لبنان ومأزق "اليوم التالي"

التاريخ: 31 آذار 2026
لبنان ومأزق "اليوم التالي"

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

يتخبَّط لبنان الرسمي في وضعية العاجز. فلا هو أساساً مشارك في قرار إشعال الحرب، ولا هو مشارك في قرار إطفائها، فكأنّها تدور على أرض لا تعنيه. كما أنّه عاجز عن الوفاء بتعهُّداته تنفيذ قرار وقف النار الذي وقّعته الحكومة في 27 تشرين الثاني 2024، وعاجز عن اتخاذ قرار بدخول المفاوضات أو بمقاطعتها. وبلغت الفضيحة ذروتها بقرار الدولة طرد السفير الإيراني، فتحدّاها ورفض المغادرة. وهذا الانهيار ستكون له تداعياته العميقة، ليس فقط خلال الحرب، بل في «اليوم التالي»، عندما يدخل البلد مرحلة تثبيت الوقائع الجيوسياسية المستجدة نتيجة لهذه الحرب.

قال وزير المال الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش أمس: «ملتزمون أن يكون نهر الليطاني هو خط الحدود الأمنية الجديد لإسرائيل في نهاية هذه الحرب. فهو خط يُتيح للأطفال في الشمال أن يكبروا من دون خوف. إنّه وعد لسكان المستوطنات، الذين هذه المرّة سيعودون إلى منازلهم ليبقوا فيها دائماً».

صحيحٌ أنّ سموتريتش هو أحد صقور التطرُّف في حكومة بنيامين نتنياهو، لكنّ الحكومة كلّها هي حكومة اليمين واليمين المتطرِّف. وعلى الأرجح، هذا الوعد تتبنّاه الجميع هناك. لذلك، يبدو مسار الحرب في لبنان واضحاً: إسرائيل تريد التقدُّم بقواتها البرّية على الأقل حتى خط الليطاني. وعلى الأرجح، هي ستُسَيطر على مناطق أخرى تشرف استراتيجياً على مجرى النهر، وهو ما يفسّر على الأرجح إصرار الجيش الإسرائيلي على إفراغ المناطق الواقعة جنوب الزهراني من سكانها. وقد أدّى هذا الاجتياح، ومعه إفراغ الضاحية، حتى الآن، إلى تهجير نحو مليون شيعي من مناطقهم.

والخناق اللبناني سيزداد حدة مع بدء إسرائيل بتنفيذ الخطة الجديدة، التي ربما باشرت تنفيذها قبل يومَين، وهي إدخال قوّاتها من بوابة جديدة، هي الجنوب السوري إلى الجنوب اللبناني والبقاع الغربي. فالسيناريو المرجَّح هو أن تخرق إسرائيل الخاصرة السورية وتتقدَّم لتبلغ البقاع الشمالي، أي بعلبك والهرمل، حيث يقول الإسرائيليّون إنّ «حزب الله» يُخزِّن صواريخه الاستراتيجية البعيدة ​المدى. وهذا الإلتفاف الإسرائيلي الهائل على الجنوب والبقاع سيخلق واقعاً جغرافياً بديلاً ينسف الستاتيكو اللبناني المعروف، وسيؤدّي إلى ​عزل البقاع عن الجنوب وتحويل كل منهما جيباً معزولاً، وسيخرجان تماماً عن سلطة القرار المركزي اللبناني، حتى بالشكل، ويتحوَّلان إلى منطقتَي نفوذ أمني مباشر لإسرائيل بالتأكيد، ولسوريا ربما في البقاع، إذا تمّت صفقة إسرائيلية-سورية تقضي بدخول دمشق ميدانياً في مواجهة «حزب الله» في المنطقة الحدود الشرقية، كما تردَّد مراراً.

وفي أي حال، المؤكّد هو أنّ الحرب الحالية كشفت الخطأ البُنيَوي الذي ارتكبته الدولة بتخلّيها عن دورها كقوّة ردع وضمان. وأثبتت أنّ دخول «حزب الله» في حرب غير مدروسة العواقب مع إسرائيل المتفوّقة تكنولوجياً واستخبارياً قد أوقع الداخل اللبناني في العجز المطلق عن توفير الحماية للبلد. كما تبيّن أنّ تنكّر لبنان المتمادي لمستلزمات القرار 1701 كان خطأ قاتلاً، لأنّ القرار يبدو اليوم الورقة الوحيدة التي يمكن تسويقها دولياً لمنع إسرائيل من السيطرة على لبنان. وقد أصبح تنفيذه اليوم أقصى طموحات لبنان الرسمي و»حزب الله» على السواء، لأنّه على الأقل يعطّل تمدُّد إسرائيل في الداخل ويُعيدها إلى الحدود.

إذاً، «​اليوم التالي» سيكون عسيراً في لبنان. فالعبء الحقيقي لن يقتصر على إعادة الإعمار كما يظنّ البعض بسذاجة، بل في انفجار الاستحقاقات المؤجّلة، وأبرزها ما يأتي:

1 – ​التفكُّك المؤسساتي في لحظة اضطرار لبنان إلى دخول مرحلة التفاوض على حدوده وجغرافيّته، ما يجعل أي اتفاقية محتملة «اتفاقية إذعان» تفرضها القوى النافذة على ما بقي من مظاهر الدولة.

2 – مأزق النزوح والانزياحات الديموغرافية. فبسبب تحوُّل الجنوب منطقة عمليات مفتوحة لسنوات، ستُنتِج الحالة الموقتة تغييراً ديموغرافياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً ضاغطاً على ما تبقّى من هياكل الدولة في بيروت والجبل والشمال.

3 – ​سيؤدّي الفشل في حماية الأرض إلى صراع داخلي حول «الهوية الدفاعية» للبلد، ما قد يدفعه نحو نموذج الفوضى المنظمة، حيث تتوزَّع القوى السياسية على محاور إقليمية متصارعة. فيواجه لبنان مأزق فقدان السيطرة المركزية في العاصمة، فيما الجزء الجنوبي والبقاع باتا عملياً رهينة القضم الطويل.

سيكون «اليوم التالي» أصعب من الحرب نفسها. والأنكى أنّ اللاعب الأساسي المعني، في الداخل، لن يكون مستعداً لإجراء جردة حساب سياسية أو أخلاقية لما فعل، لا اليوم ولا لاحقاً، لا اقتناعاً منه بصوابية ذلك، بل خوفاً من تحميله المسؤوليات التاريخية الهائلة تجاه مجتمعه والبلد. وسيكون «اليوم التالي» للحرب نهاية قسرية للصيغة التي قامت عليها توازنات البلد منذ العام 1943، لتبدأ مرحلة مجهولة المعالم يسودها التفتت الجغرافي والارتهان للخارج، أي لقوى النفوذ الجديدة، في شكل مباشر أو غير مباشر.

طوني عيسى – الجمهورية

The post لبنان ومأزق "اليوم التالي" appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية