لم يعد الحديث عن وصول وحدات من قوات الاحتلال حتى مجرى نهر الليطاني عبر أحد متفرعاته في القطاع الشرقي ذا اهمية، طالما أنّ العملية العسكرية مستمرة حتى «ضمان أمن سكان الجليل»، بعد الاشارة إلى أنّ مئات الآلاف من اللبنانيين لن يعودوا إلى مناطقهم ما لم يعود أولئك إلى مستوطناتهم. وعليه، ما هو الجديد المطروح بعدما توسعت المنطقة المحتلة إلى ما يقترب مما كان عليه الوضع قبل التحرير في 25 أيار 2000، عدا تلك التي أُخليت قسراً من جنوب نهر الليطاني وشماله؟
بات واضحاً أنّ ليس هناك أي قوة سياسية أو ديبلوماسية محلية، إقليمية او دولية قادرة على لجم العملية العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، بعدما استفادت تل أبيب بكل بساطة من انشغال العالم بمجريات الحرب على إيران والمهل التي أعطاها الرئيس الاميركي دونالد ترامب وما زال يمدّدها قبل قصف المنشآت الكهربائية، عدا عن الضجيج القائم حول مضيق هرمز، في ظلّ الاستثناءات الإيرانية التي بدّدت هواجس عدد من الدول التي لم تنخرط في الحرب، فسمحت لها بعبور حاملات النفط الخاصة برسوم خيالية. وكل ذلك يتزامن مع الوساطة الباكستانية ـ المصرية ـ التركية قبل انضمام السعودية إلى الثلاثي السنّي.
على هذه الخلفيات، لا تتردّد المراجع الديبلوماسية والعسكرية، عند مقاربتها لما يجري على الساحتين اللبنانية والإيرانية، في التأكيد انّ ما يمكن أن تتحمّله إيران من تكلفة الحرب لا يستطيع لبنان تحمّله، وخصوصاً في ظلّ الإهمال الدولي للنداءات اللبنانية والفرنسية والمصرية، وتلك التي تحاول البحث عن آلية للجم العدوان، طالما أنّ هناك في لبنان من استدرجها إلى آتون الحرب الشاملة عليه، وما حصدته من ضحايا في كل لبنان والجنوب تحديداً، حيث بات من الصعب إحصاء عدد الشهداء والضحايا، بعد التشكيك في دقة لوائح «هيئة إدارة الكوارث» في السراي الحكومي، في انتظار التثبت من مصير من هم على لائحة «مفقودي الأثر». ويُضاف إليهم، ما زاد على لائحة الاسرى منذ الحرب السابقة، عدا عن الحصيلة النهائية لأعمال النسف والتجريف للمنازل والمؤسسات وتدمير مظاهر الحياة في عشرات القرى إلى درجة تستحيل العودة اليها.
وإلى هذه المعطيات التي لا يرقى إليها أي شك، ثبت لدى هذه المراجع، انّ كل المحاولات التي جرت لتجميد التهديد بنسف الجسور والعبّارات فوق مجرى نهر الليطاني، من جسر القاسمية ساحلاً الى جسر الدلافة في البقاع الغربي، لم تأت بأي نتيجة. وخصوصاً بعد انهيار المبادرات كافة، ومنها المصرية بعد الفرنسية التي زادت من المخاوف على أكثر من مستوى، ولا سيما عند الحديث عن مصير ما بين 750 إلى 800 ألف نازح جنوبي، باتوا مشرّدين من بيروت إلى عكار، من دون أن ينتهي مسلسل الإخلاءات القسرية حتى الأمس، مع الخوف من ان يشمل في أي وقت صور ومحيطها.
وبمعزل عن هذه الملاحظات على أهميتها، فإنّ خبيراً عسكرياً يعمل في لجنة «الميكانيزم» لفت إلى أنّ النتوءات التي أحدثها الجيش الإسرائيلي في الجنوب لم تكن شاملة على مستوى جغرافية المنطقة، وهي توحي بأنّها لا تبغي احتلالاً تقليدياً للمنطقة لمجرد انّها توغلت من «مسارب جغرافية» محدّدة، تحاكي محيط المراكز الخمسة التي كانت تحتفظ بها، بهدف السيطرة على تلال تشرف مباشرة على مستوطناتها في الجليلين الشرقي والأوسط حتى الساحل، وهي لا تنوي البقاء فيها كما من قبل، ولكنها ستفاوض على كل مسرب منها إن وافقت في أي وقت على المفاوضات مع لبنان.
وجاءت هذه التأكيدات لتحاكي الاسباب التي دفعت إلى إعادة الانتشار التي قامت بها وحدات الجيش في المنطقة الواقعة بين المسارب الإسرائيلية المحتلة، لتشير إلى انّ أي جيش في العالم لا يمكنه ان يكون أسير احتلال يطوّق مراكزه ويقطع الطرق المؤدية اليها، من دون التأثر بسيل المواقف التي تنتقد الخطة التي نُفّذت بتقطع، لافتة إلى انّ الاسلحة الثقيلة التي استخدمها الحزب في القصف ليست من ضمن بقعة انتشار الجيش جنوب الليطاني وفق المرحلة الأولى من «حصر السلاح»، وهي بعلم الجميع شمال مجرى الليطاني. وانّ إعادة الانتشار في القرى التي أخلاها، لن تتمّ قبل أي تفاهم يؤدي إلى سحب العدو منها. فهو يستغل أكثر من ظرف للتوغل إلى عمق يتراوح بين 5 و10 كلم في الداخل، وخصوصاً بعد «الحجة الكبرى» التي منحت له بصواريخ الثاني من آذار، التي وفّرت له الغطاء الدولي لـ«عملية انتقامية محدودة». وإنّ أي حديث بأنّ ما حصل في الجنوب والضاحية وبيروت والبقاع على همجيته، كان قدراً متوقعاً بمعزل عمّا جرى في إيران ونصرة الحزب لها هو محض نظريات «خنفشارية» لا تستحق التوقف عندها لا بالمعنى العسكري ولا بالديبلوماسي.
وختاماً، لا يمكن للخبراء العسكريين إخفاء الخشية من احتمال أن تطور إسرائيل من عملياتها لتجاوز مجرى الليطاني في اتجاه منطقة ما بين النهرين التي يمكن بلوغها من بوابة البقاع الغربي لإنهاء وجود المراكز العسكرية للحزب في اقليم التفاح وجروده. وهي التي كانت تشملها المرحلة الثانية من خطة «حصر السلاح». وهو أمر خطير في حال حصوله يتجاوز أهمية بلوغ مجرى الليطاني، ذلك انّه لمن لا يدرك أنّ إسرائيل، وإن كانت لا تعتمد دستوراً، فهي لم تثبت حدودها الدولية بعد.
جورج شاهين – الجمهورية
The post ماذا بعد التوغل الإسرائيليّ حتى مجرى الليطاني…؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






