بين التهديد المبطن والوقائع: هل يُدفع الجيش إلى مواجهة؟

التاريخ: 24 آذار 2026
بين التهديد المبطن والوقائع: هل يُدفع الجيش إلى مواجهة؟

اخبار الجلسة متوفرة الآن مجاناً عبر خدمة واتساب... اضغط هنا

اضغط هنا

مع دخول المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله أسبوعها الرابع، برزت مواقف السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى الأخيرة، والتي حملت في ظاهرها دعوة واضحة للجيش اللبناني إلى «القيام بواجبه»، لكنها في المضمون بدت أقرب إلى رسالة ضغط سياسية، أو ربما تهديد مبطن موجّه إلى المؤسسة العسكرية وقيادتها.
كلام عيسى لا يمكن أن يكون عابراً، خصوصاً أنه يترافق مع الاتهامات المتزايدة للجيش بـ«التقصير» في جنوب الليطاني، وعدم إنجاز مهمة نزع سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة. وهي إتهامات تتقاطع مع ضغوط متصاعدة، ومحاولات واضحة لإعادة رسم قواعد الاشتباك الداخلي تحت عنوان تطبيق القرار 1701، وما أبعد منه لناحية تنفيذ قرارات الحكومة، حتى لو كلف ذلك ” المواجهة مع حزب الله”، وهذا ما عبر عنه عدد من السياسيين والنواب، مع العلم أنها دعوات يدرك مطلقوها ضمناً أنها تتجاوز قدرات الدولة وإمكانات الجيش الواقعية.

ضمن الإمكانات
مصادر عسكرية ردت لـِ “المدن” على الاتهامات الموجهة إلى الجيش بالتقصير، وأكدت أن المؤسسة العسكرية تنفذ ما يمكن تنفيذه ضمن الإمكانات المتاحة والظروف الميدانية المعقدة.
وذكرت المصادر أن الجيش انتشر في الجنوب للمرة الأولى منذ نحو أربعين عاماً بهذا الحجم والعمق، في خطوة تُعدّ تحولاً إستراتيجياً في دوره، لكنها لم تُستكمل بسبب عرقلة إسرائيل لهذا الانتشار من خلال الاستمرار الاحتلال والاعتداءات.
في موازاة ذلك، أشارت المصادر إلى أن حزب الله لم يتعاون مع الجيش في ملف السلاح جنوب الليطاني، إذ لم يكشف عن مواقعه العسكرية، ولم يسلّم أي خرائط، فيما عمل الجيش بمجهوده الخاص ومن خلال عمليات المسح التي أجراها على الارض وبما كانت لجنة الميكانيزم تزوده به من معطيات.

شمال الليطاني: الاحتواء التدريجي
أما في ما يتعلق بشمال الليطاني، فتوضح المصادر أن الجيش يلتزم حرفياً قرار الحكومة. ومنذ بداية تنفيذ خطة حصر السلاح يعتمد الجيش مقاربة «الاحتواء» التدريجي، وليس المواجهة المباشرة.
وخلال الحرب الحالية، فإن الجيش ينفذ قرارات مجلس الوزراء، وهو أوقف عدداً من المسلحين من حزب الله، وضبط منصات إطلاق صواريخ، وعمل على الحد من المظاهر المسلحة، لكن ضمن سقف القرار السياسي، ومن دون الانزلاق إلى صدام لا يتردد حزب الله بالتهديد به، إذا ما تم المس بسلاحه شمال النهر.

الرهان على الدعم الدولي
أيضا تلفت المصادر لـِ “المدن” إلى أن الجيش كان يعوّل على مؤتمر دعم الجيش في باريس، للحصول على مساعدات لوجستية ومالية تتيح له تعزيز قدراته، خصوصاً في مجالات الرصد والمراقبة والمتابعة، وهي عناصر أساسية لأي عملية ضبط فعالة للسلاح.
أتت الحرب وأرجىء المؤتمر، وإمكانات الجيش لا تزال دون المستوى المطلوب، وفي خضم الحرب هناك من يريد أن يدفع بالجيش إلى نزع سلاح حزب الله تحت النار، وهو ما يرفضه الجيش وقبله السلطة السياسية جملة وتفصيلا. وهذا ما كان أبلغه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو في زيارته الاخيرة لبيروت، طالباً منه المساعدة في تحييد الجيش وعدم إستهدافه ومحاصرته.
اللافت في هذا السياق، أن فرنسا، وهي شريك أساسي في الميكانيزم وشاهدة على ما واجه الجيش منذ وقف الاعمال العدائية في تشرين الثاني العام 2024، وما يواجهه اليوم ميدانياً وأمنياً وسياسياً، تستهجن كيف يُطلب من الجيش اللبناني نزع سلاح حزب الله خلال أيام، وهو أمر غير واقعي، وإسرائيل نفسها، بالرغم من قدراتها العسكرية الهائلة، لم تتمكن إلى اليوم من إنهاء وجود الحزب أو وقف عملياته، بالرغم من مرور أسابيع على بدء الحرب.
“فكيف يمكن، إذاً، مطالبة الجيش اللبناني، بإمكاناته المحدودة، بإنجاز هذه المهمة خلال فترة زمنية قصيرة؟”

جنوب مشتعل
كل هذا والميدان يزداد إشتعالاً. والواضح أن الامور تصبح أكثر تعقيداً. فالجنوب يشهد تصعيداً غير مسبوق، مع استمرار الاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي ومقاتلي حزب الله على أكثر من محور.
وإسرائيل وعلى نحوٍ منهجي تعمل على قطع أوصال الجنوب وعزله جغرافياً عن سائر المناطق اللبنانية بإستهداف الجسور والطرق وشبكات الخدمات، ما يندرج ضمن إستراتيجية أوسع تهدف إلى تفكيك البيئة العملياتية للحزب، وجعل الجنوب غير قابل للحياة تمهيداً لمنع أهله من العودة.
كل هذا يقود إلى واقع صعب: هناك فجوة كبيرة بين ما يُطلب من الجيش اللبناني، وما يمكنه فعلياً تنفيذه على الأرض. فالمؤسسة العسكرية تجد نفسها اليوم بين ضغط دولي متزايد يدفعها نحو مواجهة محفوفة بالمخاطر، وواقع ميداني معقد يقيّد حركتها، وقرار سياسي داخلي لا يزال يفضّل الاحتواء على الانفجار.
في هذا السياق، يفسر البعض تصريحات السفير الأميركي بأنها ليست مجرد موقف دبلوماسي، بل جزء من محاولة لإعادة رسم دور الجيش، ودفعه إلى موقع متقدم في المواجهة مع حزب الله.

اختبار وجودي
في ظل هذا الواقع الخطر، يواجه الجيش اللبناني بدوره اختباراً وجودياً، ليس فقط على مستوى قدرته العسكرية، بل على مستوى دوره ووظيفته في ظل توازنات داخلية وإقليمية شديدة التعقيد. فالاستجابة للضغوط الخارجية قد تفتح الباب أمام مواجهة داخلية خطيرة، فيما تجاهلها قد يؤدي إلى تحميله مسؤولية ما فعل حزب الله من جر البلاد إلى حرب إسناد لايران بسبب إتهام الجيش ” بالتقصير في نزع السلاح.”
كل هذا في وقت يسير الجيش بين الالغام، مستنداً إلى ما تبقى من هامش قرار وطني، وإلى تفهم بعض الخارج، مقابل حديث عن “اهتزاز ثقة وعدم رضى أميركي” على أدائه، لا يعرف كيف سينعكس عسكرياً وسياسياً في المرحلة المقبلة.

ندى أندراوس – المدن

The post بين التهديد المبطن والوقائع: هل يُدفع الجيش إلى مواجهة؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.

المصدر: Lebanon Files

شارك الخبر عبر منصات التواصل الإجتماعي

تم الاشتراك بنجاح!

إبق على علم بآخر الأخبار عبر الاشتراك بصحيفتنا الإخبارية