تحوّلت الأرصفة الممتدّة من «دوار الطيونة» إلى «جسر البربير» إلى ما يشبه مخيّماً للنازحين، حيث تنتشر خيم وسيارات على جانبي الطريق وفي «الوسطية»، وصولاً إلى مدخل نفق الطيونة.
يؤوي «المخيم» نازحين فارّين من القصف على الضاحية ممن لا يريدون الابتعاد عن منطقتهم. مع انتهاء كل جولة قصف، يعود كثيرون منهم إلى أحيائهم لتفقّد منازلهم. بعضهم يمضي يومه كاملاً في بيته، قبل أن يعود ليلاً إلى الشارع للنوم، خوفاً من غدر الاستهداف العشوائي. المشهدية ليست جديدة، بل تكرار لما جرى خلال حرب الـ66 يوماً عام 2024. يومها، لم تفتح بلدية بيروت أبواب «الحرش» أمام النازحين، فاتخذوا من الطريق العام مأوى. واليوم، يُسمح لهم بالدخول إليه فقط لاستخدام المراحيض وتعبئة المياه.
«نعيش أجواء الحرب، لكننا مطمئنون قرب الضاحية»، يقول أبو عباس، الستيني الذي نزح مع عائلته من حي الصفير إلى الطيونة، وأمضوا ثلاثة أيام في العراء قبل أن يحصل على خيمتين من «فاعل خير»، نصبهما بمحاذاة سور «الحرش».
لا يصعب على «أبو عباس» تحديد مواقع استهداف الغارات من شدّة أصواتها، وينتظر دائماً هدوءاً نسبياً ليعود إلى الضاحية، ويتفقّد ما إذا كان منزله قد نجا من «الجنون الإسرائيلي». وعند سؤاله عن سبب عدم الابتعاد أكثر، يجيب: «ما بدي أترك حارتي وبيتي»، مشيراً إلى أنه، من موقعه في الطيونة، يتمكّن من العودة شبه اليومية لجلب الحاجات الأساسية لعائلته، من ملابس وأدوات مطبخ.
معظم سكان «مخيم الطيونة» نزحوا من أحياء الضاحية القريبة، كالشياح والصفير ومحيط كنيسة مار مخايل. وقد غادروا منازلهم بعد إنذار الإخلاء الشامل الذي أصدره جيش العدو، بعد أيام من بدء الحرب، لا في يومها الأول.
الحياة في «المخيم» ليست يسيرة. فالحاجات الأساسية تُؤمَّن عبر مبادرات فردية ومساهمات إغاثية محدودة، في ظل غياب شبه تام للمؤسسات الرسمية. وبحسب «أبو محمد»، النازح من الشياح، يتوافد بعض المتبرّعين بين حين وآخر للسؤال عن احتياجات العائلات من خيم ومياه وطعام، لافتاً إلى أن «الناس ما تُركت كتير بالعرا، إذ وصلت مجموعة من الشباب ووزّعت خيماً على الجميع».
لكن، الخيم لا تؤدّي أكثر من وظيفة «الستر»، وهو ما كشفته الأمطار منذ بدء النزوح. صفاء، وهي أيضاً من سكان الشياح، تروي أن المشهد كان قاسياً مع هطول الأمطار: «الخيمة ما صمدت، وكان الوقوف برّا تحت الشتي أهون من القعدة جوّا والمَي عم تفوت من كل الجهات».
استعداداً لجولات المطر الجديدة، وزّع بعض المبادرين «طبليات» خشبية توضع تحت الخيم لرفعها عن الأرض والتخفيف من تسرّب المياه أو انجرافها مع السيول.
ولا تقتصر مشقّة النزوح على اللبنانيين وحدهم، إذ يتقاسمها أيضاً سوريون كانوا يقيمون في الضاحية ولم يتمكّنوا من العودة إلى بلادهم. من بينهم عائلة راغدة، المتحدّرة من بلدتَيْ نبل والزهراء في ريف حلب. كذلك هناك عائلات سورية نزحت أكثر من مرة: من مجازر الساحل السوري إلى الضاحية، قبل أن تجد نفسها اليوم مجدداً في مواجهة النزوح تحت وطأة العدوان الإسرائيلي. كما تقيم عائلات أخرى من ريف حمص. هؤلاء جميعاً يتقاسمون اليوم قسوة النزوح وأهوال الحرب مع اللبنانيين، في ظل استحالة العودة إلى بلادهم.
في «مخيم الطيونة»، تتقاطع معاناة اللبنانيين والسوريين، ليصبح النزوح مشتركاً وتجربة الحرب واحدة. الجميع يعيش خوف الغارات، ويتشارك محدودية الموارد، في خيم بالكاد تقيهم المطر والبرد. هنا يتقاسمون اللحظات الصعبة، وتتشكّل وحدة غير مُعلنة بين من فقدوا بيوتهم، ومن لم تعد لديهم خيارات سوى البقاء قرب ما تبقّى لهم من أرض وحياة.
رماح إسماعيل – الاخبار
The post "مخيّم الطيونة": نازحون على تخوم الضاحية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





