العبرة بالتنفيذ. ربما هي العبارة الوحيدة التي يمكن استخدامها لدى التعاطي مع اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي الذي جرى توقيعه برعاية أميركية. اتفاق أريد له أن يفصل لبنان عن ملف إيران، ويسهم في إعادة تشكيل وهندسة المنطقة وتوازناتها. وكل طرف يسعى إلى ادعاء تحقيق الإنجاز من خلاله. فالدولة اللبنانية تعتبر ما جرى انتصاراً للسيادة، أما إسرائيل فنتظر إليه كانتصار لما أرادت تحقيقه وهو بناء عناصر تنسيق وشراكة مع الدولة اللبنانية لتفكيك حزب الله، أما الجيش اللبناني فلا يزال عند نقطة السؤال حول آلية التنفيذ في ظل رفض حزب الله لتطبيق الاتفاق. لا يمكن فصل هذا الاتفاق عن الإطار الدولي والإقليمي. ولكن في البداية لا بد من التركيز على مضمونه.
الاعتراف بالسيادة
باختصار ينص الاتفاق على الاعتراف الرسمي بين الدولتين بعضمها ببعض وبسيادتهما على أراضيهما، وهي المرة الأولى التي يتم فيها التوقيع على ورقة مشتركة بين مسؤول لبناني ومسؤول إسرائيلي، منذ 17 أيار 1983. الاعتراف بالسيادة يعني ضمناً اعتراف إسرائيل بحدود لبنان الدولية، لكن العبرة تبقى في الانسحاب وموعده وآلياته، وهذه لا يلحظها الاتفاق بل يرهنها بالتطورات الأمنية، وإنهاء أي تهديد أمني يطال إسرائيل، وهو ما سيكون مرتبطاً بموضوع سحب سلاح حزب الله. وعليه، فمن أبرز النقاط في الاتفاق هي أنه:
مسار مفتوح لتحقيق السلام بين البلدين.
لا يتحدث رسمياً عن الانسحاب الكامل ولا عن جدول زمني لذلك، بل يشير إلى إعادة تموضع.
يتطرق الاتفاق إلى تنسيق مباشر بين لبنان وإسرائيل، على المستويات السياسية والأمنية لضمان أمن البلدين وحدودهما.
العمل على تشكيل لجان لتحقيق السلام بين البلدين.
العمل على توقيف أي شخص له صلة عسكرية أو أمنية بحزب الله، وإقرار القوانين اللازمة لذلك أو اتخاذ الإجراءات الخاصة بهذا الأمر.
إلغاء القوانين التي تجرم التواصل والتعامل بين لبنان وإسرائيل.
أي انسحاب لإسرائيل سيكون مشروطاً بنزع سلاح حزب الله، وهذه النقطة يترجمها الإسرائيليون بأنها تمنحهم حرية حركة داخل منطقة الخط الأصفر لإزالة أي تهديدات، وهي سيستخدمها الإسرائيلي لمواصلة تنفيذ عمليات عسكرية ضد الحزب إلى حين إزالة سلاحه وتفكيكه.
العمل على تشكيل لجان لترسيم الحدود بين البلدين.
كذلك تم التوصل إلى إقرار الملحق الأمني ولكن لن يتم نشره. بينما تشير بعض المعلومات إلى إصرار إسرائيلي أميركي على التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين؛ أي إنشاء لجنة عسكرية ثلاثية تضم لبنان، إسرائيل وأميركا.
مآزق المناطق التجريبية
يتحدث الاتفاق عن مناطق تجريبية ينسحب منها الجيش الإسرائيلي ليدخل إليها الجيش اللبناني، هذه المناطق تقع شمال نهر الليطاني وجنوبه، وهي ستكون خاضعة للاتفاق الأمني وكيفية تطبيقه، لكن بحسب المعلومات فإن المسألة ستكون عبارة عن مناطق يتم تحديدها والتحرك فيها على أن يتحقق الانسحاب المتسلسل للإسرائيليين من كل منطقة يدخل إليها الجيش ويسحب السلاح منها، وصولاً إلى تحقيق الانسحاب الكامل.
وفيما كان لبنان يصر على بدء تطبيق المناطق التجريبية داخل الخط الأصفر وجنوب الليطاني، فإن ما جرى التوصل إليه في الاتفاق، هو بدء تحرك الجيش داخل منطقة في شمال نهر الليطاني، مقابل منطقة أخرى في جنوبه، وبحسب المعلومات فقد تم الاتفاق على مربع جغرافي بين شمال الليطاني وجنوبه. عرض الإسرائيليون في البداية أن يبدأ الجيش التحرك في كفرتبنيت وعلي الطاهر، (هذه المنطقة التي وصفها نتنياهو بأنها أضيفت مؤخراً إلى الخط الأصفر لكنها ليست ذات أهمية عسكرية ولا تشكل تهديداً على إسرائيل) وبالتالي ينسحب الإسرائيليون من هناك بينما يدخل الجيش اللبناني ويعمل على تفكيك بنية حزب الله، لكن الجيش اللبناني رفض ذلك لأنه سيؤدي إلى صدام داخلي. فاقترح لبنان مجدداً منطقة زوطر الشرقية والغربية، يحمر وأرنون بما فيها قلعة الشقيف، لينسحب منها الإسرائيليون ويدخلها الجيش، أما المنطقة في جنوب النهر فالاقتراح هو الدخول إلى الغندورية وفرون، المقابلتين للمناطق التي سيدخلها الجيش شمال الليطاني.
..والاتفاق التجريبي
خطورة الاتفاق أنه تجريبي، وأنه سيكون خاضعاً للتقييم الأميركي والإسرائيلي، وهذا يعني أن إسرائيل تريد أن تكون شريكة في أي عملية حول سحب السلاح أو تحديد مسارات انتشار الجيش، والإشراف على عمل الجيش، إذ يذكر البيان أن قوات أميركية خاصة ستتولى تدريب الجيش اللبناني والإشراف على عمله وقد تكون شريكة معه. وهذا ما لا يمكن لحزب الله أن يوافق عليه. كما أن كل طرف سيعترض على هذا الاتفاق، سيكون عرضة للعقوبات الأميركية.
البيان الخليجي- الأميركي
جانب مما استند إليه لبنان هو الموقف المشترك الصادر عن دول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، الذي أعطى لبنان غطاء كاملاً للخروج من مظلة إسلام أباد ومسار التفاوض الإيراني الأميركي، وأن يستكمل مفاوضاته مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق، وبالتزامن مع تمديد المفاوضات يوماً إضافياً كان الموقف الرسمي اللبناني يعبر عن الشكر للبيان الخليجي حول الحرص على سيادة لبنان وتعزيز الدولة.
ترامب والسيطرة
لذا يبقى الاتفاق اللبناني الإسرائيلي برعاية أميركية، له علاقة بالصورة العالمية التي يريد دونالد ترامب أن يرسمها في المنطقة أو حول العالم. هو يستند على اتفاقه مع إيران لعدم تعطيل الاتفاق الذي فرضه الأميركيون بين إسرائيل ولبنان، وإن كان يتعارض مع بعض المصالح الإيرانية. يمكن للاتفاق أن يكون على مستوىً دولي، يتعلق بإعادة هندسة الولايات المتحدة الأميركية للمنطقة، خصوصاً أن الحرب على إيران وصولاً إلى الاتفاق معها هدفه السيطرة على النفط وممراته وأنابيبه، وهو ما تريد أميركا تكريسه من خلال نشاطها في إسرائيل، لبنان، سوريا، العراق، إيران ودول أخرى تسعى واشنطن إلى ضمها كلها لمشروعها، لكن هذا المشروع يبقى عرضة للتفجير.
منير الربيع- المدن
The post مآزق المناطق التجريبية… والعبرة بالتنفيذ! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





