المأزق الذي تعيشه الدولة اللبنانية اليوم ليس نظريًا ولا قابلًا للتأجيل. الجنوب يرزح تحت واقع مركّب: اشتباك مفتوح، ضغط عسكري، واحتلال إسرائيلي قائم، ما يجعل قدرة الدولة على فرض سيادتها هناك محدودة ومقيّدة بعوامل تتجاوزها. لكن الخطورة لا تكمن فقط في هذا العجز، بل في أن يمتد ويُعمَّم. هنا تحديدًا يصبح السؤال استراتيجيًا: كيف تتجنب الدولة تعميم عجزها، وكيف تمنع أن يتحول الجنوب إلى ذريعة لسقوط باقي الجغرافيا؟
الجواب لا يكون بمحاولة القفز فوق الواقع، بل بإعادة ترتيب الأولويات. إذا كان الجنوب اليوم خارج القدرة الكاملة للدولة، فإن التحدي يصبح ألّا تخسر ما هو داخل قدرتها. وهذا ما يجعل شمال الليطاني ليس مجرد مساحة جغرافية، بل أولوية استراتيجية. ليس لأنه بديل عن الجنوب، بل لأنه شرط لأي استعادة مستقبلية له. الدولة التي تعجز حيث تستطيع، لن تستطيع حيث تعجز. في هذا الإطار، يتحول شمال الليطاني إلى خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة نفسها. هنا، لا توجد الذرائع الكبرى التي تعيق القرار. لا اشتباك مباشر مع إسرائيل، ولا تعقيدات عسكرية تمنع التنفيذ. ما يوجد هو اختبار صريح: هل تستطيع الدولة أن تفرض قانونًا واحدًا، وسلاحًا واحدًا، وقرارًا واحدًا؟ أم أن منطق الأمن بالتراضي سيبقى يحكم، حتى في المساحات التي يُفترض أنها تحت سيادتها الكاملة؟
المشكلة ليست في غياب القرار الأمني، بل في تفككه قبل التنفيذ. يولد القرار واضحًا، ثم يتآكل تحت ضغط التوازنات، حتى يصل إلى الأرض بلا فعالية. وهذا ما أنتج نموذجًا خطيرًا: قانون يُطبّق حيث لا اعتراض، ويُعلّق حيث تبدأ القوة الفعلية. هذا النموذج قد يخفف التوتر مرحليًا، لكنه يبني عجزًا بنيويًا. إذا ما استمرت الدولة في هذا النهج، فإنها لا تخاطر فقط بالجنوب، بل بشمال الليطاني أيضًا. لأن التهاون في المساحات الممكنة يوسّع تدريجيًا حدود العجز. كل استثناء اليوم يصبح سابقة غدًا، وكل منطقة تُدار بالتسوية تصبح نموذجًا يُعمّم. وهكذا، بدل أن ينحصر العجز في الجنوب، يبدأ بالتمدد شمالًا.
هنا تظهر أهمية المقاربة المعاكسة: تثبيت القدرة بدل إدارة العجز. أي أن تبدأ الدولة من حيث تستطيع أن تفرض نفسها، لا من حيث تُمنع. شمال الليطاني، في هذا المعنى، ليس فقط اختبارًا، بل قاعدة انطلاق. إذا نجحت الدولة في فرض سيطرة كاملة هناك -ضبط السلاح غير الشرعي، إنهاء الحمايات السياسية، تطبيق القانون بلا استثناء- فإنها لا تحمي هذه المنطقة فقط، بل تحمي فكرة الدولة من الانهيار الشامل. الأهم من ذلك، أن هذا النجاح يعيد بناء المعادلة السياسية. بدل أن يكون الجنوب ذريعة للعجز، يصبح الشمال دليلًا على القدرة. وبدل أن يكون الحديث عن السيادة في الجنوب شعارًا نظريًا، يتحول إلى امتداد لنموذج قائم. فالدولة التي تثبت قدرتها حيث يمكن، تخلق شروط استعادة قدرتها حيث لا تزال عاجزة.
لذلك، فإن التعامل مع شمال الليطاني كامتداد تلقائي لواقع العجز في الجنوب، لا يشكّل فقط خطأ في التقدير، بل خيارًا سياسيًا يقود مباشرة إلى تعميم الفشل. تجاهل شمال الليطاني يعني فعليًا التخلّي عن آخر مساحة يمكن فيها إعادة بناء نموذج الدولة.
The post شمال الليطاني كاختبار ونموذج لاستعادة الدولة appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






