ليس ثمة مبالغة في القول إن الحرب التي يعيشها لبنان اليوم هي أخطر الحروب التي عاشها بعد الاستقلال. في العام 1982 وصلت إسرائيل إلى بيروت، ارتكبت مجازر، فرضت اتفاق السابع عشر من أيار. عاشت العاصمة أيام رعب. المعادلة السياسية الإقليمية كانت مختلفة. خرجت منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات بتسوية كان للسعودية دور أساسي فيها وكان المفاوض الأميركي فيليب حبيب.
الظروف الدولية والإقليمية في حينه سمحت بقلب المعادلة، من حرب الجبل 1983 إلى انتفاضة 6 شباط 1984 إلى تحرير الشحار 1984، وفتحت طريق المقاومة إلى الجنوب فقامت بدور استثنائي وأنجزت التحرير. لعبة الأمم لم تتوقف. لبنان استمر إحدى ساحاتها. واسرائيل كانت تستعد لتحاول قلب المعادلة خاصة بعد حرب 2006 التي سبقتها موجة اغتيالات طاولت رموزاً وطنية لبنانية أبرزها الشهيد رفيق الحريري.
اليوم، ومنذ الدخول في حرب الإسناد الأولى من لبنان، تمارس اسرائيل الاستباحة الكاملة بعد النتائج التي حققتها. عاد الاحتلال. عاد التوسّع. المنطقة تغيّرت. لا أحد مستعداً لمساعدة البلد. يبدو شبه متروك، معزولاًَ بالرغم من انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة وقيام الجيش بدور استثنائي في الجنوب لتطبيق قرار حصر السلاح بيد الدولة. مع ذلك لا مساعدات له بل انتقادات وتهديدات في الداخل والخارج، ولا عمل جدياً لسحب اسرائيل من المناطق المحتلة وتأمين عودة الأهالي إلى أرضهم. ثم حرب اسرائيلية أميركية ضد إيران في حزيران الماضي. توقفت، وذهب كل فريق لترميم أوضاعه ومعالجة الثغرات التي ظهرت والاستعداد لمواجهة جديدة وقعت منذ أسبوع، وأولى الضربات فيها اغتيال السيد علي الخامنئي وفتح المنطقة على واقع جديد في كل ساحاتها.
منذ شهرين ونيف، أبلغت اسرائيل وفوداً دولية زارتها أنها لن توقف حربها ضد لبنان ما دام ثمة سلاح بيد حزب الله، وأن الدولة تأخرت أو تلكأت في تنفيذ ما هو مطلوب منها، وهي طبعاً اي اسرائيل لم تنفذ شيئاً من بنود قرار وقف الأعمال العدائية، وقال مسؤولون اسرائيليون بوضوح “لدينا بنك أهداف لن نفصح عنه والضاحية ستتحول إلى أرض غير قابلة للسكن”. بعض الذين كانوا في عداد الوفود ابلغوا المسؤولين اللبنانيين تفصيلياً بما سمعوه. لم تتوقف الحرب الاسرائيلية.
استمر التنسيق الأميركي الاسرائيلي للتحضير لحرب جديدة ضد إيران. أوقفوا عمل لجنة “الميكانيزم”، منعوا انعقاد مؤتمر دعم الجيش. رفع لبنان مستوى التمثيل السياسي في اللجنة فقالوا: “جئتم متأخرين. طلبنا هذا الشيئ منذ أشهر ولم تفعلوا”. وقعت الحرب الكبرى اليوم. ساحتها الأولى إيران وساحاتها المستهدفة دول المنطقة كلها. أقحم لبنان فيها بقرار إيراني وبدأت اسرائيل بتطبيق مخططها. إخلاء الجنوب. تهجير أهله. السعي إلى السيطرة حتى الليطاني. استهداف كل لبنان. تنفيذ قرار جعل الضاحية غير قابلة للسكن وستصبح “مثل خان يونس” كما قال وزير المالية سموتريتش. تفجير أزمة إنسانية اجتماعية سياسية خطيرة في البلد.
خطيئة الذين التزموا هذا القرار ونفذوه لم يدركوا حجم الكارثة التي ستنتج عنه، وتهديد مصير البلد تحت عنوان لا تقبله فئات لبنانية كثيرة “الدفاع عن إيران” بعد اغتيال مرشدها وشن الحرب عليها. والبلد لم يقف على رجيله بعد. هو اليوم مكشوف. ثمة من يطلق اتهامات لقائد الجيش ويطالب بإقالته لأنه لم يذهب إلى مواجهة مع الذين أطلقوا شرارة الحرب اليوم وهم أنفسهم اتهموه! ورئيس الجمهورية “تخاذل” ولم ينفذ ما هو مطلوب منه في الاتجاه ذاته! وكلام من لبنانيين أميركيين إن الرئيس أمام الخيار التالي: “إما أن تنفذ ما هو مطلوب أو تواجه مصيرك” -كلام مخفف- وسهام رواد الحرب الحالية طاولت الرئيس أيضاً واسرائيل تكرّر: “قلنا لكم إذا لم تنفذوا سننفذ نحن، لن نقبل استمرار وجود السلاح بيد حزب الله”. ليس ثمة أحد معنا. يجب أن نعترف بهذه الحقيقة. الناس في ضيق. ووضع صعب. اليوم يكاد يكون لبنان “مخنوقاً” والناس في كارثة. في متاهة. في قلق. ولا أفق واسرائيل تريد فرض شروطها. “لن نضيّع هذه الفرصة” هكذا يقول ممثلوها في مرحلة يعلنون فيها بوضوح أن ما يجري هدفه تغيير وجه المنطقة كلها “فلن يبقى باب بيتنا -الجنوب- مشرّعاً لكل أنواع التهديدات. هذا زمن ولّى”!
المرحلة تستوجب الكثير من الواقعية والعقلانية والدقة في الحساب لحماية لبنان ووحدته ومؤسساته، ولا يستطيع أحد مهما بلغ من قوة و”عظمة” أن يعيش بطلاً دائماً ويبقى يمارس البطولة. لقد تغير العالم اليوم بمفاهيمه وتقنياته وأساليب حروبه ومعايير البطولة فيه ولمسنا ذلك في حرب الإسناد الأولى خلال عامي 2023 و2024. والبطولة ليست في الإقدام من دون تقدير الظروف السياسية بموضوعية وتقدير طاقة الناس على الصمود والتحمّل وخصوصاً في بلد مثل لبنان، كما كان يقول كمال جنبلاط عندما تناول في نقد ذاتي شجاع تجربته تحت عنوان “أخطاء وعبر”، هذا الكبير وقف أمام ذاته وأمانته ومسؤوليته تجاه شعبه وكتب عن سوء التقدير والبطولة وقال: “على القائد السياسي والاجتماعي والفكري -أي الحزبي- أن يكون فناناً ماهراً يدرك مدى الكرّ والفرّ والإقدام والإحجام والتريث والاستمرار والتوقف، وتلوين الصراع بشتى الصور المختلفة. من لا يتقن فنون العرض والإخراج لا يصلح لمهنة السياسة، وعلى القائد السياسي أن يفطن دوماً ان المادة البشرية ليست في يده مطواعاً. حتى البطولة قد يأتي وقت يأنفها الناس ويتحولون عنها”.
البطولة اليوم: الاحتكام إلى العقل. تثبيت الوحدة. حماية الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها الجيش.
The post واقع لبنان وكمال جنبلاط والبطولة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







