يقف المواطن اللبناني اليوم على حافة الانهيار الاجتماعي، في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة والحرب الهمجية من قبل العدو الإسرائيلي. فالحياة لم تعد تقاس بالدخل بل بالقدرة على الصمود يوما إضافيا، في انتظار حلول لم تأتِ بعد. فالأزمة الاقتصادية أصبحت واقعا يوميا يعيشه اللبنانيون بكل تفاصيله القاسية، بطالة مرتفعة، أعمال بلا مردود كاف وفقر متمدد بلا رادع، مما دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاستدانة لتأمين أبسط مقومات الحياة.
تعد البطالة في لبنان اليوم من أبرز وجوه الأزمة الاقتصادية ، إذ لم تعد مجرد غياب وظيفة، بل انعكاسا لانهيار كامل لسوق العمل بعد ارتفاع معدلاتها في السنوات الأخيرة. فبحسب تقارير منظمة العمل الدولية، سجلت نسبة البطالة في البلاد وبخاصةً بين الشباب نحو 30%، وهي نسبة خطيرة جدا، بينما أشارت تقديرات غير رسمية إلى أن نسبة البطالة تراوحت بين 36% و45% خلال عام 2025 ، وهي من أعلى النسب في المنطقة.
ووفق منظمة “الاسكوا” احتل لبنان قائمة البلدان العربية العشرة، التي سجلت أعلى معدلات البطالة في عامي 2023 و2024 ، بحيث بلغت فيه 27% من مجمل القوى العاملة، أي أعلى بنحو 2.4 مرة عن المتوسط العام لمعدلات البطالة في سائر البلدان العربية، وزادت الحرب الهمجية من قبل العدو الاسرائيلي من تفاقم البطالة، حيث أدت إلى تراجع النشاط الاقتصادي، وفقدان آلاف المواطنين الوظائف، ونزوح أكثر من 831 ألف شخص، ما زاد من هشاشة سوق العمل وانتشار البطالة.
البطالة المقنعة والعمل غير الرسمي
وتكشف الأرقام جانبا من الأزمة ، لكنها لا تعكس عمقها الحقيقي، إذ تغيب عنها ظاهرة البطالة المقنعة التي تتجلى في عمل فئات واسعة ضمن وظائف غير مستقرة، أو بدخل لا يكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش ، واضطرار كثيرين إلى تعدد الأعمال الجزئية لمجرد البقاء، إضافة إلى التوسع في العمل غير المنظم خارج أي حماية قانونية أو اجتماعية، ما يجعل الواقع الفعلي لسوق العمل أكثر هشاشة وتدهورا مما توحي به الإحصاءات، مخفية الحجم الحقيقي للبطالة. والسؤال المطروح اليوم لم يعد “هل تعمل”؟ بل أصبح “هل يكفيك عملك”؟
بالتوازي، ومع ارتفاع البطالة تتسارع وتيرة الفقر بشكل مقلق، حيث تحول الفقر إلى واقع واسع يطال شريحة كبيرة من المجتمع، فلم يعد محصورا بالفئات الأكثر هشاشة، بل امتد ليطال الطبقة الوسطى التي كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار الاجتماعي.
وبحسب تقرير للبنك الدولي يعيش نحو 33% من اللبنانيين تحت خط الفقر، فيما يعاني حوالي 44% من فقر نقدي، ما يعني عمليا أن واحدا من كل ثلاثة فقير، وأن ما يقارب نصف السكان يرزحون تحت ضغوط معيشية قاسية، حيث ارتفعت نسبة الذين يكسبون أقل من 3 دولارات يوميا من 0.1% عام 2013 إلى 5.9% عام 2023 ، والذين يكسبون أقل من 4.2 دولارات يوميا من 0.3% إلى 16% ، أما الذين يعيشون بأقل من 8.3 دولارات يوميا فبلغوا 50.7% ، بعدما كانت نسبتهم لا تتجاوز 5.5%.
الحل بالاستدانة
ولا يقتصر الأمر على اتساع رقعة الفقر، بل يتعداه إلى تعمق حدته، حيث باتت الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة أكبر من أي وقت مضى، في ظل ارتفاع مستمر في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يؤدي إلى تدهور مستوى المعيشة وعجز شريحة واسعة من المواطنين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية.
هذا الواقع دفع العديد منهم إلى جعل الاستدانة جزءا من حياتهم اليومية، وبأشكال متنوعة: الاستدانة من الأقارب والأصدقاء، دفاتر “السوبرماركات” التي تؤجل الدفع، قروض صغيرة غير رسمية بفوائد مرتفعة، تأجيل دفع الإيجارات أو الأقساط، وفي كثير من الحالات لا يكون الهدف تحسين مستوى المعيشة، بل فقط تجنب الجوع.
هذا ما أكدت عليه مريم أم لثلاثة أطفال : ” كل شيء أصبح صعبا، نحن نستدين فقط للبقاء على قيد الحياة” .
بدوره، أكد كابي وهو سائق تاكسي أن “العمل يومي وغير مضمون، واضطر للعمل ساعات إضافية في وظائف مؤقتة، لأتمكن من دفع الإيجار والطعام”.
بينما نزار وهو موظف أشار إلى أن راتبه 250 دولارا “لا يكفي لتغطية مصاريف الشهر، مما اضطر للاستدانة حتى لشراء الطعام” .
اما رنا وهي مدرّسة فأكدت أن الراتب “لا يغطي حتى مصاريف المواصلات والطعام، وكثيرات من زميلاتي يعملن في أكثر من مدرسة لتأمين حد أدنى من الدخل”.
في ضوء هذه المؤشرات والشهادات، يبدو أن البطالة والفقر والاستدانة أصبحت سمات يومية للحياة، فيما تبقى الفجوة بين الدخل والاحتياجات الأساسية تتسع الى ما يزيد من هشاشة الأسر ويعمق معاناتها.
ويبقى السؤال: كيف يمكن ضمان حد أدنى من الكرامة والحماية الاجتماعية والاقتصادية للمواطن اللبناني، لمواجهة تحديات الحياة اليومية؟
ربى أبو فاضل – الديار
The post بين البطالة والفقر… الإستدانة خيار يومي للبقاء appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






