مع إعلان التوصّل إلى اتّفاق أميركيّ – إيرانيّ يقضي بوقف العمليّات العسكريّة على جبهات عدّة، بينها لبنان، انفتح النقاش الداخليّ على سؤالين مترابطين: ماذا يعني أن يكون لبنان بندًا في تفاهم إقليميّ، دوليّ، لم يكن شريكًا مباشرًا في صناعته؟ وهل تلتزم إسرائيل بمندرجات مذكّرة التفاهم، والّتي ذُكر فيها لبنان صراحة ثلاث مرّات؟
في خضمّ هذه الأسئلة، نشر المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ، أفيخاي أدرعي، منشورًا عاجلًا تحدّث فيه عن “المنطقة الأمنيّة” في جنوب لبنان، مرفقًا بخريطة قال إنّها تُظهر المنطقة التي تعمل فيها قوّات الجيش الإسرائيليّ داخل الأراضي اللّبنانيّة. وقال أدرعي إنّ الجيش الإسرائيليّ ينتشر، “بناءً على الحاجة العمليّاتيّة”، في منطقة أمنيّة تمتدّ نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللّبنانيّة، مشيرًا إلى أنّ القوّات تواصل عملها في جنوب لبنان بهدف “إزالة التهديدات وتحسين الدّفاع عن سكّان الشّمال”، وفق تعبيره.
ويأتي هذا الإعلان في ظلّ استمرار التوتّر الميدانيّ على الحدود الجنوبيّة، رغم المناخ السّياسيّ الجديد الذي فرضه الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ، وسط مخاوف من أن تتحوّل الوقائع العسكريّة التي تفرضها إسرائيل على الأرض إلى أوراق تفاوضيّة في المرحلة المقبلة.
من البرّ إلى البحر
لم يكن منشور أدرعي مجرّد إعلان إعلاميّ عابر. فالخريطة التي نشرها المتحدّث باسم الجيش الإسرائيليّ جاءت في توقيت سياسيّ وعسكريّ بالغ الحساسيّة، بعد تسريبات إسرائيليّة تحدّثت عن دعوة الجيش اللّبنانيّ إلى التنسيق مع الجيش الإسرائيليّ بشأن التطوّرات الميدانيّة في الجنوب، وعن اعتبار “المنطقة الأمنيّة البحريّة” قبالة لبنان امتدادًا لـ”المنطقة الأمنيّة البرّيّة”. أمّا اللافت أكثر فهو تضمين منطقتي كفرتبنيت وعلي الطاهر كجزء من الخط الإسرائيليّ.
بهذا المعنى، لا تعرض إسرائيل خريطة عمليات فحسب، بل تطرح مفهومًا جديدًا لإدارة الحدود مع لبنان، يقوم على تثبيت منطقة ضغط داخل الأراضي اللّبنانيّة، برًّا وبحرًا، قبل نقلها إلى طاولة التفاوض. وهذا ما يجعل الخريطة جزءًا من رسالة سياسيّة أكثر منها توصيفًا تقنيًّا لحركة القوّات.فالحديث عن عمق يصل إلى عشرة كيلومترات داخل لبنان يعني عمليًّا الانتقال من منطق الخرق الموضعيّ إلى منطق المنطقة العازلة غير المعلنة.
خريطة للتفاوض لا للانسحاب
المعطيات الإسرائيليّة المتداولة تتحدّث عن وجود قوّات في تلال علي الطاهر وكفرتبنيت، قرب النبطيّة، وعن أنّ الانسحاب من مواقع داخل لبنان سيُبحث مع وفد لبنانيّ في واشنطن الأسبوع المقبل. هنا تكمن النقطة الأهمّ: إسرائيل لا تقول إنّها تنسحب، بل تقول إنّ الانسحاب بات ملفًّا تفاوضيًّا.
وهذا التحوّل ليس تفصيلًا. فتل أبيب تحاول أن تنقل المسألة من خانة الاعتداء على السيادة اللّبنانيّة إلى خانة “الترتيبات الأمنيّة”. أي إنّها تريد أن تجعل وجودها داخل لبنان موضوعًا للنقاش، لا واقعة تستوجب الانسحاب الفوريّ.
في هذا السياق، يرى الخبير العسكريّ والاستراتيجيّ، العميد المتقاعد حسن جوني، في حديثه إلى “المدن”، أنّ ما يجري لا يمكن فصله عن التوازنات الإقليميّة الجديدة، ولا سيّما ما يُحكى عن الإطار الأميركيّ – الإيرانيّ، وانعكاساته على جبهة لبنان.
نتنياهو يُبقي النار تحت السيطرة
يقول جوني إنّ الإطار الأميركيّ – الإيرانيّ لم يؤدِّ حتّى الآن إلى التزام إسرائيليّ كامل، لكنّه أدّى، في المقابل، إلى انخفاض كبير في مستوى الاعتداءات الإسرائيليّة والغارات الجويّة. غير أنّ هذا الانخفاض لا يعني انتهاء الضغط الميدانيّ، إذ أبقت إسرائيل، بحسب جوني، على حالة تماس قائمة في الجنوب، خصوصًا في محيط النبطيّة، وكفرتبنيت، وعلي الطاهر، ومناطق أخرى، من خلال القصف المدفعيّ وحركة المسيّرات.
الغاية، وفق قراءة جوني، أنّ بنيامين نتنياهو لا يريد أن يمنح إيران مكسبًا سياسيًّا يظهرها وكأنّها أوقفت الحرب في لبنان بشكل كامل. لذلك، يترك مستوى من النار مضبوطًا ومحدودًا، لا يقود بالضرورة إلى حرب شاملة، لكنّه يمنع إعلان تهدئة كاملة من خارج المسار الإسرائيليّ.
بهذا المعنى، لا يبدو التصعيد الحاليّ منفصلًا عن السياسة. إنّه ضغط ميدانيّ مقصود، يهدف إلى القول إنّ وقف إطلاق النار في لبنان لن يكون نتيجة تفاهم أميركيّ، إيرانيّ وحده، بل نتيجة مسار لبنانيّ، إسرائيليّ، برعاية واشنطن.
ضغط أميركيّ حقيقيّ
في المقابل، لا يتعامل جوني مع الضغط الأميركيّ على إسرائيل باعتباره ضغطًا شكليًّا أو إعلاميًّا. فهو يرى أنّ واشنطن تضغط فعليًّا على نتنياهو، لأنّ إيران أوضحت، أكثر من مرّة وبجدّيّة، أنّ الاتفاق بينها وبين الولايات المتّحدة لن يكتمل إذا بقيت جبهة لبنان مشتعلة.
من هنا، يصبح لبنان جزءًا من الحسابات الكبرى. فإيران، بحسب جوني، أظهرت أنّها معنيّة بملفّ الجنوب، وأنّها قادرة على إعادة تفجير المنطقة إذا اقتضى الأمر. وهذا ما يدفع إدارة دونالد ترامب إلى الضغط باتجاه تهدئة الجبهة اللّبنانيّة، لتأمين الطريق أمام الاتفاق مع طهران.
لكنّ نتنياهو، وفق هذه القراءة، لا يبدو مرتاحًا لهذا المسار. فهو لا يريد فصل ملفّ لبنان، ولا التهديد الذي يشكّله حزب الله، عن أيّ تفاهم مع إيران. ولذلك يحاول عرقلة المسار أو تحسين شروطه، ولو عبر ضربات محسوبة، كتلك التي استهدفت الضاحية الجنوبيّة في توقيت حسّاس، ومن دون هدف واضح ومحدّد.
تمرّد محدود على واشنطن
يصف جوني سلوك نتنياهو بأنّه تمرّد نسبيّ على ترامب، لا توزيع أدوار بينهما. فنتنياهو، في رأيه، غير راضٍ عن الاتفاق مع إيران، ولا عن النتائج التي وصلت إليها الأمور. لكنّ هذا التمرّد يبقى محدود السقف، لأنّ إسرائيل لا تستطيع خوض صراع طويل في الشرق الأوسط من دون الولايات المتّحدة.
قد تستطيع إسرائيل فتح حرب من دون أميركا، لكنّها لا تستطيع مواصلتها من دون الدعم الأميركيّ. وهذه هي النقطة التي تجعل الضغط الأميركيّ قابلًا لأن يُترجم، في النهاية، تثبيتًا لوقف إطلاق النار، ولو بعد مرحلة من المماطلة الإسرائيليّة.
أمّا الانسحاب من جنوب لبنان، فلن يكون سهلًا ولا سريعًا. فإسرائيل ستحاول استخدام مواقعها الحاليّة كورقة في التفاوض، وستسعى إلى انتزاع ترتيبات أمنيّة تضمن لها، كما تقول، أمن مستوطنات الشمال. لكنّ جوني يستبعد أن تستطيع إسرائيل إبقاء مناطق عازلة أو تجريبيّة إلى ما لا نهاية، أو المماطلة لسنوات طويلة.
جنوب لبنان على طاولة واشنطن
الخريطة التي نشرها أدرعي تكشف، في جوهرها، انتقال الجنوب إلى مرحلة جديدة. لم يعد النقاش محصورًا بعدد الغارات، أو بحركة المسيّرات، أو بالخروق اليوميّة. صار السؤال: هل تريد إسرائيل تثبيت أمر واقع داخل لبنان، ثمّ التفاوض عليه؟
إسرائيل تتحرّك على قاعدة أنّ كلّ متر تتموضع فيه اليوم يمكن أن يتحوّل غدًا إلى بند تفاوضيّ. وفي المقابل، تراهن واشنطن على دفع الملفّ نحو تسوية أوسع، تريح جبهة لبنان وتخدم مسارها مع إيران. لكنّ الخطر يكمن في أن تتحوّل “المنطقة الأمنيّة” من توصيف عسكريّ مؤقّت إلى واقع سياسيّ ضاغط. فلبنان، الذي وجد نفسه جزءًا من تفاهم إقليميّ أوسع من قدرته على التأثير المباشر فيه، يواجه في الوقت نفسه محاولة إسرائيليّة لإعادة تعريف حدوده الجنوبيّة تحت عنوان الأمن.
لذلك، فيُمكن القول إنّ خريطة أدرعي أشبه بإعلان عن نيّة، ورسالة إلى بيروت وواشنطن وطهران في آن واحد: إسرائيل تريد أن تكون شريكة في صياغة نهاية الحرب على الجبهة اللّبنانيّة، لا مجرّد طرف يُطلب منه الانسحاب. وبين الضغط الأميركيّ، والممانعة الإسرائيليّة، والحسابات الإيرانيّة، يدخل جنوب لبنان مرّة أخرى في لعبة الخرائط، حيث تُرسم السياسة أوّلًا على الأرض، ثمّ تُنقل إلى طاولة التفاوض.
بتول يزبك – المدن

The post خريطة أدرعي تُشعل الجدل: هل تُفاوض إسرائيل على أرضٍ لبنانية تحت الاحتلال؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







