لدى قطاعٍ عريض من سكّان لبنان، شبه اقتناع بأنّ الحرب الواقعة الآن مع إسرائيل، ستكون فتاكة لكنّها ستكون أيضًا الأخيرة. وبالتالي، لم يَعُد في الإمكان التعامل مع ما يجري في لبنان على أنّه مجرّد تصعيدٍ حدوديّ، أو جولةٌ قابلةٌ للاحتواء السريع. ما كان ظنًا منذ أسبوع، بات محسومًا اليوم: الحرب صارت واقعة، برّيًّا وسياسيًّا، وصارت إسرائيل تتصرّف على أساس أنّها انتقلت من سياسة الضربات والرسائل إلى سياسة فرض الوقائع. وما كان يُقال، قبل أيّام، في الغرف المغلقة، خرج إلى العلن: حربٌ برّيّةٌ على لبنان، مفتوحةٌ إلى أن يتحقّق ما تعتبره إسرائيل “أهدافًا”. لكنّ المشكلة لا تكمن فقط في الحرب نفسها، بل في غموض هذه الأهداف، واتّساعها، وقابليّتها للتبدّل تبعًا للميدان.
في العلن، يقول الإسرائيليّون إنّهم يريدون “تأمين الشمال”. وفي السّياسة، ثمّة من يتحدّث عن منطقةٍ عازلةٍ حتى اللّيطاني. وفي الحسابات الأبعد، يبدو واضحًا أنّ إسرائيل لا تخوض معركةَ حدودٍ فقط، بل معركة إعادة تشكيل الجنوب اللبنانيّ أمنيًّا وعسكريًّا، تمهيدًا لفرض ترتيباتٍ سياسيّةٍ جديدة. هذا هو المعنى الفعليّ للتقدّم البرّي: ليس احتلالًا شاملًا بالمعنى التقليديّ، ولا مجرّد عمليّة خاطفة، بل ضغطٌ بالنار لتعديل التوازنات، ورفع سقف الشروط قبل أيّ وقفٍ محتملٍ لإطلاق النار.
هنا تحديدًا، يسقط كثيرٌ من الكلام عن مفاوضاتٍ وشيكة. فالمفاوضات، في لحظةٍ كهذه، ليست أكثر من ظلٍّ باهتٍ لحربٍ مستمرّة وطاحنة في كلّ المقاييس. لبنان لم يحسم أصلًا خياره في شأنها، لأنّ الدّخول في تفاوضٍ مباشرٍ تحت النار يعني، بالنسبة إلى قسمٍ واسعٍ من القوى الداخليّة، الانتقال من موقع الصمود إلى موقع الإذعان. وإسرائيل، بدورها، لا تبدو في وارد الذهاب إلى تسويةٍ قبل أن تقتنع بأنّ النيران أعطتها ما يكفي من الأوراق. وما يجري الآن، في أحسن الأحوال، هو حركة وساطاتٍ فرنسيّةٍ وأميركيّةٍ لمنع الانفجار الكامل، لا أكثر.
بين عجزين.. تتمدّد الحرب
أخطر ما في الحرب الحاليّة أنّ لا شيء فيها يُمكن حسمه، بل إنّها قائمة على أساس الإنهاك التدريجيّ. إسرائيل تُفرغ القرى، تُدمّر، تُجرّف، وتدفع نحو واقعٍ سكّانيّ وميدانيّ جديد. لكنّ التقدّم على الأرض شيء، والقدرة على تثبيت هذا التقدّم شيءٌ آخر تمامًا. هذا هو المأزق الإسرائيليّ الحقيقيّ: القدرة على الإيذاء الهائل لا تعني القدرة على إنتاج استقرارٍ بالقوّة.
في هذا السياق، يقدّم اللواء عبد الرحمن شحيتلي، الرئيس السابق للوفد المفاوض حول الحدود البحريّة، في حديثه إلى “المدن” قراءةً شاملة. يقول إنّنا أمام “مُعضلةٍ عسكريّةٍ ومُعضلةٍ دبلوماسيّة”، ويشرح أنّ إسرائيل، رغم ضخامة الحرب الّتي شنّتها، لم تستطع تحقيق الهدفَين الأكثر حساسيّة: “التمسّك بالأرض” و”إنهاء المناخ الحاضن للحزب”. فإسرائيل، بحسب تقديره، دمّرت وهجّرت، لكنّها لم تُنهِ قابليّة الجنوب للاشتعال تحت أقدام قوّاتها.
الأهمّ في كلام شحيتلي أنّه لا يسقط في تبسيطٍ دعائيّ معكوس. فهو لا يقول إنّ حزب الله انتصر، بل يعتبر أنّ الحزب هو الآخر لم ينجح في إلحاق الضربات الّتي كان يطمح إليها، ولم يستطع كسر الجيش الإسرائيليّ، وإنّما انتقل إلى منطقٍ مختلف: منع التثبيت، ورفع الكلفة، وتحويل أيّ وجودٍ إسرائيليّ داخل الأرض اللبنانيّة إلى عبءٍ مستمرّ. وبعبارةٍ مكثّفة، يختصر المشهد بأنّه مشهد “خاسرٍ وخاسر”، مع تفاوتٍ في الأحجام والنتائج.
وهنا بيت القصيد. فالحروب لا تنتهي دائمًا عندما ينتصر طرفٌ نهائيًّا، بل كثيرًا ما تنتهي حين يعجز الطرفان عن تحويل الخسائر إلى انتصار. وهذا، على الأرجح، هو ما يتكوّن الآن في الجنوب: إسرائيل لا تستطيع أن تُعلن أنّها أنجزت ما يكفي لفرض نهايةٍ نظيفة، وحزب الله لا يستطيع أن يقول إنّه قلب المعادلة أو حسمها لمصلحته. وبين العجزَين، تتمدّد الحرب.
لبنان ليس خارج الحربِ مع إيران
الخطأُ الأفدح في النقاش اللبنانيّ الدائر هو قراءة الجبهة الجنوبيّة كأنّها ملفٌّ محلّيّ صرف. في الواقع، ما يجري في لبنان جزءٌ عضويٌّ من الصدام الأوسع المتّصل بإيران. قد تختلف شدّة الترابط بين مرحلةٍ وأخرى، لكنّ الفصل الكامل بين المسارَين صار أقرب إلى التمنّي منه إلى التحليل.
شحيتلي يقولها بوضوح: هذه الحرب “فُتحت بالتزامن مع الحرب في إيران، وبالتالي فإنّها لن تُغلَق قبل أن تُغلَق الحرب في إيران”. قد يبدو هذا التقدير حاسمًا أكثر من اللازم، لكنّه يلتقط جوهر المسألة: لبنان لم يَعُد ساحةً هامشيّةً في المشهد الإقليميّ، بل صار ورقةً من أوراق الاشتباك الكبير. ولذلك، فإنّ أيّ حديثٍ عن وقفٍ نهائيٍّ ومستقرٍّ للحرب في الجنوب، من دون تظهير صورة التسوية الأوسع بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهةٍ أخرى، يبقى حديثًا ناقصًا.
لكنّ هذا لا يعني أنّ الحرب ستتمدّد بلا حدود، أو أنّها ستتحوّل بالضرورة إلى حربٍ إقليميّةٍ شاملةٍ متعدّدة الجبهات. الأرجح، وفق توازنات القوى والمصالح، أنّها ستبقى محصورةً جغرافيًّا نسبيًّا، ومفتوحةً زمنيًّا. أي إنّ الجميع سيحاول منع انفجارها الكبير، لكن من دون القدرة على إنهائها سريعًا. وهذا هو النوع الأكثر استنزافًا من الحروب: حربٌ لا تنفجر بالكامل، ولا تنطفئ بالكامل.
من كسرِ الإرادات إلى خفضِ الأهداف
من العلامات اللافتة في مسار الحرب أنّ إسرائيل نفسها بدأت، على ما يبدو، تُراجع سقف ما قالته في البداية. فبعد الكلام عن اجتياحٍ واسعٍ وتغييرٍ جذريٍّ في الجنوب، بات الخطاب أكثر التصاقًا بعنوان “تأمين المناطق الشماليّة”. وهذا ليس تفصيلًا لغويًّا، بل مؤشّرٌ سياسيّ وعسكريّ إلى انتقالٍ من الأهداف القصوى إلى الأهداف الممكنة.
شحيتلي يقرأ هذا التحوّل باعتباره اعترافًا ضمنيًّا بأنّ تحويل جنوب لبنان إلى نسخةٍ من جنوب غزّة ليس واقعيًّا. فجنوب لبنان ليس غزّة، لا في تضاريسه، ولا في بيئته، ولا في نوع التحضير العسكريّ المتراكم فيه منذ العام 2006. لهذا، فإنّ فكرة احتلاله وتثبيته بالقوّة تبدو، في أفضل الأحوال الإسرائيليّة، عمليّةً شديدة الكلفة وطويلة الأمد، لا ضربةً سريعةً تُنتج واقعًا جديدًا خلال أسابيع.
وهذا تحديدًا ما يدفع الحرب نحو منطق الاستنزاف. الحزب يُراهن على أنّ إسرائيل، كدولةٍ ومجتمعٍ ومؤسّسةٍ عسكريّة، لا تستطيع البقاء طويلًا في حربٍ مفتوحةٍ تستنفر فيها البلاد كلّها، فيما تتراكم الأكلاف العسكريّة والاقتصاديّة والبشريّة. وإسرائيل، من جهتها، تُراهن على أنّ لبنان، دولةً ومجتمعًا وبيئةً حاضنة، لا يستطيع احتمال هذا القدر من التهجير والتدمير والانهيار إلى ما لا نهاية. أي إنّ الحرب تحوّلت، عمليًّا، إلى مسابقةٍ في القدرة على التحمّل، لا في القدرة على الحسم.
اليوم التالي: ترتيباتٌ جديدة لا مفرّ منها
سواء انتهت هذه الحرب بعد أسابيع أو بعد أشهر، فإنّ ما قبلها لن يشبه ما بعدها. هذه ليست حربًا عابرةً يمكن أن تُقفَل ببيانٍ دبلوماسيّ فضفاض، ثمّ يعود الجميع إلى قواعد الاشتباك نفسها. ثمّة وقائع جديدة تُفرَض الآن، بالنار، وستبحث لاحقًا عمّن يُثبّتها بالسياسة.
لهذا يقول شحيتلي إنّنا “سنذهب بلا شكّ إلى ترتيباتٍ جديدةٍ في جنوب اللّيطاني”، وربّما إلى صيغةٍ جديدةٍ من الهدنة، لا تُشبه تمامًا اتّفاق 1949، ولا تكتفي بإعادة تدوير القرار 1701 كما هو. وهذا تقديرٌ شديد الواقعيّة. فالجنوب يتّجه، على الأرجح، إلى مرحلةٍ جديدة: إعادة انتشار، رقابة أشدّ، دورٍ أكبر للجيش اللبنانيّ، وآليّات تنفيذٍ أكثر صرامة، وضماناتٍ خارجيّةٍ أكثر مباشرة.
لكنّ العقدة هنا ليست تقنيّة، بل سياسيّة بامتياز. فمن سيُفاوض؟ ومن يملك القرار الفعليّ؟ وهل يمكن اختصار الحرب في تفاوضٍ بين الدولة اللبنانيّة وإسرائيل، فيما الطرف الفعليّ في الميدان هو حزب الله؟ شحيتلي يُجيب بوضوح: أيّ وقفٍ لإطلاق النار لا يكون الحزب طرفًا أساسيًّا فيه “لن يؤدّي إلى أيّ نتيجة”. وهذه، في الحقيقة، هي المعضلة اللبنانيّة العارية: دولةٌ يُطلَب منها أن تُوقّع وتضمن، في وقتٍ لا تحتكر فيه وحدها قرار الاشتباك.
لا تسويةٌ ناضجة
السؤالُ اللّبنانيّ اليوم ليس فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل: على أيّ صورةٍ ستنتهي؟ كلّ المؤشّرات تقول إنّ النهاية ليست قريبة، لأنّ لا أحد أنجز ما يكفي ليفرضها، ولأنّ لا أحد تراجع بما يكفي ليقبل بها. إسرائيل ما زالت تريد إعادة هندسة الجنوب أمنيًّا. حزب الله ما زال يريد منع ترجمة الخسائر إلى هزيمةٍ سياسيّة. وإيران ما زالت تتعامل مع ساحات الإقليم باعتبارها جزءًا من ميزان التفاوض الأشمل. أمّا لبنان، فيقف كالعادة داخل الحرب وخارج قرارها في آنٍ واحد.
لهذا، تبدو الخلاصة الأكثر واقعيّةً في الوقت نفسه أنّ الحرب ستبقى مفتوحةً على إيقاعَين: إيقاع النار في الجنوب، وإيقاع المساومة في الإقليم. قد تُخفَّف، قد تُجمَّد، قد تدخل في هدناتٍ موضعيّة، لكنّ نهايتها الفعليّة لن تولد من الميدان وحده، ولا من الوساطات وحدها، بل من اللحظة التي تتقاطع فيها الحاجة الإسرائيليّة إلى الخروج، مع الحاجة الإيرانيّة إلى التهدئة، ومع قدرة الداخل اللبنانيّ على ابتلاع تسويةٍ جديدة. إلى ذلك الحين، سيظلّ الجنوب ساحةَ ضغط، وسيظلّ لبنان يدفع ثمن كونه، مرّةً جديدة، على خطِّ تماسٍ بين حربين: حرب الجبهة، وحرب الإقليم.
بتول يزبك – المدن
The post الجنوب ساحة ضغط لا حسم: حرب بلا أوهام كبيرة ومفتوحة للتسويات appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.







