لماذا يجب طرد السفير الإيراني من لبنان؟

التاريخ: 10 آذار 2026
لماذا يجب طرد السفير الإيراني من لبنان؟

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

في العلاقات الدولية، يملك أيّ بلد الحق الكامل في إعلان سفير دولة أجنبية شخصًا غير مرغوب فيه عندما يتبيّن أن وجوده أو نشاطه يتجاوز حدود العمل الدبلوماسي ويهدّد سيادة الدولة المضيفة. هذا المبدأ ليس استثناءً، بل قاعدة ثابتة في القانون الدولي نصّت عليها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية.

لذلك يطرح اللبنانيون اليوم سؤالًا بسيطًا بقدر ما هو حاسم: لماذا ما زال السفير الإيراني في بيروت في موقعه رغم كلّ ما جرى؟

القرار الأخير للحكومة اللبنانية لم يعد يسمح بالتعامل مع الدور الإيراني في لبنان على أنه مجرّد نفوذ سياسي أو دعم لحليف محلّي. ما تكشف في الأشهر الأخيرة يؤكد أن الوجود الإيراني في لبنان ليس سياسيًا فقط، بل هو وجود عسكري وأمني مباشر للحرس الثوري الإيراني داخل الأراضي اللبنانية.

للمرّة العاشرة منذ عام 1985، يدخل لبنان في مواجهة عسكرية واسعة مع إسرائيل والولايات المتحدة من دون قرار صادر عن الدولة اللبنانية. الجديد هذه المرّة أن رئيسي الجمهورية والحكومة أعلنا بوضوح أن لبنان لا يريد الانخراط في الحرب. ومع ذلك فُتحت الجبهة الجنوبية وتحوّل البلد إلى ساحة مواجهة إقليميّة.

النتيجة كانت كارثية: تهجير ما يقارب نصف مليون لبناني، تدمير قرى بأكملها، وضربات طاولت مناطق واسعة من بيروت والجنوب والبقاع.

هذه الوقائع لم تكن نتيجة قرار لبناني، بل نتيجة قرار فُرض على لبنان من خارج مؤسّساته. فالمعطيات الميدانية التي ظهرت في الأيام الأخيرة كشفت أن ضباطًا من الحرس الثوري الإيراني – فيلق القدس يديرون العمليات العسكرية ويشرفون مباشرة على التخطيط الاستراتيجي وإعادة بناء قدرات “حزب اللّه” بعد الضربات التي تلقاها. منذ تأسيسه، “حزب اللّه” هو فرع عملياتي للحرس الثوري داخل لبنان.

كما أن الجيش الإسرائيلي أعلن مقتل القائد الإيراني المسؤول عن نشاط الحرس الثوري في لبنان داوود علي زاده، مؤكدًا أنه كان من الشخصيات التي دفعت باتجاه فتح جبهة الحرب ضد إسرائيل. وفي أعقاب ذلك، وُجّه إنذار مباشر إلى ممثلي النظام الإيراني في لبنان بمغادرة البلاد، ما أدّى إلى فرار عشرات من ضباط الحرس الثوري من بيروت خلال 48 ساعة.

ومع ذلك، فإن الوقاحة تكمن في أن عددًا من هؤلاء العناصر ما زال موجودًا في بيروت، حيث يستأجرون غرفًا في الفنادق ويحوّلونها إلى غرف اجتماعات وعمليات، كما تبيّن بعد مقتل أربعة عناصر من الحرس الثوري في فندق الرمادا في رأس بيروت.

إن مجرّد وجود هذا العدد من الضباط الإيرانيين الذين يديرون العمليات العسكرية داخل لبنان ويصدرون قرارات الحرب يطرح مسألة تتجاوز النفوذ السياسي. ففي القانون الدولي والسياسة الواقعية على السّواء، عندما تتولّى قوّة أجنبية إدارة العمليات العسكرية داخل دولة أخرى وتفرض عليها قرارات الحرب، يصبح ذلك تعريفًا واضحًا للاحتلال.

تعيين السفير الإيراني الجديد محمد رضا رؤوف شيباني يؤكد هذا الاتجاه. فالرجل ليس دبلوماسيًا تقليديًا، بل عنصرًا في جهاز الأمن والاستخبارات الإيراني المعروف بـ “إطلاعات”. كما أنه ليس غريبًا عن لبنان، إذ سبق أن شغل منصب السفير بين عامي 2006 و 2009 خلال مرحلة مفصلية من الصراع الإقليمي.

أمّا السفير السابق مجتبى أماني، فقد بلغت وقاحته حدّ تحدّي اللبنانيين علنًا، إذ لم يُخفِ أنه أُصيب خلال عملية “البيجر” العام الماضي، في إشارة واضحة إلى انخراطه المباشر في النشاطات المرتبطة بالعمل العسكري، لا الدبلوماسي فحسب.

ولسنوات طويلة، كان توزيع الأدوار واضحًا: السفارة الإيرانية في بيروت بيد الاستخبارات، فيما كانت سفارة سوريا بيد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، إضافة إلى الدور نفسه الذي تؤدّيه السفارات الإيرانية في العراق واليمن.

حتى بعد التحوّلات السياسيّة التي شهدها لبنان، ورغم خطاب القسم لرئيس الجمهورية الذي أكد ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، ورغم البيان الوزاري الذي تعهّد باستعادة السيادة اللبنانية، لم يتغيّر سلوك طهران. فقد استمرّت زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى بيروت، وتصاعدت الخطابات التي تقدّم لبنان باعتباره جزءًا من “محور المقاومة”، فيما تواصل الدعاية الإيرانية التفاخر بأن إيران موجودة على بعد كيلومترات قليلة من إسرائيل عبر لبنان. ولا يقتصر النفوذ الإيراني على البعد العسكري. فـ “حزب اللّه” المرتبط بالحرس الثوري لا يزال جزءًا من بنية الحكم اللبنانية: فهو ممثل في الحكومة، حاضر في مجلس الوزراء، يمتلك كتلة نيابية في البرلمان، ويتمتع بحصانات سياسية داخل النظام نفسه. أي أن التنظيم المسلّح المرتبط بإيران أصبح جزءًا من منظومة السلطة في الدولة التي يفترض أن تكون مستقلّة.

من هنا، يصبح طرد السفير الإيراني خطوة سيادية بديهية. فالدبلوماسية تقوم على احترام سيادة الدولة المضيفة، لا على إدارة شبكات نفوذ عسكرية داخلها. وعندما تتحوّل السفارة إلى منصة سياسية لمشروع إقليمي يستخدم لبنان ساحة حرب، يصبح إعلان السفير شخصًا غير مرغوب فيه أقلّ ما يمكن أن تفعله دولة تريد الدفاع عن سيادتها.

اليوم، يقف لبنان أمام لحظة تاريخية حاسمة. إمّا أن تستعيد الدولة سيادتها الكاملة – قرارًا وسلاحًا وحدودًا – أو أن يستمرّ لبنان كأرض مفتوحة لصراعات الآخرين.

ولهذا السبب، فإن إنهاء النفوذ الإيراني يبدأ بخطوة واضحة: طرد السفير الإيراني من بيروت.

فلا يمكن لدولة تسعى إلى استعادة سيادتها أن تبقي ممثل دولة متهمة عمليًا بإدارة حرب على أرضها.

The post لماذا يجب طرد السفير الإيراني من لبنان؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية