في الثالث والعشرين من أيار، يُتمّ الدستور اللبناني عامه المئة، ليكون واحداً من أقدم الدساتير في المنطقة العربية. وطوال هذا القرن، عبَر الدستور محطات مفصلية صاغت وجه لبنان الحديث، لتأتي مئويته اليوم كفرصة جوهرية لتقييم ميزانه السياسي والقانوني. ويصف الكثير من الحقوقيين هذه الوثيقة بأنها عبقرية في صياغة التوازن، إذ كفلت بقاء لبنان “وطناً نهائياً”، لكنها ظلّت هشّة في حيز التنفيذ، حيث لم تنجح بعد في بناء “الدولة المدنية” المنشودة بسبب تغليب الأعراف الطائفية على النصوص القانونية الصرفة.
ويعتبر العديد منهم أن الحاجة اليوم لا تكمن في ابتكار “دستور جديد”، بقدر ما تكمن في التطبيق الكامل لمندرجات الدستور الحالي، خصوصاً في ما يتعلّق بإنشاء مجلس الشيوخ، وإلغاء الطائفية السياسية، وهي بنود تمثّل خارطة طريق متكاملة كفيلة بنقل لبنان من منطق “مجموعة طوائف” إلى رحاب “دولة المواطنة”.
من الإنتداب إلى الجمهورية الثانية
لم تكن ولادة الدستور اللبناني في العام 1926 حدثاً عادياً. فقد جاءت نتاجاً لمخاض عسير بين رغبة الانتداب الفرنسي في إرساء هيكلية إدارية، وطموح النخب اللبنانية في الاستقلال والسيادة. صُمّم الدستور ليكون مرناً، مستوحىً من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة، ولكن بلمسةٍ لبنانية فريدة حاولت مأسسة التنوّع الدّيني.
وطوال مئة عام، خضع الدستور لتعديلات عديدة، كان أبرزها في العام 1943، حيث تمّ ألغاء المواد المتعلقة بالانتداب ووُزعت الرئاسات الثلاث طائفياً. أما التحوّل الجذري فكان في العام 1989 عبر “اتفاق الطائف” الذي أنهى الحرب الأهلية وأرسى دعائم “الجمهورية الثانية”، ناقلاً الصلاحيات الإجرائية من رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء، ومثبّتاً قاعدة المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
الدستور اللبناني ليس مجرد نص قانوني جامد، بل هو وثيقة حيّة تعكس تعقيدات التوازنات الاجتماعية والسياسية. وتشكّل مئويته مدخلاً لنقد النظام الذي يترنّح بين نصوص قانونية وأعراف طائفية، وبحثاً في مدى قدرة هذا العقد الاجتماعي على الإستجابة لمتطلّبات الدولة الحديثة. غير أن الواقع العملي يكشف عن استغلال واضح للثغرات. فالمشكلة لم تكن يوماً في النصوص التي صاغها كبار الحقوقيين، بل في “الدستور الموازي” الذي خلقته القوى السياسية عبر الأعراف والبدع، ما جعل النّص مرناً عند المصالح وصلباً لدرجة التعطيل عند الأزمات.
استغلال الثغرات
مئوية الدستور اللبناني اليوم هي دعوة للتصالح مع “الكتاب”، كما كان يسميه الرئيس فؤاد شهاب، والإشارة إلى أن هناك نصوصاً أثبتت صلابتها عبر الزمن، وأخرى باتت تحتاج إلى مراجعة أو تحديث. فالمسألة الدستورية في لبنان لطالما كانت محاطة بالحساسيات السياسية والطائفية، ما جعل أي نقاش إصلاحي عرضة للتجاذب.
وفي هذا الإطار، يلفت الدكتور عادل يمين، المحاضر في القانون الدستوري، في حديث إلى “المدن” إلى وجود ثغرات تستوجب المعالجة دون المسّ بجوهر اتفاق الطائف، وأبرزها غياب المُهل في كثير من الاستحقاقات الدستورية وغياب المخارج القانونية للمآزق المحتملة.
ويوضح يمين كيف يفتقر النص إلى ضوابط زمنية واضحة، ويعاني من غموض في تفسير “الإلزامية”، ما يحوّل عملية تقنية مثل تسمية رئيس مكلف إلى أزمة سياسية مفتوحة على التأويل، ويؤدي إلى إطالة الفراغ الحكومي. كما أن الأحكام الدستورية لم تحدّد مخرجاً في حال عدم اكتمال نصاب المجلس النيابي لانتخاب رئيس الجمهورية، أو في حال غياب الأغلبية المطلوبة للفوز، فضلاً عن الإفتقار لآلية واضحة لعمل مجلس الوزراء أثناء شغور سدّة الرئاسة.
ونتيجة لغياب هذه النصوص التنظيمية التي تمنع الفراغ أو تنظّم كيفية الخروج منه ، تحوّل الدستور من منظّم للسلطات إلى مسبّب للأزمات السياسية على مدار عقود. وما زاد الطين بلّة افتقاد لبنان لمرجعية حاسمة لتفسير الدستور. فالمجلس الدستوري محصور بمراقبة دستورية القوانين والبتّ بالطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية.
وبقي حقّ التفسير “مشاعاً” بين مجلس النواب والزعماء السياسيين، ما أدّى إلى اجتهادات استنسابية، وتحوّل مبدأ “الميثاقية” من ضمانة وطنية إلى أداة لتعطيل المؤسسات تحت ذريعة “الفيتو المتبادل”. هنا يرى يمين أن الميثاقية كان يجب على أن تترافق مع مخارج خلّاقة تصلح للأزمات منعاً للتعطيل، داعياً لبناء نظام التشارك عوضاً عن التشابك.
معضلة الديمقراطية التوافقية
وعلى الرغم من أن الدستور ينصّ في مادته الخامسة والتسعين على إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، ظلّت المادة حبراً على ورق، ما حوّل النظام إلى “ديمقراطية توافقية” تعاني الشّلل عند كلّ استحقاق.
وعلى الرغم من هذه التّحديات، يؤكّد يمين أن الدستور شكّل إطاراً صالحاً لإدارة المجتمع التعدّدي وطمأنة الطوائف على وجودها ودورها، وأساساً صالحاً لضمان تشارك الجماعات اللبنانية في الحكم، ولضمان العيش الواحد المتنوّع. كما كرّس الحريات العامة في المادتين التاسعة والثالثة عشرة، وهذا ما جعل لبنان واحة للحرية في محيطه.
مئة عام مرت، والدستور اللبناني ما زال “السهل الممتنع”: هو الحلّ لأزمات لبنان جميعها إذا طُبّق، وهو الوقود لصراعاته إذا حُرّف. إن مئوية الدستور ليست احتفالية بالماضي، بل هي إنذار للمستقبل: فإمّا العودة إلى “الكتاب” ليكون حكَماً، أو البقاء في شريعة الأعراف والبدع التي تجعل من الوطن ساحة دائمة للتسويات المؤقّتة ولتحاصص الطوائف.
رنا البايع – المدن
The post الدستور: مئة عام من المواجهة بين منطق الدولة والتعطيل appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





