بعد ساعات على توقيع “الاتفاق الإطاري الثلاثي” بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بدأت تتردد في الأصداء معركة تتجاوز التموضع الميداني والعسكري في “جنوب الليطاني” لتلامس صلب الميثاقية والدستور اللبناني.
وبينما سارعت عواصم القرار للاحتفاء بتوقيع دشّنته سفيرة لبنان في الولايات المُتحدة ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي، برزت علامات استفهام حول القيمة القانونية والملزمة لهذا المستند في غياب المسار الدستوري المعتاد، وسْط جدل قانوني يتأرجح بين اعتباره مجرد “تفاهم إجرائي مؤقت” لا يتطلب موافقة السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبين كونه “معاهدة دولية” تمس السيادة الوطنية وتفرض التزامات جوهرية تستدعي حُكمًا عبور قنوات مجلسي الوزراء والنواب.
عقدة السيادة وصلاحيات التوقيع
تفتح خطوة توقيع الاتفاق عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة الباب أمام إشكالية بنيوية في القانون الدستوري اللبناني. فالنص الموقّع، بما يحمله من بنود تتعلق بـِ “المناطق التجريبية”، وتعديل الترتيبات الأمنية، ونزع سلاح مجموعات غير نظامية، لا يمكن إدراجه في خانة التدابير الإدارية العابرة. هنا تكمن العقدة السيادية: هل تملك السفيرة اللبنانية صلاحية إلزام الدولة اللبنانية بمسار أمني وسياسي بهذا الحجم بمجرد تفويض خطي أو شفهي من رئيسيْ الجمهوريّة والحكومة أو وزير الخارجية؟
المادة 52: الأساس
من الناحية المبدئية، تمنح المادة 52 من الدستور اللبناني رئيس الجمهورية صلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، على أن لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتذهب المادة ذاتها إلى أبعد من ذلك، لتشترط موافقة مجلس النواب صراحة على المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة، أو تعديل حدودها، أو تلك التي تُرتّب التزامات مصيرية.
مسار إجرائي أم صك ملزم؟
عنوانُ الاتفاق هو “إطار عمل” (Framework) أو إعلان نوايا بين لبنان وإسرائيل، أي أنّه لم يرتق بعد ليُصبح “معاهدة سلام” نهائية. ووفقًا لهذه الرّؤية، فإنّ توقيع السّفراء يكفي لإطلاق المسار الإجرائي، تمامًا كما جرى في تفاهمات سابقة شهدها تاريخ الصراع، حيث لم تُعرض تلك التفاهمات على البرلمان لكونها التزامات تقنية وميدانية مؤقتة لترتيب وقف الأعمال العدائية، وليست صكوكًا دولية دائمة.
مسرة: العبرة في السيادة لا الشكل
في قراءة أعمق لأبعاد هذا الجدل، يرى الخبير الدستوري الدكتور أنطوان مسرّة في حديثٍ لـِ “المدن” أنّ طبيعة الاتفاق كونه “إطارًا عامًّا مؤقّتًا واختباريًا” تتبعه خطوات أخرى، لا تقلل أبدًا من خطورته وأهميته، بل تفرض موجبات حتمية على الأطراف المعنية في مرحلة التنفيذ. ويشير مسرة إلى أنَّ السجالات الراهنة تغفل جوهر القضية، وهي مسؤولية اللبنانيين أنفسهم في استعادة قرار دولتهم. إذ يضع الاتفاق، وفق تعبيره، الشعب اللبناني أمام مِحك تحديد مصيره، وما إذا كان يرتضي الاستقلال الكامل أم القبول بالاحتلال.
ويوضح مسرة لـِ “المدن” أنَّ التشريعات والنصوص تسقط قيمتها ما لم تقترن باستعادة الدولة لكامل صلاحياتها السيادية، وإلا فإن البديل سيكون الانزلاق نحو حرب أهلية ممتدة، وهي فرضية يدركها الجانب الإسرائيلي الذي يضع الواقع اللبناني تحت الاختبار اليوم. من هنا، يؤكد مسرة أنَّه عندما يتبلور هذا الإطار إلى “اتفاقية أمنية ثابتة” تترافق مع انتشار الجيش اللبناني، يصبح لزامًا عرضها على مجلس الوزراء لإقرارها، مُستشهدًا بالسابقة التاريخية لـ”اتفاق القاهرة” العام 1969 الذي حظيَّ بمسار تشريعي قبل أن يعود مجلس النواب ويلغيه في 1987.
ويحذر مسرة من حالة “التموضع والمكابرة” السياسية التي يمارسها نصف اللبنانيين في قضية جوهرية تمس الاستقلال واستعادة الدولة بقوة جيشها الشرعي، خاصة في لحظة تاريخية تشهد دعماً أميركيًا وعربيًا غير مسبوق للبنان، مضيفًا أنَّ “الاتفاق الإطاري الثلاثي” يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مفصلي يتجاوز السجال القانوني حول التسميات والمصطلحات. وبين من يراه مجرد “تفاهم إجرائي مؤقت” لا يتطلب تعقيدات برلمانية، ومن يراه “معاهدة مقنّعة” تمس جوهر السيادة وتستوجب تفعيل الآليات الدستورية وفق المادة 52، يبقى المحك الحقيقي في مدى قدرة الدولة على استعادة حصرية قرارها الأمني والسياسي.
ووفق مسرة، فإن العبور بهذا الاتفاق إلى برِّ الأمان لا يتوقف فقط على استكمال مساراته الإجرائية وتحديد حدود صلاحيات التوقيع والإبرام بين السلطات الرسمية، بل يكمن في مدى نضوج الإرادة اللبنانية الجامعة للالتفاف حول مؤسساتها الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني. وإذا كانت السوابق التاريخية، كـَ “اتفاق القاهرة”، قد أثبتت أنَّ النصوص القانونية تسقط وتتبدد إذا لم تترجم سيادة حقيقية على الأرض، فإنّ الاتفاق الراهن يُشكل فرصة، وفق ما يرى مؤيّدوه، مدعومة بزخم دولي وعربي، لإنهاء زمن التموضع، والانتقال بلبنان من مربع “الساحة المفتوحة” للاختبارات الأمنية، إلى رحاب “الدولة” كاملة السيادة والاستقلال. فيما يراه مُعارضوه نقيضًا للدستورِ ويضع لبنان في الداخل أمام احتمالات مفتوحة لمعارضة الاتفاق قد تكون ظهرت إرهاصاتها في ليل الضاحية الجنوبية أمس.
التوقيع غير كافٍ
من جهته، يعتبر المحامي نزار صاغية في حديثه لـِ “المدن” أن توقيع السفراء غير كافٍ، ويجب أن يُحوّل الاتفاق إلى مجلس الوزراء ليتم البت به رسميًا. ويقول: “رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وافقا على التفاوض الأولي، وأعطي الحق للسفراء بتوقيع الاتفاق، ولكن على الاتفاقية أن تُعرض على الحكومة كحدٍ أدنى، ويجب أن تمر أيضًا عبر مجلس النواب في حال وُجد فيها أيّ مخالفات قانونية أو دستورية. في الاتفاقية الموقعة يوم الجمعة، العديد من المخالفات القانونية والدستورية، خصوصًا في المادة 13، التي جرى فيها التنازل عن حق مقاضاة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، فلبنان يلتزم بالمواثيق الأممية ويحق له ملاحقة جرائم إسرائيل على الأراضي اللبنانية التي تسببت بقتل العديد من اللبنانيين، كما أنَّ المواثيق العربية التي يلتزم بها لبنان تتمحور حول معاداة “الصهيونية” ومحاربتها، لذلك أمام كل المخالفات التي وجدت في اتفاق يوم أمس، يعتبر توقيع السفراء غير كافٍ، ويجب موافقة كل من مجلس الوزراء ومجلس النواب على مضمون هذه البنود”.
فرح منصور – المدن
The post اتفاق الإطار: سجال قانوني في صلب الميثاقية والدستور اللبناني appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.




