في خضم التوترات الدبلوماسية الإقليمية، برزت مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في حزيران 2026 كخطوة قد تفتح الباب أمام إيران للوصول إلى مليارات الدولارات المحتجزة في أنحاء العالم.
تتراوح التقديرات المتداولة للأصول الإيرانية المقيّدة أو المحتجزة في الخارج بين نحو 80 و120 مليار دولار، وفقاً لاختلاف تعريف الأصول المشمولة وإمكانية الوصول الفعلي إليها. ولا توجد إحصاءات رسمية موحدة لهذه الأصول بسبب تباين طبيعتها القانونية والمالية.
غير أن بعض التحليلات تشير إلى أن القيمة السائلة والمتاحة فعلياً قد تكون أقل من 80 مليار دولار. إذ يوجد جزء كبير من هذه الأرصدة، خصوصاً في الصين، محفوظاً في شكل حسابات ضمان (Escrow) أو اتفاقيات تجارة مقايضة (Barter) غير سائلة تماماً، مما يحدّ من قدرة إيران على التصرف الحر بها أو تحويلها نقداً.
لا تمثل هذه الأرصدة مجرد أموال محتجزة في حسابات مصرفية، بل تشكل إحدى أبرز أوراق الضغط المتبادلة بين إيران والغرب، وركناً أساسياً في معادلة العقوبات والمفاوضات النووية.
وقد نصّت المادة 11 من مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في إسلام آباد بين واشنطن وطهران، على ما يلي:
“تتعهد الولايات المتحدة بإتاحة الأموال والأصول الإيرانية المجمدة أو المقيدة للاستخدام الكامل فور بدء تنفيذ هذه المذكرة.
وسيتفق الطرفان على الإجراءات المتعلقة بالإفراج عن هذه الأموال خلال المفاوضات.
وتكون هذه الأموال، سواء بقيت في حساباتها الأصلية أو جرى تحويلها، متاحة بالكامل للاستخدام في الدفع لأي مستفيد نهائي يحدده البنك المركزي الإيراني. كما تتعهد الولايات المتحدة بإصدار جميع التراخيص والتصاريح اللازمة لذلك”.
كيف بدأت قصة الأموال الإيرانية المجمدة؟
تعود جذور الأزمة إلى عام 1979، عندما أطاحت الثورة الإسلامية بالشاه محمد رضا بهلوي، ووقعت أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارة الولايات المتحدة بطهران. رد الرئيس جيمي كارتر بتجميد حوالي 12 مليار دولار (بقيمة ذلك الوقت) من الأصول الإيرانية في الولايات المتحدة. كان هذا الإجراء جزءاً من قطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الكاملة مع إيران، ومنع استيراد النفط الإيراني. وشكّل هذا القرار أحد أوائل وأبرز استخدامات قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) ضد دولة أجنبية. وأدى خلال مطلع الثمانينيات إلى اضطرابات مالية وتجارية واسعة في الاقتصاد الإيراني.
ومع مرور السنوات، توسعت العقوبات لتشمل مؤسسات وأفراداً، وتوسعت دائرة التجميد لتشمل ليس فقط الأرصدة المباشرة في الولايات المتحدة، بل أيضاً أصولاً في دول مختلفة بسبب عقوبات أمريكية ودولية متتالية مرتبطة بالبرنامج النووي، ودعم الجماعات المسلحة، وتطوير الصواريخ الباليستية. شملت هذه الأصول حسابات بنكية، وعقارات، ومدفوعات نفطية محتجزة.
العقوبات النووية وتراكم الأموال في آسيا
مع تصاعد التوتر حول البرنامج النووي الإيراني في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فرضت الولايات المتحدة والأمم المتحدة وأوروبا عقوبات مالية شديدة. أدى ذلك إلى تجميد إيرادات النفط الإيراني في بنوك الدول المستوردة الرئيسية.
في كوريا الجنوبية، تراكمت حوالي 7 مليارات دولار بحلول عام 2021، وفي عام 2023 نُقل نحو 6 مليارات دولار منها إلى حسابات في قطر كجزء من صفقة تبادل أسرى، لكنها ظلت مقيدة للاستخدام الإنساني فقط. أما اليابان، فقد احتجزت نحو 1.5 إلى 3 مليارات دولار. وفي الصين، يُقدر حجم الأصول المحتجزة بين 20 و50 مليار دولار في حسابات الضمان (Escrow) . وحسب تقديرات مختلفة، تحتجز الهند حوالي 7 مليارات دولار، والعراق ما بين 6 و15 مليار دولار من المستحقات المرتبطة بصادرات الغاز والكهرباء الإيرانية.
الأصول في أوروبا والولايات المتحدة
في لوكسمبورغ، يُحتجز نحو 1.6 مليار دولار في حسابات البنك المركزي الإيراني لدى شركة “Clearstream” منذ 2015. ويأتي ذلك ضمن نزاع قانوني معقد يجمع بين دعاوى تعويضات من ضحايا هجمات إرهابية منسوبة إلى إيران، ومسألة حصانة الأصول السيادية للبنك المركزي.
في الولايات المتحدة، تسمح بعض الأحكام القضائية بتحويل جزء من الأصول الإيرانية المجمدة إلى ضحايا هجمات مرتبطة بإيران، فيما تُقدّر الأصول المجمدة مباشرة داخل البلاد بنحو ملياري دولار، إضافة إلى أموال أخرى محولة إلى حسابات مقيدة الاستخدام في دول مثل قطر وعُمان.
آليات التحويل والإفراج المشروط
لا يعني الإفراج دائماً تحويل الأموال نقداً إلى طهران، بل يعتمد على آليات دقيقة تخضع للرقابة الأمريكية.
الآلية الأبرز هي التحويل إلى دول ثالثة تحت الإشراف، كما حدث عام 2023 بنقل الأموال الكورية إلى قطر، حيث تبقى الأرصدة في بنوك قطرية وتُخصص لشراء سلع إنسانية فقط مع خضوع العمليات لتقارير وإجراءات رقابية تشرف عليها وزارة الخزانة الأمريكية.
تعتمد الآلية الثانية على تراخيص مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، التي تسمح بمعالجة المدفوعات بشرط عدم توجيهها لأغراض عسكرية أو لجهات محظورة. أما التجارة المقابلة (Barter)، فتُستخدم مع الصين والهند والعراق، حيث تُسدد الأموال المحتجزة مقابل واردات بضائع مباشرة.
وفي الإفراج التدريجي المرتبط بالاتفاقيات، ترتبط كل دفعة بتعهدات نووية وأمنية، مع تداول تقديرات تشير إلى إمكانية الإفراج بما بين 12 و24 مليار دولار في المرحلة الأولى من مذكرة 2026.
من الاتفاق النووي إلى مذكرة 2026
خلال الاتفاق النووي (JCPOA) عام 2015، أُتيح لإيران الوصول إلى جزء كبير من أصولها المقيّدة نتيجة رفع جزئي للعقوبات. لكن انسحاب الرئيس دونالد ترامب عام 2018 أعاد فرض العقوبات “القصوى”، فأغلق الحسابات وأدى إلى تراكم جديد. اليوم تعود الدورة نفسها مع مذكرة التفاهم 2026: إفراج مشروط مقابل التزامات، في لعبة معقدة من المصالح الدولية.
أربعة عقود من الضغط والتكيّف
شكلت العقوبات ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني، محوّلةً بلداً غنياً بالموارد إلى اقتصاد يعاني من تضخم مزمن تجاوز في بعض السنوات 40%. كما رافق ذلك تراجع حاد في قيمة الريال، وارتفاع في معدلات الفقر، وتباطؤ ملحوظ في النمو الاقتصادي.
شهدت صادرات النفط تراجعاً حاداً في فترات تشديد العقوبات، قبل أن تستعيد جزءاً من مستوياتها عبر قنوات تصدير بديلة. وغادرت شركات أجنبية كبرى السوق، مما أدى إلى بطالة مرتفعة وأزمات طاقة متكررة. ورغم قدرة إيران على الصمود عبر “اقتصاد المقاومة” والالتفاف على العقوبات، فإن الخسائر التراكمية بالمليارات أعاقت التنمية طويلة الأمد، وكان المواطنون العاديون والطبقة الوسطى الأكثر تأثراً بها.
أسباب استمرار العقوبات على إيران
يستمر فرض العقوبات الدولية والأمريكية على إيران، رغم بعض الاتفاقات المؤقتة، بسبب مخاوف دولية مستمرة تتعلق بثلاثة ملفات رئيسية: برنامجها النووي الذي تجاوز في مراحل عدة الحدود المحددة في اتفاق 2015 (JCPOA)، خصوصاً في مستويات تخصيب اليورانيوم وتراكم المخزون؛ وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية الذي يُنظر إليه كتهديد إقليمي؛ بالإضافة إلى دعم إيران لجماعات مسلحة حليفة لها في لبنان وفلسطين واليمن والعراق وسوريا، وهو ما تعتبره الولايات المتحدة وحلفاؤها عاملاً رئيسياً في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
ترى الولايات المتحدة وحلفاؤها أن هذه الأنشطة تشكل تهديداً أمنياً مستمراً، وأن رفع العقوبات الكامل يتطلب تقدماً ملموساً في تقييد هذه البرامج والأنشطة.
الأصول المجمّدة رهينة السياسة والاقتصاد
تمثل الأصول الإيرانية المجمدة نموذجاً فريداً لتداخل السياسة بالاقتصاد في العلاقات الدولية المعاصرة. فهي ليست مجرد أموال محتجزة في حسابات مصرفية، بل أوراق تفاوض استراتيجية تتحرك قيمتها تبعاً لمسار الأزمات والاتفاقات. وبينما قد يوفر أي إفراج جديد متنفساً للاقتصاد الإيراني، فإن مستقبل هذه الأموال سيظل رهناً بالتوازنات السياسية والأمنية التي حكمت مصيرها طوال العقود الأربعة الماضية.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة إيران على توظيف أي أموال يُفرج عنها في معالجة أزماتها الاقتصادية وتحسين أوضاعها المالية، وسط استمرار الجدل الدولي بشأن أولويات الإنفاق والسياسات الإقليمية.
عبد الفتاح خطاب – المدن
The post الأصول الإيرانية المحتجزة.. مليارات رهينة المساومات السياسية appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




