لم تعد الحروب تُقاس فقط بعدد الضحايا أو حجم الدمار، بل بما تتركه من آثار خفية تتسلّل إلى داخل الإنسان والمجتمع. في ظل الأزمات المتكررة، يعيش كثيرون حالة من الإرهاق غير المعلن، يتكيّفون معها ظاهرياً، بينما تتراكم في الداخل بصمت. هكذا، يتحوّل إرهاق الحرب من تجربة فردية إلى أزمة صامتة، تمتد من الفرد إلى البنية الاجتماعية.
تشرح المعالجة النفسية ماري-أنج نهرا أن إرهاق الحرب هو “حالة اضطراب نفسي ناتجة من التعرض لصدمات متتالية ومستمرة”. في هذا السياق، يدخل الفرد في ما يشبه “حالة نضال” دائمة، تساعده على التكيّف مع الواقع، لكن هذا التكيّف، بحسب نهرا، ليس مؤشراً على العافية، بل آلية دفاعية يلجأ إليها الإنسان للاستمرار إلا أنها مكلفة، إذ غالباً ما يكون على حساب الصحة النفسية والجسدية، ما قد يؤدي إلى انهيار تدريجي داخلي صامت، رغم تماسك ظاهري يوحي بعكس ذلك.
هذا التكيّف الظاهري الذي يسمح للفرد بمتابعة حياته اليومية، يخفي في داخله توتراً دائماً ومشاعر مكبوتة من القلق والغضب والانزعاج. ومع غياب التفريغ النفسي، تتحوّل الحياة إلى مسار نضالي مستمر، ينعكس في اضطرابات النوم، ضعف التركيز، وصعوبة في العلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى ما تسميه نهرا “الاحتراق الداخلي”، حيث يبدو الإنسان متماسكاً من الخارج، لكنه يعيش تدهوراً نفسياً عميقاً في الداخل.
وتظهر أعراض هذا الإرهاق في أشكال متعددة، أبرزها اضطرابات النوم، تراجع الشهية، ضعف التركيز، وصعوبة الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، وصولاً إلى الانطواء. وتلفت إلى أن “هذا التكيّف الظاهري مع الحرب يتحوّل إلى خطر نفسي غير مرئي”، إذ يستمر الفرد في أداء حياته اليومية، لكنه يدفع ثمن ذلك على حساب استقراره العاطفي، الفكري والنفسي.
غير أن هذه الحالة لا تبقى محصورة بالفرد. ما تصفه نهرا على المستوى النفسي، تقرأه الدكتورة في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية سوزان منعم من زاوية اجتماعية أوسع. إذ ترى أن الصدمة، حين تطول، تتحوّل إلى ضغط مزمن، ومع استمرار العنف وانعدام الاستقرار، يصبح هذا الضغط جزءاً من الحياة اليومية، بل من بنية المجتمع نفسه.
في هذا الإطار، يتحوّل التكيّف الفردي إلى ظاهرة جماعية. فالمجتمع، كما الأفراد، يبدأ بالتأقلم مع الأزمات، لكن هذا التأقلم يأتي على حساب تماسكه الداخلي. تشير منعم إلى تآكل تدريجي في الروابط الاجتماعية، حيث تتراجع الثقة، وتضعف شبكات الدعم، ويتحوّل المجتمع إلى كيان أكثر هشاشة.
ومع غياب الأفق والحلول، لا يعود الإرهاق حالة مؤقتة، بل يصبح واقعاً مزمناً. وتبرز هنا الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء والشباب، إضافة إلى النازحين الذين يعيشون تجربة اقتلاع مستمرة من أرضهم ومنازلهم، ما يعمّق شعورهم بعدم الاستقرار وفقدان الانتماء.
في قلب هذه الأزمة، يبرز “الصمت” كعنصر مشترك بين المقاربتين. فبحسب نهرا، يعمد الفرد إلى كبت مشاعره وارتداء “قناع” يخفي به ألمه، خوفاً من الانهيار أو من نظرة المجتمع، ما يدفعه أحياناً إلى خداع نفسه قبل غيره. وتُسمّى هذه الحالة “الاحتراق الداخلي”، حيث يصل الإنسان إلى تدهور نفسي عميق رغم مظهره المتماسك. من جهتها، ترى منعم أن هذا الصمت يتجاوز كونه خياراً فردياً، ليصبح نمطاً اجتماعياً سائداً.
إلا أن هذا الصمت يحمل مفارقة لافتة. فهو، كما تصفه منعم، “سيف ذو حدين”: من جهة، يخفف التوتر ويساعد على الاستمرار في المدى القصير، ومن جهة أخرى، يخفي تراكم الضغوط التي قد تنفجر لاحقاً في شكل أزمات نفسية واجتماعية أعمق.
وتشدد نهرا على أهمية التعبير عن “العاطفة، مهما كان نوعها- خوفاً أو غضباً أو حزناً- لأنه يشكّل نصف طريق العلاج، فيما يكمن النصف الآخر في الإصغاء إلى الذات والاعتراف بما نشعر به”.
أمام هذا الواقع، تتقاطع الدعوات إلى كسر دائرة الصمت. تشدد نهرا على أهمية التعبير عن المشاعر كخطوة أساسية نحو التعافي، فيما تبرز الحاجة، على المستوى الاجتماعي، إلى إعادة بناء مساحات آمنة للحوار والتضامن، تعيد ترميم ما تصدّع في العلاقات والروابط.
في منطقة اعتادت الأزمات، قد يبدو الصمت وسيلة للبقاء، لكنه في الوقت نفسه يحمل بذور الانهيار. وبين التحمّل والتعبير، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يمكن للأفراد والمجتمعات أن يواصلوا هذا النضال الصامت، قبل أن تتحوّل الأزمة الخفية إلى واقع لا يمكن تجاهله؟
“النهار”
The post إرهاق الحرب… أزمة صامتة تتسلّل إلى المجتمع appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






