ترأس كاثوليكوس بطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بدروس الحادي والعشرون ميناسيان رتبة جناز المسيح في كنيسة المخلص برج حمود، بمشاركة لفيف من الآباء الكهنة وجموع غفيرة من المؤمنين.
بعد الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك ميناسيان عظة قال فيها:
“ماذا عساي أن أقول في مثل هذا اليوم، وأنا واحد من الذين آمنوا بابن الله، يسوع المسيح المخلّص؟ ليس لديّ ما أعبّر به سوى شهادة قائد المئة الذي، بعدما شاهد الظلمة في وضح النهار، كما ورد في الكتاب المقدّس:
“وكانت الساعة نحو الظهر، فخيّم الظلام على الأرض كلها حتى الساعة الثالثة” (لو ٢٣/٤٤)،
وسمع صوت الابن يصرخ: “يا أبتِ، في يديك أستودع روحي” (لو ٢٣/٤٦)، عندها أعلن الحقيقة قائلًا: “حقًا، كان هذا الرجل بارًا” (لو ٢٣/٤٧).
نعم، كان هو. كان مخلّصي وفاديَّ، يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود وغير المخلوق. هو المخلّص الذي سار بصمتٍ مهيب تحت وطأة صليب العار، ذاك الصليب الذي أعدّته البشرية للمجرمين والخائنين، أمّا هو فكان يسير وتحفّ به ذكريات أعماله الخلاصية، وما صنعه من نعمٍ وخيراتٍ للبشرية.
كان يسير، وكأن أمام عينيه تمرّ كل عجائبه: من عرس قانا الجليل، إلى إشباع الجموع، إلى شفاء المرضى، إلى إقامة الأموات.
كان يسير بينهم حاملًا صليبه، فيما سياط الخيزران تنهال على جسده الطاهر، وجلّادوه يستهزئون به بلا رحمة. وبينما بعض النساء كنّ يضربن صدورهن حزنًا عليه، التفت إليهن بعينين مثقلتين بالألم، وبجسدٍ أنهكته أوجاع الصليب، وأكتافٍ أنهكها ثقل الخشبة، وظهرٍ منحنٍ يقطر دمًا من شدّة العذاب ونكران البشر للجميل.
نظر إليهن بنظرة شفقة إلهية، وبصوتٍ مفعمٍ بحنان الأب ومحبّة الفادي، رغم آلامه، ورغم صُراخ المتكبّرين من حوله، وقال لهن:
“يا بنات أورشليم، لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن” (لو ٢٣/٢٨).
يا لعمق هذه الكلمات! يا لعظمة هذا الحب الذي لا يزول!”.
اضاف: “بعد هذه الكلمات، عدت إلى أعماق نفسي، وغرقت في محاسبة ذاتي، مرتعبًا مما أنا عليه، وقلت في داخلي: لا… لا أريد أن أسمع هذه الكلمات موجّهة إليّ. لا أريدك يا رب أن تنظر إليّ وتكرّر لي ما قلته لتلك النساء الباكيات. لا أريد أن ألتقي بنظرتك المتألّمة هذه، لأنني أعلم جيدًا أنني أخطأت إليك وخنت محبتك بأفكاري وأقوالي وأفعالي. خنتك بأفكاري عندما سمحت للكراهية أن تدخل إلى قلبي تجاه إخوتي وأخواتي، وحملت لهم البغض بكبريائي. وخنتك بأقوالي عندما جرحتهم باتهاماتي وأحكامي، وبأفعالي عندما أسأت إليهم. نعم، خنتك عندما قتلت المحبة في قلبي تجاه الآخرين، أفرادًا وجماعات، كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً. خنتك، لا كفردٍ فقط، بل أحيانًا بعثرت شهادة الإيمان حتى أمام من يتبعونني. خنتك وأنا أدّعي أنني أحبك، وأنا في قرارة نفسي أعلم أنني إنسان خاطئ.
لذلك رفعت عينيّ نحو اللص اليمين، ذاك الذي أعاد إليّ الوعي، لأراك فيه المخلّص الحقيقي، ولأتعلم منه التوبة الصادقة، ولأندم على كل ما ارتكبته من شرٍّ وكيدٍ في حياتي، لعلّي أستحق أن أسمع كلماتك المليئة رجاءً، تلك التي قلتها في أقسى لحظات الألم:
“الحق أقول لك: إنك ستكون معي اليوم في الفردوس” (لو ٢٣/٤٣).
نعم، ما أعذب هذه الكلمات! كلمات تعزّي القلب، وتزرع الرجاء، وتفتح باب الحياة الأبدية.
نعم، هذا هو رجائي، وهذا هو أملي، وهذا هو طلبي: أن أكون في موقف ذلك اللص الذي نظر إليك بإيمان، فأحببته وخلّصته”.
وتابع: “هكذا اليوم الجمعة العظيمة، المكرّس لذكرى الامك وصلبك وموتك على الصليب نرفع إليك صلاتنا من أجل كلّ أمّ تتألم بصمت، كما تألّمت أمّك مريم عند أقدام الصليب. وكلّ أمّ تحمل هموم عائلتها في قلبها، قوِّها وامنحها صبرًا ورجاءً. بارك يا رب الأمهات اللواتي يضحّين كلّ يوم من أجل أولادهن، واحفظهم بنعمتك. كما ونضع أمامك وطننا لبنان المتألم، الذي ينزف من أوجاعه الإجتماعية والأخلاقية والسياسية دم أبنائك ومستقبلهم، فبجاه آلامك يا ربّنا ومخلّصنا امسح دموع شعبك في وطننا الغالي وازرع فيه سلامك وعدلك ورجاء القيامة. هكذا نتعلّم من صليبك معنى المحبة الحقيقية، لنحمل بعضنا بعضًا في الصلاة، ونعيش على رجاء القيامة”.
وفي الختام، أقيم الزياح في الباحة الخارجية، حيث حمل النعش ووضع في القبر الى يوم القيامة المجيدة.
The post ميناسيان: بجاه آلامك يا ربّنا امسح دموع شعبك في وطننا الغالي appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




