من الغرف المغلقة إلى الاجتماعات المتنقلة: التحول الأمني داخل حزب الله

التاريخ: 03 نيسان 2026
من الغرف المغلقة إلى الاجتماعات المتنقلة: التحول الأمني داخل حزب الله

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

لم يكن اغتيال قادة حزب الله حدثاً يدوّن للتاريخ في سجلاته فحسب، بل شكّل نقطة تحوّل في ديناميكيته وهيكليته. فخلال حرب الإسناد أدرك حزب الله أنَّ الخروقات التي طالت أعمدته التنظيمية لا تقتصر على الجانب التكنولوجي، إنما تتخطاه إلى الهيكلية البشرية التي تحتاج إلى إعادة نظر لتجنيبه مزيداً من الخسائر الأمنية والعسكرية.

حزب الله والبيت الداخلي

فجر الأربعاء دوّت ثلاثة انفجارات في بيروت سمع صداها على طول الساحل. قوة القصف تركت انطباعاً بأن إسرائيل اغتالت أحد قادة حزب الله، وبأن الشخصية المستهدفة هي من الصف الأول. كثرت التكهنات، لا سيما مع ترويج الإعلام الإسرائيلي لفكرة أن “الصيد ثمين”، إلى أن تبنت تل أبيب بعد ساعات اغتيال يوسف اسماعيل هاشم ( المعروف بالسيد صادق) والذي قالت إنه قائد جبهة الجنوب.

وفق المتحدث باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي، فإنَّ هاشم يتمتع بخبرة تزيد عن أربعين عاماً، ويعد أحد الأعمدة الأساسية في حزب الله، حيث تولى قيادة جبهة الجنوب بعد اغتيال علي كركي في الغارة التي استهدفت السيد حسن نصرالله. وقال أدرعي إن هاشم كان مسؤولاً عن وحدات نصر وعزيز وبدر، وهي الوحدات المسؤولة عن القتال ضد الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان وإطلاق القذائف الصاروخية نحو إسرائيل.

لكن في مقابل توصيف أدرعي، لم يصدر أي نعي رسمي لحزب الله، وهو ما كشف أكثر من نقطة مرتبطة بهيكيلية الحزب واستراتيجيته الجديدة. اذ تقول أوساطه لـ “المدن” أنه مع انطلاق عملية “العصف المأكول” اتُخذ القرار بعدم نعي أي شهيد، وهو ما يندرج ضمن إطار سرية العمل. فالنعي يسهم بطريقة غير مباشرة بتجميع الداتا الاسرائيلية، وهو ما يرفض الحزب أن يكون جزءاً منه. لكن وبغض النظر عن تكتّم الحزب رسميا عن رتبة هاشم إلا أن ما كشف من معلومات حول المهام التي كان يتولاها، يدلُّ إلى التغيير الذي اعتمده في بنيته التنظيمية بعد حرب الإسناد التي كشفت الكثير من ثغرات.

وتقول المصادر أنه بعد اغتيال علي كركي الذي كان مسؤولاً عن إدارة النار في ما يعرف بمقر سيد الشهداء، أي جبهة الجنوب حيث تعمل وحدات نصر وعزيز وبدر، عيّن هيثم الطبطبائي خلفاً له. في تلك الحقبة، تقول المصادر إنَّ حزب الله قرر إدخال تعديلات على هيكيليته عبر إرساء قاعدة العمل ضمن مجموعات صغرى واعتماد اللامركزية في القرار لسد الثغرات البشرية والتكنولوجية. وعليه عيّن السيد صادق بمثابة منسّق بين المجموعات الثلاث التي باتت مستقلة عن بعضها البعض نوعاً ما، إذ إن كيفية إدارة الجبهة اختلفت وتحولت القيادة من مركزية إلى لامركزية. إنطلاقاً من هنا، تقول المصادر إنه، وعلى الرغم من أهمية الرجل الذي كان مسؤولا سابقاً عن ملف العراق وتوليه لاحقاً الربط الإداري واللوجيستي بين الوحدات الثلاث العاملة في الجنوب بعد حرب الإسناد، إلا أنه لم يكن قائد الجبهة الجنوبية مثل خلفه كركي، كما وصفه الجانب الإسرائيلي، وهو ما يدلّ على سريّة التركيبة الجديدة.

العنصر البشري بديل عن التكنولوجيا

خلال حرب الإسناد، وجهت إلى حزب الله أكثر من ضربة موجعة لاجتماعات قيادية رفيعة المستوى، ومن بينها استهداف اجتماع لقوة الرضوان واغتيال السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين مع معاونيهما، وقبلهما مجموعة بيت ياحون التي كانت تضم عباس رعد نجل النائب محمد رعد وآخرين.

رتبت هذه الضربات الموجعة على أصحاب القرار في حزب الله، إعادة نظر في بنيته الاستخباراتية، وهو ما تجلّى مجدّداَ في تفاصيل عملية اغتيال يوسف اسماعيل هاشم.

فحزب الله ومن ضمن عمله الاستخباري، لم يعد يعتمد بشكل أساسي على عقد الاجتماعات ضمن مبان وقاعات وغرف ومكاتب، بل صار ينتهج أسلوب الاجتماعات المتنقّلة والخاطفة في أماكن مفتوحة أحياناً وغير ثابتة، وهو ما يفسّر وجود شخصية قيادية كهاشم في سيارته في منطقة الجناح، علماً أن الرجل، وخلافاً لما تردّد، لم يكن مترئساً لاجتماع داخل خيمة لحظة استهدافه، ولم يكن برفقة موكب كبير، إنما كان يعقد اجتماعاً داخل سيارته المركونة جنب الطريق برفقة معاونه محمد باقر النابلسي، علماً أنه، ووفق المصادر الأمنية، سبق أن تردّد إلى المكان.

في استراتيجيته الجديدة أيضاً، ابتعد حزب الله قدر الإمكان عن التكنولوجيا واستعاض عنها بوسائل تعتمد بشكل أساسي على العنصر البشري، وأحياناً على الطرق البدائية غير القابلة للاختراق. وعليه قرر حزب الله اعتماد اللامركزية والاستعاضة عن غرف العمليات الأساسية للتحكم والسيطرة، بقرارات تتخذ في الميدان وفقاً للظروف والإمكانات ضمن غرف مناطقية، وذلك يعود لهدف رئيسي وهو انتفاء الحاجة للتواصل بغية الإبتعاد عن الخروقات التكنولوجية لنظام الإتصال والتواصل.

هل تعافى حزب الله؟

صحيح أن عملية اغتيال هاشم شكلت ضربة موجعة لحزب الله، إلا أنها الأولى من نوعها لناحية أهمية الشخصية المستهدفة منذ بداية “العصف المأكول”. هذا الأمر يؤكد، بحسب أوساط الحزب، أن تكتيك الحزب الاستخباري والهيكلي الجديد قد نجح، بدليل إخفاق الجانب الاسرائيلي بالوصول إلى قيادات الصف الأول بالوتيرة نفسها التي حصلت في حرب الـ 2024.

يقول متابعون إنَّ عملية “العصف المأكول” كانت الترجمة الحقيقية لاعادة تعافي حزب الله ودحضت كل السردية الاسرائيلية حول انهياره. فكيفية إدارة المعارك اليوم عبر الهجوم والتحرّك لا الدفاع عن نقطة جغرافية محددة تعكس رشاقة في العمل الميداني، على حد وصف المراقبين. كما أن التخلص من الخرق التراكمي الذي ورثه حزب الله من انخراطه في الحرب السورية خلق مزيداً من الانضباط داخل جسمه الذي ضُخّت فيه دماء أجيال جديدة، من جهة عالجت ثغرات هرمية موجودة، ومن جهة أخرى أعادت بناء الهيكيلة على أسسس حديثة يعوّل عليها في معركته العقائدية مع إسرائيل.

لارا الهاشم – المدن

The post من الغرف المغلقة إلى الاجتماعات المتنقلة: التحول الأمني داخل حزب الله appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية