المشكلة الفعلية التي تعاني منها البلاد، هي تفرد حزب الله بالقرار عن كل اللبنانيين، عبر اتخاذه قرار الحرب والسلم، من دون عودة إلى أحد من القوى والسلطات والشرعية المعنية والمعتمدة لاتخاذ القرارات، والمنتخبة من الشعب والموكلة بذلك.
والحزب، لم يمارس التفرد فقط هذه السنة، وفي هذه الحرب، بل درج على هذه الممارسة منذ أن انتفخ وتمدد حضوره وتصوره لدوره، منذ انسحاب جيش نظام آل الأسد من لبنان في 25 نيسان 2005، إثر انتفاضة الاستقلال نتيجة تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
هنا، ونتيجة للفراغ الأمني، الذي نتج عن الانسحاب السوري، تقدم حزب الله الجيد التسليح والتدريب والتوجيه والإمكانيات، إلى تعبئة الفراغ الأمني والتأثير والاستفراد السياسي في لبنان.
قرار التفرد الأول ظهر في 12 تموز من العام 2006، حين قرر الحزب اختراق الخط الأزرق في الجنوب، من دون استشارة أحد في لبنان، واختطاف جنديين إسرائيليين في ما سمي عملية “الوعد الصادق”. وقد جرّت هذ الخطوة عدواناً إسرائيلياً معروف الوقائع والنتائج.
القرارات بالتفرد بمصير لبنان لم تتوقف عند هذه التجربة المدمرة والمؤلمة والفريدة، بل انتقلت إلى قرار القتال في سوريا إلى جانب نظام آل الأسد، “كي لا تسبى زينب مرتين” كما برر ذلك يومها السيد حسن نصرالله.
القرار الثالث في التفرد بالقرار الأمني ومصير البلاد، كان في حرب إسناد غزة في العام 2023. وهذا جرّ لبنان إلى حرب طاحنة اغتيل فيها السيد نصرالله، وبديله السيد هاشم صفي الدين، إضافة إلى تصفية قادة الصف الأول في الحزب، حيث دُمرت الضاحية والجنوب مرة ثانية.
الأمر لم يقتصر على هذه التجارب الإبداعية في التدمير والتخريب، فقد قرر الحزب مرة ثالثة هذا الشهر، أيضاً، الدخول في الحرب مع إسرائيل انتقاماً لمقتل السيد علي خامنئي بقرار انفرادي مع إيران، ولا تزال الحرب دائرة ونحن نعيش فصولها وويلاتها الآن، وما من أحد يعرف كيف ومتى وبأية نتائج سنخرج منها!
ظاهرة الجنوح إلى التفرد في القرار في لبنان، وتجاوز الآخرين المعنيين والشركاء، لمن يستطيع إليها سبيلاً، يبدو أنها باتت أسلوباً متبعاً وظاهرة عامة متمددة، في كل الاتجاهات، وحزب “الأنا العليا” بات على وجه التحديد أكبر الأحزاب و”الغرضيات” في بلادنا.
آخر هذه الظواهر، الانفرادية التفردية، مع تجاهل كل الشركاء المعنيين، بدأت بالتبلور والظهور والتمدد كأنها عدوى، منذ أن انتخب الرئيس الحالي قائد الجيش السابق صاحب الأمرة السابقة على المؤسسة العسكرية الرئيس جوزاف عون.
لم يظهر حتى الآن، أن رئيس الجمهورية الحالي يستلطف اجتماع مجلس الوزراء صاحب “السلطة الإجرائية” كما نص عليها الدستور. وهو جرياً على سوابق كان أسسها وابتكرها ميشال عون، صاحب اختراع التفرد الجامح المعروف منذ نهاية عهد أمين الجميل.
العادة غير المستحبة والمضرة، انتقلت إلى رئيس العهد الحالي الطيب النية، والمندفع للانقاذ والإنجاز، بين فينة وفينة، حيث بات يكثر من ترؤس الاجتماعات الأمنية التي تعقد بغياب رئيس مجلس الوزراء، ومن دون جدول أعمال معد حسب الأصول وبحضور الوزراء المعنيين بالأمن وقادة الأجهزة الأمنية. وهو اجتماع بمثابة مجلس أمن مركزي موسع، وكأنه يشكل بديلاً مصغراً ومختصراً، عن اجتماع المجلس الأعلى للدفاع الذي يفترض أن يحضره رئيس الحكومة وأمين عام المجلس، المنصوص عنه في القوانين والمتبع في الأعراف المثبتة، إذا ما كانت هناك ضرورات ملحة لذلك.
الاجتماع الأمني الأخير، في بعبدا يوم الأربعاء الماضي برئاسة رئيس الجمهورية كان في الحقيقة بدعة من البدائع!
أولى البدائع، أن الاجتماع اختتم ببيان تلته الناطقة الرسمية باسم القصر الجمهوري، مما أعطاه طابعاً فائق الأهمية والجدية، يوازي بالشكل -من دون افصاح- مجلس الوزراء، حيث انعقد ظهر يوم كان شهد وصول الغارات الإسرائيلية إلى مكان قريب من السراي الكبير، مقر رئاسة الحكومة، وتدمير بناية عامرة على من فيها، واغتيال أحد الإعلاميين وعائلته في منزله في سابقة تحدث للمرة الأولى.
الاجتماع الأمني المذكور، لم يتوقف أمام هذين الحدثين الأمنيين الكبيرين والخطيرين، مع انه اجتماع محصور بالأمن، واكتفى بالقول إنه ناقش الأوضاع الأمنية: “في ضوء اتساع الاعتداءات الإسرائيلية من الجنوب إلى البقاع، وصولاً إلى بيروت والضاحية الجنوبية وتداعياتها على مختلف الأصعدة”.
وجاء في البيان: “شدد الرئيس عون خلال الاجتماع على الجهوزية الكاملة للقوى العسكرية والأجهزة الأمنية”، من دون أن يذكر أن هذه الجهوزية المطلوبة من أجل أي هدف؟
البيان دعا إلى أن “يكون الخطاب السياسي في البلاد خطاباً وطنياً يركز على وحدة اللبنانيين والتضامن في ما بينهم ونبذ التفرقة والتحريض الطائفي والفتنة”!
أضاف: “أن ينسحب هذا الأمر على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي نظراً للدور المهم الذي يلعبه الإعلام في هذه الظروف”.
لكن، ما هي علاقة الكلام عن الخطاب السياسي في اجتماع أمني، وبغياب وزير الإعلام وباقي الوزراء المعنيين بالخطاب السياسي؟
أضاف البيان: كما شدد الرئيس عون على ضرورة قيام المحافظين والقائمقامين والبلديات بواجباتهم كاملة بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، لافتاً إلى وجوب تأمين المزيد من مراكز الإيواء للنازحين قسراً من بلداتهم وقراهم وتوفير الحماية الأمنية لها، مؤكداً على ضرورة ضمان كرامة كل مواطن ومقيم ضمن سقف القوانين المرعية. كما شدد على أهمية مراقبة الأسعار ومكافحة الاحتكار”.
السؤال البديهي، ما علاقة مكافحة الأسعار باجتماع أمني بحضور الأجهزة الأمنية من دون وزير الاقتصاد ودائرة حماية المستهلك ومكافحة ارتفاع الأسعار والغلاء في الوزارة المعنية؟
المدهش والمثير في الموضوع، أنه في اليوم ذاته كان رئيس مجلس الوزراء نواف سلام قد عقد في السراي الحكومي، اجتماعاً وزارياً درج عليه في هذه الأزمة كل يوم، خرج بعده وزير الإعلام ليتحدث عن مضمونه المشابه لمضمون اجتماع بعبدا مع بعض الإضافات المتصلة بما فيها توجيهات لوسائل الإعلام مرة أخرى؟!
طبعاً، من غير الجائز المقارنة والمساواة، بين الخطوات التفردية والانفرادية، غير المنسقة للرئيسين عون وسلام، مع خطوات حزب الله التدميرية التخريبية. لكن الإنصاف، يقتضي الإشارة إلى هذه الظاهرة المستغربة، خوفاً من التفاقم والاستفحال، ولكي لا يصبح الاستثناء قاعدة معتمدة من خارج الدستور، عبر ممارسات المؤتمنين عليه، في بعبدا والسراي الكبير، بغض النظر عن أي مسؤول أتت وصدرت عنه ومنه.
ألم يكن من الأجدى والأنفع والأصح للدولة، وصورتها وهيبتها وتماسكها ودقة عملها وجديتها، عقد جلستين لمجلس الوزراء واحدة قبل الظهر، تخصص للأمن ومواضيعه، وأخرى بعد الظهر تخصص لمواضيع وقضايا مختلفة، البلاد بحاجة إليها، في هذه الفترة كمثل حاجات النزوح والتشرد على الطرق والبؤس المنتشر، إضافة إلى استعراض الاتصالات السياسية لمبادرة المفاوضات الرئاسية المتعثرة ومشاريعها وأفاقها؟
ما هو نفع الاجتماعات الاستثنائية الأمنية المتفرقة، التي بدأت تتوالد وتكثر، في المدة الأخيرة، في الوقت ذاته الذي اتسعت فيه مشكلات البلاد الأمنية الحقيقية العميقة، في أكثر من مجال؟
التهديدات، التي كان آخرها كلام كبير، وتوعد وإهانات جارحة من بعض القادة الحزبيين للدولة والحكومة المتربصة بالثأر الآتي والانتقام لم يتوقف أحد عنده؟
الانتقام الذي يجري إعداده وتحضيره والتحريض عليه، لم يعره أحد أهمية، وهو المرفق بالويل والثبور وعظائم الأمور، للحكومة والدولة والمسؤولين عنها؟
فهل سمعتم ما قيل وأطلق من نعوت وتهديدات؟ أم أن “جحا، ما بيتشاطر إلا على خالتو”؟
The post التفرد في شؤون لبنان أسلوباً معمماً ومعتمداً appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





