منذ لحظة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار أواخر العام 2024، وما لحقه من اندفاعة لبنانيّة اتسمت بندرتها لجهة الجديّة والتعويل الشعبيّ، بأنّ البلاد باتت ربّما على سكّة إصلاحيّة، كان أغلب الظنّ أيضًا أنّ الاقتصاد اللّبنانيّ قد يكون له بعض الحظوة، من هذا الاندفاع، بعد سنواتٍ مُثقلةٍ بالانهيار والأزمات المُركّبة، وتبعات حرب الـ 66 يومًا الطاحنة الّتي عاشها لبنان المنكوب.
لكن منذ تجدُّد الحرب الإسرائيليّة على لبنان في آذار 2026، لم يعد عداد الخسائر منوطًا بحجم الغارات والضحايا ومساحات الدمار الشاسعة، بل صار يُقاس أيضًا بما ينزفه الاقتصاد كلَّ يوم: المواسم السياحيّة المُلغاة، والاستثمارات المُجمّدة، والمؤسّسات المُقفلة، والتحويلات الّتي تُستنزف في الإغاثة بدل الاستهلاك المنتج، وثقةٌ تتآكل في بلدٍ كان أصلًا يحاول، بصعوبةٍ بالغة، الخروج من حفرة الانهيار الماليّ المفتوحة منذ 2019.
الحرب المُستجدّة والمفروضة، لم تهبط على اقتصادٍ متينٍ قادرٍ على امتصاص الصدمة، بل على اقتصادٍ مُنهَكٍ كان قد بدأ بالكاد يلتقط أنفاسه، لتحولّه إلى اقتصادٍ يدخل طور النزيف المفتوح.
الخسارة اليوميّة: رقمٌ يشرح حجم الشلل
في حديثه إلى “المدن”، يقدِّر الخبير الاقتصادي الدكتور مروان بركات الخسائر اليوميّة للحرب بنحو 75 مليون دولار، موزَّعة بين خسائر مباشرة، تشمل تدمير الأبنية والبنية التحتيّة والزراعة، وخسائر غير مباشرة، تتمثّل في تراجع الإيرادات، وتجمُّد الاستثمار، وشلل السياحة. فالكلفة لا تقتصر على الدمار، بل تمتدّ إلى المشاريع المؤجَّلة، وزيارات المغتربين الملغاة، وحجوزات الفنادق والمطاعم التي تتبخَّر تحت وطأة الخوف وعدم اليقين.
وتزداد خطورة هذه الخسائر لأنّ الاقتصاد اللبنانيّ يقوم أساسًا على الخدمات والسياحة والتحويلات، لا على قاعدةٍ إنتاجيّةٍ صلبة. لذلك، فإنّ تعطُّل الدورة الاقتصاديّة، حتّى لأسابيع، يترك أثرًا مباشرًا على النموّ والطلب وفرص العمل، ويُسقط سريعًا أيّ هامشٍ هشٍّ كان يُعوَّل عليه هذا العام.
من انتعاشٍ هشّ إلى ارتدادٍ عنيف
المفارقة أنّ الحرب جاءت في وقتٍ كان لبنان يحاول فيه تسويق نفسه، بحذر، كاقتصادٍ بدأ يستعيد بعض الحركة. فالبنك الدوليّ أشار إلى نموٍّ بلغ 3.5% في 2025، بعد انكماشٍ حادٍّ منذ 2019، وتوقَّع نموًّا إضافيًّا في 2026 إذا استمرّت الإصلاحات وتوفَّر قدرٌ من الاستقرار. لكنّ هذا التحسُّن لم يكن صلبًا، إذ قام أساسًا على التحويلات والسياحة وبعض الانتعاش في العقارات والبناء، ما جعله هشًّا أمام أيّ صدمةٍ أمنيّة أو إقليميّة. والحرب الجديدة أطاحت سريعًا بهذا الهامش الضيّق من التعافي.
وفي المقارنة مع حرب 2024، تبدو حرب 2026 أشدَّ قسوةً اقتصاديًّا، لأنّها اندلعت فوق اقتصادٍ لم يتعافَ أصلًا من آثار الحرب السابقة. فحرب 2024 خلّفت أضرارًا وخسائر وحاجاتٍ لإعادة الإعمار بمليارات الدولارات، فيما ظلّت قطاعاتٌ أساسيّة، ولا سيّما السياحة والخدمات، تعاني بعدها. أمّا حرب 2026، فهي لا تضرب اقتصادًا قائمًا، بل تقطع مسارَ تعافٍ هشًّا، وتلتهم ما لم يُعَد بناؤه بعد، وما كان يُفترض أن يشكّل فرصةَ إنقاذٍ هذا العام.
السياحة: العمود الفقريّ الذي ضُرب قبل الصيف
كان لبنان يعوِّل، مرّةً جديدة، على الموسم السياحيّ. ليس لأنّ السياحة رفاهيّةٌ في الاقتصاد اللبنانيّ، بل لأنّها من مصادر النقد الأجنبيّ الأكثر سرعةً وتأثيرًا، ومن القطاعات القليلة القادرة على تحريك سلسلةٍ واسعةٍ من الأنشطة، من الطيران إلى الفنادق، ومن المطاعم إلى النقل والتجزئة والخدمات. البنك الدوليّ أدرج السياحة، بوضوح، بين محرّكات النموّ في 2025، لكنّ الحرب الحالية ضربت هذا الرهان قبل أن يبدأ الصيف فعلًا. فلا سائح يأتي إلى بلدٍ تتّسع فيه الغارات، ولا مغترب يخطِّط لإجازةٍ عائليّةٍ في مناخٍ كهذا إلّا على سبيل المجازفة. ومع اتّساع الحرب الإيرانيّة، الإسرائيليّة، والأميركيّة، لم يَعُد الأمر مقتصرًا على صورة لبنان الأمنيّة وحدها، بل شمل أيضًا اضطراب النقل الجوّيّ في المنطقة كلّها، وارتفاع أسعار الوقود، وكلفة السفر، وإلغاء آلاف الرحلات.
والمؤشّرات كلّها تسير اليوم بعكس اتّجاه الموسم السياحيّ، مع تشديد تحذيرات السفر إلى لبنان واتّساع صورة الاضطراب الأمنيّ. وبذلك، لا تقتصر الخسارة على إنفاق السيّاح، بل تمتدّ إلى مئات الأعمال الصغيرة والموسميّة، ما يجعل الحرب ضربةً مباشرةً إلى العمود الفقريّ للاقتصاد اللبنانيّ.
الاستثمار ينسحب بصمت
الاستثمار هو الضحيّة الأكثر صمتًا في هذه الحرب، لأنّ رأس المال في لبنان شديد الحساسيّة تجاه المخاطر الأمنيّة والسياسيّة. فكلُّ من كان يخطِّط لإطلاق مشروعٍ جديد، أو توسيع عمله، أو ضخّ أموالٍ في التجارة أو الصناعة أو الخدمات، عاد وتراجع أو جمَّد قراره. وهذا لا يعني فقط غياب مشاريع جديدة، بل أيضًا تراجعًا في الطلب وفرص العمل، وارتفاعًا في منسوب الحذر لدى الأُسَر والشركات. وبركات يختصر المشهد بالقول إنّ الاستثمار تجمَّد كليًّا. وتزداد خطورة هذا الواقع لأنّ لبنان دخل الحرب الجديدة من دون أن يكون قد أمّن أصلًا تمويل إعادة إعمار حرب 2024، التي قدَّر البنك الدوليّ حاجاتها بنحو 11 مليار دولار، يحتاج جزءٌ كبيرٌ منها إلى تمويلٍ خاصّ في قطاعات السكن والتجارة والصناعة والسياحة. لذلك، يبدو من الصعب توقُّع دخول رساميل جديدة إلى السوق تحت النار، ولا سيّما في ظلّ استمرار تعثُّر إعادة هيكلة القطاع المصرفيّ، ما يجعل تراجع الاستثمار مسألةَ بقاءٍ اقتصاديّ، لا مجرّد أزمة نموّ.
أزمةٌ مضاعفة بل ثلاثيّة الطبقات
السؤال عمّا إذا كان يمكن الحديث عن أزمةٍ اقتصاديّةٍ مضاعفة في لبنان لم يَعُد يحتاج إلى كثيرٍ من التردُّد. إذ إنّ البلاد تواجه أزمةً مركَّبة من ثلاث طبقاتٍ متداخلة: انهيارٌ ماليٌّ مستمرّ منذ 2019، وحربٌ جديدة تدمِّر وتُهجِّر وتُعطِّل، وارتداداتٌ إقليميّةٌ تضغط على النفط والنقل والتأمين والطيران وكلفة الأعمال. وهذه العوامل لا تعمل منفصلةً، بل تتغذّى من بعضها بعضًا، بحيث يرفع التوتّر كلفة الطاقة والسفر والمخاطر على مختلف الأنشطة الاقتصاديّة.
حتّى النزوح لا يقتصر على كونه أزمةً إنسانيّة، إذ إنّ أكثر من 800 ألف نازح خلال أيّام يضغطون على السكن، والصحّة، والتعليم، والنقل، والإنفاق الأسريّ. ومع تحوّل موارد الأُسَر إلى الحاجات الطارئة، ينتقل الضغط من المجال الاجتماعيّ إلى الاقتصاديّ، فتتراجع قدرة الأسواق على التنفّس، بيد أن الحرب لا تدمِّر الأصول الماديّة فقط، بل تعيد توجيه المجتمع بأكمله من الإنفاق على الحياة إلى الإنفاق على النجاة.
الليرة تحت الاختبار مجدّدًا
يحذِّر بركات أيضًا من أثر استمرار الحرب على سعر صرف الليرة. وهذه نقطةٌ بالغة الحساسيّة، لأنّ استقرار سعر الصرف النسبيّ في المرحلة الماضية لم يكن نتيجةَ إصلاحٍ بنيويّ مكتمل، بل ثمرةَ توازنٍ هشّ بين كتلةٍ نقديّةٍ بالليرة أُديرت بحذر أكبر، وتدفّقاتٍ بالدولار من التحويلات والسياحة والخدمات. إذا طال أمد الحرب، ستتراجع هذه التدفّقات حُكمًا، فيما ترتفع حاجات الإنفاق الداخليّ، والعجز، والضغوط الاجتماعيّة. وبصياغة بركات، فإنّ الدولارات لن تزداد، بينما تزيد الليرات، ما يخلق اختلالًا بين الكتلتين النقديّتين ويضغط على سعر الصرف. وإذا عاد التوتّر إلى الليرة، فإنّ الموجة التالية ستكون في الأسعار، أي في القدرة الشرائيّة، أي في الفقر. باختصار، الحرب الطويلة لا تُدمِّر الحجر فقط، بل تهدِّد بإعادة فتح الجرح النقديّ الذي لم يلتئم أصلًا.
ثلاثة سيناريوهات: نموٌّ ضعيف، ركود، أو كساد
وفق تقدير مروان بركات، يرتبط المسار الاقتصاديّ للبنان بمدّة الحرب مباشرةً. فإذا توقَّفت خلال نحو شهر، قد يبقى ممكنًا تحقيق نموٍّ إيجابيٍّ بين 1% و2%، مع فرصةٍ لإنقاذ جزءٍ من موسم الصيف والأعياد. أمّا إذا امتدّت إلى ثلاثة أشهر، فسيكون الاقتصاد أمام نموٍّ سلبيٍّ يقارب 3%، أي أمام ركودٍ واضح. وإذا طال أمدها سنةً أو أكثر، فإنّ البلاد تدخل في الكساد، مع انكماشٍ قد يلامس 10% أو 11% بالسالب. وهذه ليست مجرّد توقّعاتٍ نظريّة، بل تعكس هشاشة الاقتصاد اللبنانيّ نفسه، وسرعة تأثُّره بأيّ صدمةٍ أمنيّة أو سياسيّة.
لذلك، لا تعني الحرب فقط خسائر يوميّة تُقدَّر بنحو 75 مليون دولار، بل تعني أيضًا استنزافًا لوقتٍ لا يملكه لبنان. الحرب لم تُضف أزمةً جديدةً إلى شجون لبنان الكثيرة وحسب، بل نسفت مواعيد التعافي كلّها دفعةً واحدة، من النموّ إلى السياحة والاستثمار، وأعادت الاقتصاد اللّبنانيّ إلى نزيفه المفتوح أبدًا.
جاد هاني – المدن
The post حرب فوق الانهيار: لبنان يخسر يوميًّا واقتصاد يُقصف مرّتين appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





