تتزايد المؤشرات إلى قرب الإعلان عن ورقة تفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران. وآخر هذه المؤشرات جاء في الأمس على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه، حين قال إنّ الوضع مع إيران يتطور بسرعة وسيكون جيداً جداً. وأكّد أنّه يتطلّع للقاء المرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وفي طهران، فإنّ تصريحات المسؤولين الكبار، بدءاً من خامنئي ورئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، باتت تتطرّق إلى هموم مرحلة ما بعد الحرب. لا بل إنّ إيران تستعد لإقامة مراسم تشييع المرشد علي خامنئي في منتصف الشهر الجاري، مع تنظيم جنازة شعبية حاشدة بمشاركة وفود رسمية وأن تمتد الجنازة لأكثر من 24 ساعة.
تعيش الأوساط الديبلوماسية أجواء متفائلة جداً حول أنّ ورقة التفاهم بين واشنطن وطهران أصبحت شبه منجزة، وهي تجزم بأنّ لبنان موجود في أحد بنود الإتفاق لناحية شموله بوقف إطلاق النار. ومن هنا يمكن تفسير إندفاعة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في اتجاه نيته استهداف الضاحية الجنوبية، ربما بهدف السعي «للقوطبة» على المناخ الإيجابي، وردّ ترامب العنيف والمهين لنتنياهو. وأكّد ترامب ما تسرّب إلى وسائل الإعلام حول المكالمة العاصفة ووصفه نتنياهو بـ»لمجنون للغاية». وهو برّر غضبه بأنّه جاء على خلفية قلقه من استمرار الحرب في لبنان. وهي إشارة إضافية حول قرب إعلان التفاهم مع إيران.
صحيحٌ أنّ البنود الـ14 لورقة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية كانت في حاجة لمساحة زمنية لا بأس بها، لكن من السذاجة حصر الأمور بهذه البنود فقط. فعقود أربعة من النزاع والمواجهات المباشرة وغير المباشرة لا يمكن طيّها من دون خلفية سياسية كبرى. وهو ما يجعل كثيراً من الخبراء يعتقدون أنّ المفاوضات لا تدور فعلياً حول وقف النار بل حول شكل النظام الإقليمي الجديد بعد الحرب، وحجم المكاسب التي سيتمكن كل طرف من تحقيقها على طاولة التفاوض، بعد أشهر من المواجهات العسكرية العنيفة.
صحيحٌ أنّ إعادة رسم نظام إقليمي جديد مع تفاصيله الكاملة قد يكون بحاجة لوقت أطول، لكن ما يحصل اليوم يحمل طابع إطلاق هذا المسار، عبر إرساء تسوية إستراتيجية محدودة وليس تطبيعاً كاملاً للعلاقات. فالذهاب إلى هذا التفاهم النهائي قد تتخلله محطات اقتصادية واستثمارية تؤدي الى شبك الإقتصاد الإيراني بالشركات الأميركية الضخمة، وبانتقال النظام الإيراني من الاستراتيجية الثورية القائمة على تصدير الثورة، إلى قوة إقتصادية وسياسية منفتحة على العالم الخارجي.
ولا بدّ من الإقرار أيضاً بوجود عقبات كبيرة تقف عائقاً أمام التحول السريع في العلاقة. وأولها يتمحور حول انعدام الثقة المتراكم منذ نشوء النظام الديني في إيران. وثانيها يتعلق بتصفية النفوذ الإقليمي المسلح لإيران. وثالثها يطاول الموقف الإسرائيلي المعارض لأي اتفاق مع النظام القائم في إيران، حتى ولو أجرى «ليفتينغ» على شخصيته السياسية.
وما يعزز هذا الحذر والتروي في سلوك درب التفاهم، ما كشفه الرئيس الأسبق لجهاز الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، عن كواليس مخطط سرّي أميركي ـ إسرائيلي مشترك كان يهدف للإطاحة بالنظام الإيراني مع انطلاق الحرب، عبر الإستعانة بمجموعات مسلحة من بينها مجموعات موالية لحزب العمال الكردستاني. وإنّ هذا المخطط تمّ التوقف عن تنفيذه بعد دخول الرئيس التركي رجب طيب أروغان على الخط، من خلال تواصله مباشرة مع ترامب وثنيه عن تنفيذ الخطة. وأكّد هايمان أنّ الهدف كان زعزعة الإستقرار وإيصال أحمدي نجاد إلى السلطة مجدداً. وتابع، أنّه كان مقرراً أن تكون العمليات العسكرية الكردية هي الشرارة الأولى لإطلاق هذا المخطط. ولم يكن من باب المصادفة كشف إسرائيل عن الموقف التركي من موضوع تحريك الأكراد، ذلك أنّ إسرائيل زودت واشنطن معلومات تقول إنّ تركيا ساعدت في تهريب أسلحة وذخائر إلى «حزب الله» عبر سوريا، وهو ما ظهر في سياق المعارك التي دارت في لبنان. وهو ما يؤشر إلى احتمال توتر العلاقة مستقبلاً بين أنقرة وتل أبيب.
وبالعودة إلى كلام ترامب الغاضب خلال مكالمته مع نتنياهو، فإنّ الأوساط الديبلوماسية تشير إلى أنّ نتنياهو هو من عمد إلى تسريب مضمون المكالمة إلى الإعلام، بهدف تحسين وضعه الداخلي، بعدما اتُهم من قبل خصومه بأنّه يخضع بالكامل لقرارات ترامب. وعندما ألغى نتنياهو قرار مهاجمة الضاحية إنصياعاً لقرار ترامب، ظهرت انتقادات داخل إسرائيل تتهم الحكومة بالتراجع تحت الضغط. ونتنياهو كان بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على أنّه القائد الإسرائيلي الأكثر قدرة على التأثير في واشنطن لا العكس. وبالتالي، فإنّه إذا ظهر أنّ ترامب يفضّل احتواء الحرب والتوصل إلى تسوية شاملة مع إيران، بينما يريد نتنياهو مواصلة سياسة الضغط العسكري، عندها تصبح الصورة مختلفة ومفيدة لنتنياهو.
لكن السؤال الأهم يبقى حول ما إذا كانت واشنطن وطهران ستتفقان على عدم استخدام الساحة اللبنانية كحلبة نزاع بينهما. وإذا حصل ذلك فعندها قد نشهد تحولاً سياسياً داخلياً أكبر بكثير مما يوحي به مجرد وقف إطلاق النار. فإذا توافقت واشنطن وطهران على أنّ الإستقرار يخدم مصالحهما، عندها قد تتحول الساحة اللبنانية من ساحة مواجهة إلى حاضنة تسويات وضبط توترات. والمؤشرات المشجعة تأتي أيضاً من العراق، حيث بدأت تحولات عميقة داخل البيت الشيعي حول مستقبل الفصائل ودورها في المرحلة المقبلة. فلقد انضمت «عصائب أهل الحق» إلى فصائل «سرايا السلام» في قرار الإلتحاق بالدولة، بعدما فكّت ارتباطها بـ«الحشد الشعبي». وهو مسار يشي بالعودة عن استراتيجية إزدواجية السلاح التي كانت قائمة، والتي شكّلت ركيزة «محور المقاومة» وفلسفته ومضمونه.
وإذا حصلت التسوية وتمّ تثبيتها، فقد ينتقل لبنان من مرحلة الحرب المفتوحة إلى مرحلة النزاع على شكل الدولة وتوازن القوى الداخلي. عندها سيكون السؤال الرئيسي، من سيمسك بقرار الأمن والدفاع في لبنان خلال السنوات المقبلة؟ وهذا الملف مرشح لأن يصبح محور الحياة السياسية اللبنانية في المرحلة المقبلة.
لا شك في أنّ واشنطن ستبقى الراعية للقرار العسكري اللبناني، لكن وفق أي صيغة جديدة؟ فالمفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجارية تحت الرعاية الأميركية تضمنت تجربة المنطقة pilot إضافة إلى تدريب وتسليح مميز للقوة التي ستتولّى الإنتشار في الجنوب. وتتّجه واشنطن إلى تعزيز دعمها للجيش عبر برامج تدريب وتأهيل، في إطار ترتيبات أمنية في الجنوب واعتماد آليات جديدة لتعزيز الإستقرار. ولفت قول وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إنّ إدارته تريد أن ترى جيشاً بالقوة والإمكانات التي تمكّنه من نزع سلاح «حزب الله». وفي المقابل، نفّذت الطائرات الإسرائيلية إستهدافات مباشرة لقوة الجيش الموجودة في منطقة النبطية، في رسالة نارية مفادها: اخرجوا من هذه المنطقة. وهو ما يؤشر إلى عدم تطابق الرؤيتين الأميركية والإسرائيلية تجاه الجنوب، ولو أنّهما تتقاطعان حول نزع سلاح «حزب الله». وإذا كانت التسوية مرتبطة بترتيبات أمنية جديدة في الجنوب، فقد يصبح نفوذ الدولة أكبر في الملفات الأمنية، مقارنة بما كان عليه الوضع، وهو ما قد يدفع إلى توازنات حكومية جديدة. لأنّ ذلك سيعني الإنتقال التدريجي من معادلة «إدارة النزاع» إلى معادلة «إدارة التسوية». لكن إسرائيل ما زالت تعمل على التشكيك بقدرة السلطة اللبنانية على الإمساك بالقرار الأمني، عبر تساؤلها بخبث عمّا إذا كانت السلطة اللبنانية نجحت في إدارة مرحلة النزاع.
ويوم الاثنين الماضي، كان من الصعب التصديق أنّ قرار نتنياهو باستهداف الضاحية لم يكن يحظى بموافقة البيت الأبيض. وبعد الظهر جاءت المفاجأة مع ما كتبه ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» حول وقف النار، والذي جاء مليئاً بالتناقضات. واستكمل ترامب سلسلة مفاجآته المذهلة مع تجاوزه للسلطة اللبنانية وتواصله مع السفيرة اللبنانية، في خطوة شكّلت سابقة على مستوى سلوك الرئاسة الأميركية. وبدا مع خطوته الغريبة هذه، أنّه يتحاشى التواصل مع أركان السلطة اللبنانية. ولكن ترامب قفز عملياً فوق سلطة ساهمت واشنطن بترتيبها، وذهب لمخاطبة «حزب الله». الأكيد أنّ لهذه التقلبات علاقة بمفاوضاته مع إيران. لكن ثمة جانباً آخر تهمس به بعض الكواليس الديبلوماسية، فهي تشير إلى تنامي الرأي المؤيّد لقلب الطاولة في لبنان داخل الحلقة القريبة منه، من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة. ولم تستبعد هذه الأوساط أن يكون توم برّاك أحد المؤيدين لهذا الرأي.
أجرت مجلة «الإيكونوميست» استطلاعاً للرأي للفترة ما بين 29 أيار والأول من حزيران، وطاول شريحة واسعة من الأميركيين. وظهر أنّ 55% من المستطلعين يحملون نظرة إيجابية لبابا الكاثوليك لاوون الأميركي المولد والجنسية، فيما حصل ترامب على نسبة 37% فقط. مع العلم أنّ نسبة الكاثوليك في الولايات المتحدة الأميركية لا تتجاوز 22% في أفضل الحالات، والبلاد شهدت حساسيات تاريخية مع الكاثوليك. كذلك ينظر 23% بنظرة سلبية إلى البابا لاوون، فيما ينظر 59% سلباً إلى ترامب. وعلى مستوى النساء، حاز ترامب على 62% كنظرة سلبية في مقابل 55% عن الرجال. أما البابا فنال نسبة سلبية عند النساء بلغت 20% مقارنة بـ27% عند الرجال. وهي إشارة إضافية إلى تراجع شعبية ترامب حتى من خلال مقارنة بالغة الحساسية، وهو الذي لم يتورع عن مهاجمة البابا لاوون منذ فترة قصيرة. والإستنتاج أنّ ترامب في حاجة ماسّة لانتصار سياسي واقتصادي، واتفاق جيد مع إيران قادر على تأمين ذلك، شرط أن لا يحتوي كثيراً من الثغرات.
جوني منيّر – الجمهورية
The post التسوية باتت قريبة؟ appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.






