يطرح تسريب “هآرتس” للموقف الإسرائيلي بشأن المفاوضات مع لبنان علامات استفهام حول الغاية والهدف، خصوصًا أنه تضمن الحديث عن وفدين لبناني وإسرائيلي سيلتقيان قريباً في جلسة مفاوضات لبنانية إسرائيلية ستكون مباشرة، مع تحديد رون ديرمر ممثلًا للجانب الإسرائيلي، وأن المبعوث الأميركي جاريد كوشنر يقود الوساطة الأميركية بين لبنان وإسرائيل، على أن تُعقد المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية في قبرص أو باريس. حصل كل ذلك بينما كان لبنان ينتظر ردًا إسرائيليًا أو أميركيًا رسميًا على مبادرة رئيس الجمهورية جوزاف عون التفاوضية.
وكي تكتمل الرواية، كشفت “إكسيوس” عن وجود مقترح فرنسي لوقف الحرب، وقالت إن الولايات المتحدة وإسرائيل تدرسان هذا المقترح، الذي يتضمن اعترافًا لبنانيًا أوليًا بإسرائيل، والتزامًا من الحكومة اللبنانية باحترام سيادة إسرائيل ووحدة أراضيها، وإعلان استعدادها لفتح مفاوضات حول اتفاق دائم لعدم الاعتداء مع إسرائيل. وبعد توقيع اتفاق عدم الاعتداء، ستنسحب إسرائيل من خمسة مواقع في جنوب لبنان تسيطر عليها قواتها منذ تشرين الثاني 2024، إلى ما هناك من تفاصيل. وبعدها بوقتٍ قصير، أعلنت الخارجية الفرنسية نفيًا رسميًا لوجود خطة فرنسية لوقف النار.
كل ذلك حصل في الوقت الذي يتحضر فيه لبنان لتشكيل وفد التفاوض، وقد اختار ممثليه على سبيل الاحتياط استعدادًا لأي جواب رسمي.
بلبلةُ المفاوضات الفرنسية الإسرائيلية ترافقت مع بلبلة مماثلة في لبنان على مستوى مبدأ التفاوض وممثلي الوفد وبنود الاقتراح.
تعود رواية التفاوض إلى يوم اقترح عون صيغته، ثم دخلت فرنسا على الخط بصيغة موسعة لتلك التي طرحها عون. بمعنى آخر، تبنّت ورقة عون كورقة لبنانية رسمية وأضافت عليها. في هذا الوقت تنبّه الجميع إلى أن رواية التفاوض والمفاوضات بمقترحاتها شبيهة بالمقولة الشهيرة: “أنا وعائلتي موافقون، ولم يتبقَّ إلا موافقة العروس وأهلها”.
هنا لا بد بدايةً من طرح التساؤلات حول خلفيات التسريبات الإسرائيلية. بعدما كانت إسرائيل أبلغت رفضها التفاوض قبل أن تقضي على حزب الله، أبدت استعدادها للتفاوض وحددت الموعد وسمّت الوفد المفاوض.
في هذا الوقت كان لبنان متهيبًا من فكرة التزامه بمفاوضات لا يملك قرارها. ولا يملك صلاحية التقرير عن حزب الله وإلزامه وقف الحرب على إسرائيل؟
وكما عون كذلك رئيس الحكومة نواف سلام، شعر بالحرج: كيف نطلق مبادرة تفاوضية بينما يستمر حزب الله في معاركه؟ وماذا لو لم يلتزم وقف الحرب؟ وأي التزام يمكن أن نقدمه؟
من جهته، عدّل بري موقفه، وكان ذلك لافتًا؛ فرفض مقترح عون أو تسمية ممثلٍ للثنائي في الوفد المفاوض، ثم قال إنه لا يمانع المقترح، لكنه استمر في رفض التسمية.
كل تلك البلبلة مردّها بلا شك إلى وضع الميدان وموقف حزب الله. منذ مدة، طمأن الحزب من يعنيهم الأمر إلى قوة الوضع في الميدان. الحزب الذي يقدّم عددًا كبيرًا من الشهداء في مواجهة مع إسرائيل، هل يقبل بمبدأ تفاوض يُعد بمثابة خطيئةً أقرب إلى كارثة وطنية؟ وكيف للبنان ألا يستفيد من الميدان في تحصين ورقة التفاوض؟
كل ما قيل عن المفاوضات ويدور في التفاوض وفضحته إسرائيل كان مثار تداول في الكواليس اللبنانية، وبات موضع تعارض في المواقف إلى حد الخلاف، ما استوجب فرملة الخطوة. فهل إن إسرائيل شعرت بالإرباك اللبناني حتى سارعت إلى كشف الأمور بالشكل الذي حصل وهي التي باتت تستعجل التفاوض لوقف الحرب؟
إذا كان عون أراد رمي كرة المفاوضات في الملعب الإسرائيلي ساعيًا إلى وقف الحرب بأي ثمنٍ كان أو الحد من تداعياتها، فإن ما قاله بري في مجلسه فيه كثير من الصحة: ستذهب إسرائيل إلى المفاوضات من أجل الصورة فقط، ولن توقف حربها على لبنان، وإنَّ الأجدى للبنان طلب وقف الحرب قبل التفاوض. حزب الله، من جانبه، كان يرسل إشاراتٍ تنصح بالركون إلى الميدان.
الحزب الذي لا يثق بمبدأ التفاوض مع إسرائيل، كان انخراطه في الحرب بمثابة قلب الطاولة على الجميع: على الدبلوماسية التي لم توقف استهدافه في الجنوب والبقاع، ولم توقف الحرب على بيئته وجمهوره، وعلى الحكومة التي حاصرته بقراراتها، بعد أن كان مرنًا في أكثر من محطة، لدرجة منح أمينه العام تطميناتٍ لسكان الشمال في أحد خطاباته.
وهنا السؤال: هل يمكن لحزب الله، الذي شعر بالاستهداف على امتداد عامٍ ونصف، ومحاصر سياسيًا، أن يقبل بمبدأ التفاوض على حسابه وهو يخوض حربًا ثمنها قاسٍ في الميدان؟
يقول منطق الأمور، ومن خلال التواصل بين الثنائي، إن حزب الله في أجواء المتداول بشأن المفاوضات، لكن المفاوضين لا يملكون قرار وقف الحرب للتفاوض عليه. وإذا كانت وسائل إعلام إسرائيلية تحدت الدولة بالقول إن حزب الله لا يبدي أي استعداد للتنازل، ولا يوافق على أي اتفاق، وسيواصل المعركة، في إشارة تحد للدولة بأن قرار وقف الحرب لا يتوقف عليها، فإن أجواء الحزب تقول إنه، بالموازاة مع الميدان، يبدي مرونةً في التعاطي، وأبوابه غير مقفلة، لكنه يريد أن يعرف حقيقة المضمون ومقدار ما سيمنحه للبنان ويستعيد له حقه. ويعتبر أنَّ لبنان أمام فرصةٍ حقيقية لتثبيت سيادته على مساحة 10452 كيلومترًا. وهذا يعني أن همه من التفاوض هو ضمانةً مسبقةً للبنان بوقف العدوان، وانسحاب إسرائيل، وتحرير الأسرى، وعندها يُبنى على الشيء مقتضاه.
غادة حلاوي- المدن
The post فضح إسرائيل يُحرق المراحل.. وشرطُ التفاوض تحرير 10452 كلم! appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.








