادلات رأساً على عقب في لبنان وسوريا والمنطقة. وقع الخلاف داخل سوريا بسبب الموقف من المواجهات في الأردن بين الملك حسين والفلسطينيّين، وسرعان ما حُسمت مع وصول الرئيس حافظ الأسد إلى السلطة. استقرّت معه سوريا واكتسب النظام شرعيّة بعد حرب 1973 وبات لبنان امتداداً لنفوذه على محورين: اللبنانيّ الداخليّ والوجود الفلسطينيّ في لبنان.
ازدادت أهميّة الساحة اللبنانيّة في حسابات النظام السوريّ. توطّدت علاقات دمشق مع واشنطن إثر الصدام بين الأسد وعرفات في لبنان عام 1976، وتمّ رسم “الخطوط الحمر” الفاصلة بين سوريا وإسرائيل في لبنان. وفي لبنان أيضاً صراعات بين سوريا وخصومها، لا سيما العراق، وتحالفات أقامتها دمشق مع جهات عربيّة أخرى.
محور الثّمانينيّات
برز محور جديد في الثمانينيّات مع دخول إيران الإسلاميّة ساحة الحروب المشتعلة في لبنان. أعطت العلاقات السوريّة – الإيرانيّة هامشاً واسعاً لسياسات الأسد الإقليميّة والدوليّة، خصوصاً أنّ سوريا كانت الطرف العربيّ الوحيد الذي أقام علاقات استراتيجيّة مع إيران.
تمكّن حافظ الأسد من إقامة علاقات مفيدة مع أميركا والاتّحاد السوفيتيّ (ثمّ روسيا) لغايات مختلفة. وظّف العلاقات مع إيران لمصلحته في المحيط العربيّ. أيّدت سوريا إيران في الحرب مع العراق وشاركت في التحالف العسكريّ بقيادة الولايات المتّحدة لتحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ. في المقابل، أُطلقت يد الأسد في لبنان. شاركت سوريا في المفاوضات العربيّة- الإسرائيليّة برعاية أميركيّة في التسعينيّات.
مع بشّار الأسد اختلفت المقاربات في الداخل ومع الخارج. تعزّزت العلاقات مع إيران و”الحزب” وتراجعت مع تركيا وأميركا وسواهما. بعد الاجتياح الأميركيّ للعراق وقع الصدام بين دمشق وواشنطن. إلى ذلك، دخلت سوريا أتون حرب طاحنة عام 2011 ولاقى النظام دعماً عسكريّاً حاسماً من روسيا وإيران و”الحزب” في مواجهة قوى معارضة مدعومة من أطراف أخرى.
استطاع النظام التقاط أنفاسه، إلّا أنّ الاستقرار بات هشّاً والتوازنات عرضة للانتكاسة مع تفاقم انقسامات الداخل ومحاصرة الخارج. ثمّ جاءت حرب الإسناد لتضع سوريا في خطّ النار المباشر مع إسرائيل. وسرعان ما التقت مصالح الخارج مع تآكل الدرع العسكريّ الحامي للنظام، فسقط بسرعة ولجأ الأسد إلى روسيا.
في المرحلة الراهنة، تواجه سوريا تحدّيات جسيمة بعد نصف قرن من حكم انتهى بحرب مدمّرة ونزوح قسريّ لملايين السوريّين في الداخل وإلى الخارج، علاوة على الأزمات الاقتصاديّة الخانقة. سعى النظام الجديد إلى استعادة السيطرة، فوقعت صدامات مع الأكراد والدروز والعلويّين لأسباب مختلفة. إلّا أنّ إعادة البناء جاءت متداخلة مع مصالح أطراف الخارج، لا سيما تركيا وأميركا وإسرائيل ودول الخليج.
أمّا المشترَك بين الأطراف جميعها فهو التصدّي لإيران. لكنّ لأطراف الخارج أولويّات متضاربة. لتركيا أجندة خاصّة مرتبطة بالنظام الجديد الذي دعمته وبالأكراد شمال شرقيّ البلاد. ولإسرائيل أجندة أخرى في الجنوب المتاخم للجولان. من جهتها، تدعم أميركا النظام والاستقرار الداخليّ، بينما إسرائيل لا ترى مصلحة في استقرار سوريا.
واقعيّة الشّرع
الواضح أنّ الرئيس السوريّ أحمد الشرع يعي صعوبة الظروف وطبيعة المعادلات المتشابكة، ويتعامل معها بواقعيّة لم تكن في الحسبان: تشدّد ومرونة في آن والسير بين نقاط التناقضات. مع إسرائيل مفاوضات مباشرة يقوم بها النظام برعاية أميركيّة، غايتها ترتيبات أمنيّة ثابتة. مع تركيا والأكراد لا تسوية ممكنة بلا دور أميركيّ فاعل. مع روسيا علاقات قائمة بالقدر المتاح. وفي الداخل مطالبات بالاعتراف والحقوق إمّا للحماية الذاتيّة أو لتثبيت الدور في سوريا الجديدة.
فُتحت صفحة جديدة بين لبنان وسوريا باتّجاه علاقات سويّة لمصلحة الطرفين، خلافاً لما كانت عليه الحال سابقاً. ملفّات شائكة مطروحة، منها النزوح والأسرى والحدود. المشترَك بين الدولتين محوره حصريّة السلاح، وإن لدوافع مختلفة.
لم يعد لبنان ساحة حروب بالوكالة، مثلما كان زمن النظام السابق، لا سيما أنّ سوريا غير منشغلة بالصراعات الإقليميّة بل بهمومها. ضغط جديد على لبنان مصدره سوريا مرتبط هذه المرّة بأميركا، شريكة سوريا في استعادة مرجعيّة الدولة تجاه تركيا وإسرائيل وأطراف الداخل. ثمّة تلازم مسار جديد قائم من المنظار الأميركيّ بين لبنان وسوريا، يعكسه تناغم دمشق مع الأجندة الأميركيّة المتحرّكة، وهو ما يعني أنّ ثمّة نموذجاً للقياس مع لبنان، وإن اختلفت ظروفه والتحدّيات.
أمّا الحرب الإقليميّة الراهنة فقد تضع سوريا بمواجهة “الحزب” في لبنان، وقد تفتح الباب أمام المزيد من التنسيق بين لبنان وسوريا وأطراف الخارج المناوئة لإيران.
The post لبنان وسوريا: تلازم مسار جديد! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








