على مدى عقود، كان المشهد اللبناني التفاوضي يُختزل بجملة واحدة في كواليس السياسة: “المفتاح في عين التينة”. فالرئيس نبيه بري، جعل من مقولة “أم الصبي” “عُرفا”، كان البوابة الإلزامية لأي مسار تفاوضي يخص لبنان، من ترسيم الحدود إلى تبادل الأسرى إلى كل هدنة كان يوقعها لبنان مع إسرائيل. لكن أحداث السابع من أكتوبر لم تغيّر فقط معادلات غزة، بل أعادت رسم خرائط النفوذ في بيروت نفسها. واليوم، تتقدم بعبدا إلى الواجهة، لا كضيف شرف، بل كـ”غرفة العمليات” التي يحصر بها الأميركي كل أوراق التفاوض.
ما قبل 7 أكتوبر كان “الثنائي الشيعي” يملك ورقة ردع واضحة: أي اعتداء إسرائيلي على بيروت أو الضاحية يقابله استهداف تل أبيب. هذه المعادلة سقطت ميدانياً. الضربات الإسرائيلية وصلت إلى العمق اللبناني، بينما بقي الرد محصوراً جنوب الليطاني. هكذا فرضت إسرائيل معادلة جديدة: “كريات شمونة مقابل العاصمة”، أي أن أي استهداف للشمال الإسرائيلي يقابله ضرب بيروت.
هذا التحول الميداني نزع من حزب الله هامش المناورة التفاوضي. فـ”البروباغندا” التي يروج لها المقربون من الحزب لم تعد تسعف في غرفة المفاوضات، لأن ميزان القوة تغيّر. وما عاد يكفي القول “أعطونا وقف النار والباقي علينا”، بل صار المطلوب ضمانات مباشرة وفورية، وهو ما دفع الرئيس بري نفسه إلى إعلان مفاجئ: “أضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً لوقف النار من قبل المقاومة”.
هنا تدخلت واشنطن لتكرّس انقلاب المشهد. الاندفاعة الأميركية نحو بعبدا لم تكن بروتوكولية. فالرئيس جوزاف عون يتولى بشكل أساسي الاتصالات مع وزير الخارجية ماركو روبيو، والرئيس دونالد ترمب تدخل شخصياً للضغط على نتنياهو لوقف ضرب بيروت والضاحية، لأن استمرارها “سيدفع لبنان لطلب تعليق المفاوضات”.
الرسالة الأميركية واضحة وحاسمة: لا مستقبل لحزب الله العسكري، وأي دور للبنان هو لحكومته ومؤسساته الشرعية. لذلك تم حصر النقاش التفاوضي بالوفد الرسمي اللبناني برئاسة السفير سيمون كرم، الذي يتواصل حصراً مع الرئيس عون. وبعبدا باتت هي من تدير الإيقاع، ثم تنقل لبري وحزب الله.
هذا الواقع يفسر امتعاض عين التينة. فالحزب حاول ضم الملف اللبناني إلى محادثات إسلام آباد بين واشنطن وطهران، لكن ترمب “أعطى تعليمات لاحتواء التصعيد في لبنان، كما طالب بعدم تحويل الملف اللبناني إلى ورقة ضمن المفاوضات مع إيران”. المحاولة فشلت، ولبنان تُرك لمساره التفاوضي المنفصل.
رغم ذلك، لا يمكن شطب بري من المعادلة. دخوله على خط الاتصالات بـ”الموقف المتقدم” شكّل رافعة لتثبيت وقف النار. إعلانه الضمانة بالإنابة عن حزب الله لم يكن ليحصل “ما لم يحظَ أولاً بغطاء إيراني، وثانياً من حليفه حزب الله”. والدليل اتصال محمد باقر قاليباف به، ثم إيفاده معاونه السياسي علي حسن خليل إلى الدوحة للقاء رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، حيث أبلغه أن بري “هو الضامن لوقف النار بالإنابة عن إيران وحزب الله”.
لكن هذا الدور الجديد لبري لم يعد “عرّاب التفاوض” بل “صندوق بريد” موثوق تنقل عبره الرسائل بين بعبدا وحارة حريك. فالتفويض الذي جدده له الحزب بمباركة إيرانية يأتي اليوم بشروط أميركية: أن يكون ضمن سقف الدولة، لا بديلاً عنها. حتى أن مستشاره علي حمدان تواصل مع السفير الأميركي ميشال عيسى الموجود في واشنطن للمشاركة في المفاوضات.
في خطاب بعبدا والسراي، تتكرر العبارة نفسها: “التفاوض هو الخيار الأقل كلفة”. الرئيس جوزاف عون قالها صراحة: “سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح… لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري”. وأضاف: “لا يجب عدّه استسلاماً أو تنازلاً… القوة ليست في خوض الحرب، بل في الشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض”.
رئيس الحكومة نواف سلام التقط الخيط نفسه: “المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين… كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة”.
هنا بيت القصيد: الشرعية هي السلاح التفاوضي الجديد. الجيش هو “العامود الفقري لمنع الفتنة”، كما يقول عون. والقوات الأميركية، بحسب “هيئة البث الإسرائيلية”، ستتولى تدريب الجيش اللبناني وتأهيله. أي أن واشنطن تستثمر في مؤسسة الدولة، لا في قنوات موازية.
المعطيات التي كشفتها “هيئة البث” تؤكد أن إسرائيل “لن تهاجم بيروت، لكنها في المقابل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها حالياً”. والمسؤول الأميركي قال: “لا توجد بالضرورة قيود على العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان”.
هذا يعني أن أي وقف لإطلاق النار سيكون على قاعدة “جنوب الليطاني فقط”، مع حرية حركة لإسرائيل عند أي تهديد. والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة الإعمار، وحصرية السلاح، كلها ملفات رحّلت إلى المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية. بمعنى آخر: الجنوب اللبناني دخل مرحلة “تفاوض على إدارة الهزيمة”، لا تفاوض من موقع قوة. وهذا ما يفسر إلحاح حزب الله على أن يكون بري “عرّاب التفاوض” لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكنه يصطدم بفيتو أميركي يرفض إعطاء طهران شرعية تفاوضية في لبنان.
السابع من أكتوبر لم يغير فقط حدود الاشتباك، بل غيّر عنوان المفاوض اللبناني. بعبدا التي كانت تكتفي بالتوقيع في النهاية، صارت اليوم هي من تمسك القلم من أول السطر. وعين التينة التي كانت تكتب المسودة، تكتفي اليوم بضمان تنفيذها.
المعادلة الجديدة التي ترسمها واشنطن: تفاوض عبر الدولة، سلاح بيد الدولة، وقرار بيد بعبدا. أما الثنائي، فمطلوب منه أن يختار بين خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بدور تحت سقف الشرعية، أو مواجهة عزلة إقليمية ودولية تكرّسها موازين ما بعد قلعة الشقيف.
والسؤال الذي لم يعد بري وحده يطرحه: “من يُلزم إسرائيل بوقف عدوانها؟” صار السؤال الحقيقي: من يُلزم حزب الله بقبول أن زمن “أم الصبي” انتهى، وأن بعبدا استعادت مفاتيح القصر؟
The post بعبدا استعادت مفاتيح القصر: بري يتراجع من "عرّاب" إلى "ضامن" appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







